في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (115)

104

والذي يجعلنا نرجح أن الآيتين نزلتا في مناسبة تحويل القبلة ، هو الآية الثانية منهما :

( ولله المشرق والمغرب ، فأينما تولوا فثم وجه الله ، إن الله واسع عليم ) .

فهي توحي بأنها جاءت ردا على تضليل اليهود في ادعائهم إن صلاة المسلمين إذن إلى بيت المقدس كانت باطلة ، وضائعة ولا حساب لها عند الله ! والآية ترد عليهم هذا الزعم ، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة ، فثم وجه الله حيثما توجه إليه عابد . وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة ، لا أن وجه الله - سبحانه - في جهة دون جهة . والله لا يضيق على عباده ، ولا ينقصهم ثوابهم ، وهو عليم بقلوبهم ونياتهم ودوافع اتجاهاتهم . وفي الأمر سعة . والنية لله ( إن الله واسع عليم ) . . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (115)

الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها . وللقلوب شوارق وطوارق . وطوارقها هواجس النفوس تطرق في ظلمات المنى والشهوات .

وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف .

فما دامت الشوارق طالعة فَقِبلْةُ القلوب ، واضحة ظاهرة ، فإذا استولت الحقائق خَفَى سلطانُ الشوارق ، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس ، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر ، فلا شهود رسم ، ولا بقاء حِسِّ وفَهْم ، ولا سلطان عقل وعلم ، ولا ضياء عرفان . فإن وجدان هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية ، وإذا صار الموصوف محواً فأنَّى لهم ببقاء الصفة .

قال تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } ما دام يبقى من الإحساس والتمييز بقية - ولو شظية - فالقِبْلة مقصودة ، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة . وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائلُ بكلِّ وِجْهَةٍ ، ولا معرفةَ بالقِبْلة تَسَاوَتْ الجهاتُ في جواز الصلاة إلى كل واحدٍ منها إذا لم يكن للنية ترجيح .