إن الرسل عندما يكلفون حمل الرسالة إلى الناس ، يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة ، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتبعوه . . ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة والرسل بشر محدودو الأجل . وهم يحسون هذا ويعلمونه . فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق . . يودون مثلا لو هادنوا الناس فيما يعز على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات فيسكتوا عنها مؤقتا لعل الناس أن يفيئوا إلى الهدى ، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة ! ويودون مثلا لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء استدراجهم إلى العقيدة ، على أمل أن تتم فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة !
ويودون . ويودون . من مثل هذه الأماني والرغبات البشرية المتعلقة بنشر الدعوة وانتصارها . . ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة ، وفق موازينها الدقيقة ، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . فالكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم . . هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين ، ولو خسرت الأشخاص في أول الطريق . فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف ، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش ، مستقيمة لاعوج فيها ولا انحناء . .
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية ، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات ، فرصة للكيد للدعوة ، وتحويلها عن قواعدها ، والقاء الشبهات حولها في النفوس . . ولكن الله يحول دون كيد الشيطان ، ويبين الحكم الفاصل فيما وقع من تصرفات أو كلمات ، ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل ، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة . كما حدث في بعض تصرفات الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وفي بعض اتجاهاته ، مما بين الله فيه بيانا في القرآن . .
بذلك يبطل الله كيد الشيطان ، ويحكم الله آياته ، فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب :
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 54 ) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( 57 ) } .
52 - وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
الرسول : من جاء بشرع جديد أنزله الله عليه ، وأيده بمعجزة تؤيد رسالته .
النبي : صاحب معجزة تؤيد نبوته ، وقد أمره الله أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ، ولم ينزل الله عليه كتابا بشرع جديد ، فالرسول صاحب شرع ، والنبي حافظ شرع .
تمنى : لها عدة معان ، منها : أراد ، وقرأ .
يحكم : يحفظها من التأثر بوساوس الشيطان ، ويجعلها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال .
كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هداية قومه ، حزينا من إعراضهم عن الرسالة والدعوة ، وكان إذا قرأ القرآن الكريم ، تصدى المنافقون ، وشياطين الإنس يؤولونه تأويلا بعيدا ، ويلصقون التهم بالقرآن ، فيقولون إنه سحر وشعر وكهانة ، وأساطير الأولين ، والرسول بشر يتمنى لو اتسع نطاق الدعوة ، وكثر المؤمنون ، وربما دخل عليه الشيطان من هذا الباب .
روى البخاري عن ابن عباس في ذلك : إذا حدث – أي : النبي – ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان .
والمعنى : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حدث نفسه ، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة ، فيقول : لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون . ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك ، فيبطل ما يلقي الشيطان ، أي : أن المراد حديث النفس .
قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله .
تأويل تمني بمعنى : قرأ ، وأمنيته : بمعنى قراءته ، ويدل على استعمال التمني بمعنى القراءة ، قول حسان بن ثابت في عثمان بن عفان بعد قتله :
تمنى كتاب أول ليلة *** وآخرها لاقى حمام المقادر
أي : قرأ كتاب الله في أول الليلة ، وفي آخرها قتله الثائرون عليه .
وما أرسلنا قبلك يا محمد – رسولا ولا نبيا – إلا إذا قرأ وتلا كلام الله ، ألقى الشيطان في قراءته وتلاوته ، بعض الأقاويل والأباطيل ، والشبه والتخيلات على أوليائه ، ليجادلوه بالباطل ويردوا ما جاء به ، تعجيزا لمسيرة دعوته ، قال تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . ( الأنعام : 121 ) .
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ .
فيزيل الله ما وسوس به الشيطان ، من الكلمات والخرافات والأباطيل ، التي تعلق بها بعض الكفار ، ثم يجعل آياته محكمة محصنة مثبتة ، لا تقبل التشويه والتزييف ، أو الزيادة والنقصان .
وهو عليم بكل شيء ، له الحكمة التامة والحجة البالغة ، فيجازي المفتري بافترائه ، ويظهر الحق للمؤمنين .
ومن حكمة الله تمكين الشيطان من إلقاء الشبهات ، ليحاج أولياؤه بها ، فيتمكن المؤمنون من ردها ، ودحض المفتريات التي يتشدقون بها ، ويرجع الحق إلى نصابه ، فتظهر الحقيقة ناصعة بيضاء من بين تلك الظلماتxxxvi .
تفسير التمني بمعنى الرغبة والإرادة .
وما أرسلنا قبلك يا محمد من رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى ، وأراد هداية قومه إلى الحق ، ألقى الشيطان فيما تمناه ، الشبه في نفوس قومه ، ليصدهم عن سبيله ، ثم يبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه ، في نفوس الناس ، ثم يحكم الله آياته ، ويحميها ويمنعها من أباطيل المبطلين .
