في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

42

52

إن الرسل عندما يكلفون حمل الرسالة إلى الناس ، يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة ، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتبعوه . . ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة والرسل بشر محدودو الأجل . وهم يحسون هذا ويعلمونه . فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق . . يودون مثلا لو هادنوا الناس فيما يعز على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات فيسكتوا عنها مؤقتا لعل الناس أن يفيئوا إلى الهدى ، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة ! ويودون مثلا لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء استدراجهم إلى العقيدة ، على أمل أن تتم فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة !

ويودون . ويودون . من مثل هذه الأماني والرغبات البشرية المتعلقة بنشر الدعوة وانتصارها . . ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة ، وفق موازينها الدقيقة ، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . فالكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم . . هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين ، ولو خسرت الأشخاص في أول الطريق . فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف ، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش ، مستقيمة لاعوج فيها ولا انحناء . .

ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية ، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات ، فرصة للكيد للدعوة ، وتحويلها عن قواعدها ، والقاء الشبهات حولها في النفوس . . ولكن الله يحول دون كيد الشيطان ، ويبين الحكم الفاصل فيما وقع من تصرفات أو كلمات ، ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل ، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة . كما حدث في بعض تصرفات الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وفي بعض اتجاهاته ، مما بين الله فيه بيانا في القرآن . .

بذلك يبطل الله كيد الشيطان ، ويحكم الله آياته ، فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب :

( والله عليم حكيم ) . .

/خ54

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

يخبر تعالى بحكمته البالغة ، واختياره لعباده ، وأن الله ما أرسل قبل محمد { مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى } أي : قرأ قراءته ، التي يذكر بها الناس ، ويأمرهم وينهاهم ، { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أي : في قراءته ، من طرقه ومكايده ، ما هو مناقض لتلك القراءة ، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله ، وحفظ وحيه أن يشتبه ، أو يختلط بغيره . ولكن هذا الإلقاء من الشيطان ، غير مستقر ولا مستمر ، وإنما هو عارض يعرض ، ثم يزول ، وللعوارض أحكام ، ولهذا قال : { فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي : يزيله ويذهبه ويبطله ، ويبين أنه ليس من آياته ، و { يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } أي : يتقنها ، ويحررها ، ويحفظها ، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان ، { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } أي : كامل القوة والاقتدار ، فبكمال قوته ، يحفظ وحيه ، ويزيل ما تلقيه الشياطين ، { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها ، فمن كمال حكمته ، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور ، ليحصل ما ذكره بقوله : { لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (52)

ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبهاً ، يعاجزون بها بجدالهم في دين الله الذي أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بإظهاره ، وتقريره وإشهاره ، عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله : { وما أرسلنا } أي بعظمتنا { من قبلك } ثم أكد الاستغراق بقوله : { من رسول } أي من ملك أو بشر بشريعة جديدة يدعو إليها { ولا نبي } سواء كان رسولاً أو لا ، مقرر بالحفظ لشريعة سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوض بأنبياء بني إسرائيل الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، فإن الله تعالى سماهم رسلاً في غير آية منها{ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل }[ البقرة : 87 ] فالصواب أن يقال : النبي إنسان أوحي إليه بشرع جديد أو مقرر ، فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضاً ، والتقييد بشرع لإخراج مريم وغيرها من الأولياء { إلا إذا تمنى } أي تلا على الناس ما أمره الله به أو حدثهم به واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصاً منه على إيمانهم شفقة عليهم { ألقى الشيطان في أمنيته } أي ما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل ، من الشبه والتخيلات ما يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم }[ الأنعام : 121 ] { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً }[ الأنعام : 112 ] كما يفعل هؤلاء فيما يغيرون به في وجه الشريعة أصولاً وفروعاً من قولهم : إن القرآن شعر وسحر وكهانة ، وقولهم{ لو شاء الله ما أشركنا }[ الأنعام : 148 ] وقولهم

{ هؤلاء شفعاؤنا عند الله }[ يونس : 18 ] وقولهم : إن ما قلته الله بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ذبح ، وقولهم : نحن أهل الله وسكان حرمه ، لا نخرج من الحرم فنقف في الحج بالمشعر الحرام ويقف الناس بعرفة ، ونحن نطوف قي ثيابنا وكذا من ولدناه ، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عرياناً ذكراً كان أو أنثى إلا أن يعطيه أحد منا ما يلبسه ، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله ، وكذا تأويلات الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدوا فيها ، يضل بها من يشاء الله ثم يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره { فينسخ } أي فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { ما يلقي الشيطان } فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له .

ولما كان إبطاله سبحانه للشبه إبطالاً محكماً ، لا يتطرق إليه لعلو رتبة بيانه - شبهة أصلاً ، عبر بأداة التراخي فقال : { ثم يحكم الله } أي الملك الذي لا كفوء له { آياته } أي يجعلها جلية فيما أريد منها ، وأدل دليل على أن هذا هو المراد مع الافتتاح بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفاً على ما تقديره : فالله على ما يشاء قدير : { والله } أي الذي له الأمر كله { عليم } أي بنفي الشبه { حكيم* } بإيراد الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند من له أدنى بصيرة ، وكذا ما مضى في السورة ويأتي من ذكر الجدال .