بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة ، تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم ، وتشغل نفوسهم ، وتأكل اهتماماتهم . . رحلة سريعة ، قضاها الناس هناك ، ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة .
( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، وما كانوا مهتدين ) . .
وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة ، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة ، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف ، ثم أسدل الستار .
أو هذا مجرد تشبيه لهذه الحياة الدنيا ، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا ، كأن لم يفعلوا شيئاً سوى اللقاء والتعارف ?
إنه لتشبيه ، ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف ? إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين ، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى . ثم يذهبون .
وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع . . . هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون ?
وهذه الشعوب المتناحرة ، والدول المتخاصمة - لا تتخاصم على حق عام ، ولا على منهج سليم ، إنما تتعارك على الحطام والأعراض - هذه . هل عرف بعضها بعضاً ? وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام .
إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا . ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة . . ثم يرحلون !
وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة ، وكذبوا بلقاء الله ، وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة - بل تلك الومضة - فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم ؛ ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية :
قوله تعالى : " ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا " بمعنى كأنهم خففت ، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم . " إلا ساعة من النهار " أي قدر ساعة : يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث ، دليله قولهم : " لبثنا يوما أو بعض يوم{[8500]} " [ الكهف : 19 ] . وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا ، لا مدة كونهم في القبر . ابن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة . " يتعارفون بينهم " في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في " يحشرهم " . ويجوز أن يكون منقطعا ، فكأنه قال فهم يتعارفون . قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ، وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف . ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال : " ولا يسأل حميم حميما{[8501]} " [ المعارج : 10 ] . وقيل : يبقى تعارف التوبيخ ، وهو الصحيح لقوله تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون " إلى قوله " وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا{[8502]} " [ سبأ : 31 - 33 ] وقوله : " كلما دخلت أمة لعنت أختها{[8503]} " [ الأعراف : 38 ] الآية ، وقوله : " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا{[8504]} " [ الأحزاب : 67 ] الآية . فأما قوله : " ولا يسأل حميم حميما " وقوله : " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم{[8505]} " [ المؤمنون : 101 ] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة ، والله أعلم . وقيل : القيامة مواطن . وقيل : معنى " يتعارفون " يتساءلون ، أي يتساءلون كم لبثتم ، كما قال : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون{[8506]} " [ الصافات : 27 ] وهذا حسن . وقال الضحاك : ذلك تعارف تعاطف المؤمنين ، والكافرون لا تعاطف عليهم ، كما قال : " فلا أنساب بينهم " . والأول أظهر ، والله أعلم .
قوله تعالى : " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " أي بالعرض على الله . ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور ، أي خسروا ثواب الجنة . وقيل : خبروا في حال لقاء الله ؛ لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة . قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم ، يقولون هذا . " وما كانوا مهتدين " بريد في علم الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.