في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

ثم يمضي السياق في التعبئة لمواجهة الأحداث ، وفي تقويم التصور لحقيقة الأحداث :

( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات . وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ) . .

ولا بد من تربية النفوس بالبلاء ، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد ، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات . . لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف . والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى . فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين . وكلما تألموا في سبيلها ، وكلما بذلوا من أجلها . . كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها . كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها . . إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم : لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ، ولا صبروا عليه . . وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها ، مقدرين لها ، مندفعين إليها . . وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجا . .

ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى . فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة ؛ وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد . والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون ، والران عن القلوب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

قوله تعالى : " ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين . وقال غيره : لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر . والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا . وأصله المحنة ، وقد تقدم{[1316]} . والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء ، كما تقدم . وقيل : إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق . وقيل : أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم ، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع ، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس .

قوله تعالى : " بشيء " لفظ مفرد ومعناه الجمع . وقرأ الضحاك " بأشياء " على الجمع . وقرأ الجمهور بالتوحيد ، أي بشيء من هذا وشيء من هذا ، فاكتفى بالأول إيجازا " من الخوف " أي خوف العدو والفزع في القتال ، قاله ابن عباس . وقال الشافعي : هو خوف الله عز وجل . " والجوع " يعني المجاعة بالجدب والقحط ، في قول ابن عباس . وقال الشافعي : هو الجوع في شهر رمضان . " ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار . وقيل : بالجوائح المتلفة . وقال الشافعي : بالزكاة المفروضة . " والأنفس " قال ابن عباس : بالقتل والموت في الجهاد . وقال الشافعي : يعني بالأمراض . " والثمرات " قال الشافعي : المراد موت الأولاد ، وولد الرجل ثمرة قلبه ، كما جاء في الخبر ، على ما يأتي . وقال ابن عباس : المراد قلة النبات وانقطاع البركات .

قوله تعالى : " وبشر الصابرين " أي بالثواب على الصبر . والصبر أصله الحبس ، وثوابه غير مقدر ، وقد تقدم{[1317]} . لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى ، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) . وأخرجه مسلم أتم منه ، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها ، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر ، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ، ولذلك قيل : يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث . وقال سهل بن عبدالله التستري : لما قال تعالى : " وبشر الصابرين " صار الصبر عيشا{[1318]} . والصبر صبران : صبر عن معصية الله ، فهذا مجاهد ، وصبر على طاعة الله ، فهذا عابد . فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه ، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات . وقال الخواص : الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة . وقال رويم : الصبر ترك الشكوى . وقال ذو النون المصري : الصبر هو الاستعانة بالله تعالى . وقال الأستاذ أبو علي : الصبر حدّه ألا تعترض على التقدير ، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في قصة أيوب : " إنا وجدناه صابرا نعم العبد{[1319]} " [ ص : 44 ] مع أخبر عنه أنه قال : " مسني الضر " [ الأنبياء : 83 ] .


[1316]:تراجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص387 طبعة ثانية.
[1317]:راجع ج 1 ص 371
[1318]:هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا
[1319]:راجع ج 15 ص 215
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

{ ولنبلونكم } أي : نختبركم ، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه أن يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا ، لأن الله يعلم ما كان وما يكون والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين ، وقيل : لكفار قريش ، والأول أظهر لقوله بعد هذا :{ بشيء من الخوف } من الأعداء .

{ والجوع } بالجدب .

{ ونقص من الأموال } بالخسارة .

{ والأنفس والثمرات } بالجوائح ، وقيل : ذلك كله بسبب الجهاد .