في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

وعندئذ فقط ، وبعد هذه التسبيحة الطويلة يجرؤ على الإثبات والتقرير فيما قاله وفيما لم يقله ، فيثبت أنه لم يقل لهم إلا أن يعلن عبوديته وعبوديتهم لله ويدعوهم إلى عبادته :

( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به : أن اعبدوا الله ربي وربكم ) .

ثم يخلي يده منهم بعد وفاته . . وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى بن مريم ثم رفعه إليه . وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله . وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يثير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض ، وأن يكون حيا عنده . فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله . أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفا . وكذلك صورة حياة عيسى - عليه السلام - وهو هنا يقول لربه : إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي :

( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

قوله تعالى : " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به " يعني في الدنيا بالتوحيد . " أن اعبدوا الله " " أن " لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[6189]} " [ ص : 6 ] . ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلوا كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين .

قوله تعالى : " وكنت عليهم شهيدا " أي حفيظا بما أمرتهم . " ما دمت فيهم " " ما " في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم . " فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه أن يرفعه وليس بشيء ؛ لأن الأخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه ، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء . قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وذلك قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[6190]} " [ الزمر : 42 ] يعني وقت انقضاء أجلها . ووفاة النوم قال الله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل{[6191]} " [ الأنعام : 60 ] يعني الذي ينيمكم . ووفاة الرفع قال الله تعالى : " يا عيسى إني متوفيك{[6192]} " [ آل عمران : 55 ] . وقوله{[6193]} " كنت أنت " " أنت هنا{[6194]} " توكيد " الرقيب " خبر " كنت " ومعناه الحافظ عليهم والعالم بهم والشاهد على أفعالهم ، وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة{[6195]} لأنها في موضع الرقيب من علو المكان . " وأنت على كل شيء شهيد " أي من مقالتي ومقالتهم ، وقيل على من عصى وأطاع . خرج مسلم عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة{[6196]} عراة غرلا{[6197]} " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " [ الأنبياء : 104 ] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " قال : فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين{[6198]} مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )


[6189]:راجع ج 15 ص 151.
[6190]:راجع ج 15 ص 260.
[6191]:راجع ج 7 ص 5.
[6192]:راجع ج 4 ص 99.
[6193]:من ك.
[6194]:من ك.
[6195]:في الأصول: الرقبة. والمثبت هو اللغة.
[6196]:الزيادة عن صحيح مسلم.
[6197]:غرل (جمع أغرل) أي غير مختونين، والمراد –والله أعلم- إنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا ينقص منهم شيء، بل يتم لهم كل ما نقص منهم. "هامش مسلم".
[6198]:من ك و هـ و ب و ع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه ، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين : إشارة وعبارة ، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال ، وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من{[28338]} حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه{[28339]} أنه بتلك المنزلة ، لا يجوز أن يعتقد فيه{[28340]} أنه فوقها ولا دونها ، يعبد{[28341]} الله تعالى بذلك : { ما قلت لهم } أي ما أمرتهم بشيء{[28342]} من الأشياء { إلا ما أمرتني به } ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله : { أن اعبدوا } أي ما أمرتهم إلا بعبادة{[28343]} { الله } أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره ؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه{[28344]} فقال : { ربي وربكم } أي أنا وأنتم في عبوديته سواء ، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير ، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة ، وهو من بدائع الأمثلة .

ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه ، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق ، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال : { وكنت عليهم } أي خاصة لا على غيرهم .

ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً ، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقال معبراً بصيغة المبالغة : { شهيداً } أي بالغ الشهادة ، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته { ما دمت فيهم } وأشار إلى الثناء على الله بقوله : { فلما توفيتني } أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي { كنت أنت } أي وحدك { الرقيب } أي الحفيظ القدير{[28345]} { عليهم } لا يغيب عليك شيء من أحوالهم ، وقد منعتهم أنت{[28346]} أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت{[28347]} عليهم على لساني من البينات { وأنت على كل شيء } أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد { شهيد * } أي مطلع غاية الاطلاع ، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو{[28348]} الشهادة ، فإن{[28349]} كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني ، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم .


[28338]:سقط من ظ.
[28339]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28340]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28341]:في ظ: فعبد.
[28342]:في ظ: شيئا.
[28343]:من ظ، وفي الأصل: بالعبادة.
[28344]:في ظ: النعمة.
[28345]:في ظ: الرقيب.
[28346]:زيد من ظ.
[28347]:في ظ: أنت.
[28348]:في ظ "و".
[28349]:في ظ: قال أن- كذا.