إن الصراع بين الحق والباطل أمر قديم ، عرف الأنبياء والمرسلون قبلك يا محمد ، وإن الأمر ينتهي بنصر الحق على الباطل ، بتدبير الله وحكمته ، فلا تجزع يا محمد مما يأتي به شياطين قومك من السعي بالباطل ، في آيات الله معاجزين ، بتسويل الشيطان الرجيم ، أولئك أصحاب الجحيم وأباطيلهم إلى زوالxxxvii .
قال الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسير المراغي :
هذا وقد دس بعض الزنادقة في تفسير هذه الآية أحاديث مكذوبة لم ترد في كتاب من كتب السنة الصحيحة ، وأصول الدين تكذبها ، والعقل السليم يرشد إلى بطلانها ، وأنها ليست من الحق في شيء . 1 ه .
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قرأ سورة النجم وفيها هذه الآيات : أفرأيتم اللات والعزى * ومنواة الثالثة الأخرى *ألكم الذكر وله الأنثى . ( النجم : 19 – 21 ) .
ألقى الشيطان عندها كلمات ، فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لهي التي ترجى . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وانطلقت بها ألسنتهم ، واستبشروا بها ، ثم نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته ، وحفظ القرآن من الفرية .
وقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
وقد تصدى المفسرون والعلماء لبيان بطلان قصة الغرانيق ، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول .
فالقرآن حافل بالتنديد بعبادة الأصنام ، وبيان أنها لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تجيب ، وليس لها شفاعة ، بل هي حصب جهنم ، وعبادتها احتقار للعقل ، وتقليد أحمق للآباء والأجداد .
وقد تكفل الله بحفظ كتابه من كل تحريف أو باطل ، قال تعالى : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . ( فصلت : 42 ) .
وقال سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . ( الحجر : 9 ) .
نقل فخر الدين الرازي كلاما طويلا ، يفيد أن قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق ، فحديث الغرانيق واهي الأصل ، لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة .
هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره ، وهو من ناحية موضوعه يصادم أصلا من أصول العقيدة ، وهو عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يدس عليه الشيطان شيئا في تبليغ رسالتهxxxviii .
وقد قال الله تعالى : وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى . ( النجم : 3 ، 4 ) .
وقال سبحانه : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ . . . ( يونس : 15 ) .
وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ سورة النجم ، فلما بلغ آية السجدة سجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق .
وروي حديث البخاري من طرق كثيرة ، وليس فيها البتة حديث الغرانيق .
وقد كان أعظم سعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفي الأوثان ، وضلال عبادتها .
ولو جوزنا زيارة شيء على القرآن لارتفع الأمان عن الشرع ، فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادةxxxix .
وقال سبحانه : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ . ( الحاقة : 44 – 47 ) .
وقد أولع المستشرقون والطاعنون في الإسلام بقصة الغرانيق ، والأمر لا يثبت للمناقشة ، فالنص القرآني يقرر أن هذه قاعدة عامة ، في الرسالات كلها مع الرسل كلهم ، من حيث تعرضها للجحود والكنود ، والإغراء والوعد والوعيد ، قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
ومن تأمل سيرة الرسل الكرام ، وسيرة الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجد التفسير واضحا ، فالعقبات في وجه الدعوة كثيرة ، والرسول بشر ، فربما حاول أن يذلل العقبات من طريق الدعوة .
وربما فكر في عمل مجلس للفقراء ، ومجلس لللأغنياء تلبية لرغبات المشركين فتنزل آيات القرآن توجب أن تكون الجلسة عامة ، وأن تفتح الأبواب للناس جميعا على السواء .
قال تعالى : وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ . . . ( الكهف : 27 – 29 ) .
وكذلك في قصة عبد الله ابن أم مكتوم حين أعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وانشغل بأغنياء مكة رجاء أن يؤمنوا ، وأن يؤمن بعدهم الأتباع والأعوان ، فنزلت سورة عبس وتولى . توضح توجيه الله العلي الكبير ، في عرض الهدى على الناس أجمعين ، فليس على الرسول إلا البلاغ ، أما الإيمان فأمره موكول إلى الله تعالى .
قال تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ . ( عبس : 1 – 16 ) .
قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 52 ) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ( 53 ) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ( 54 ) } .
قوله : ( من رسول ولا نبي ) الواو تفيد المغايرة في المعنى بين المعطوف والمعطوف عليه ؛ فيستبين لنا أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ، وهذا يدل على الفرق بين حقيقة الرسول والنبي . فقد قيل : الرسول : الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومخاطبته له شفاها . أما النبي : فهو الذي يأتيه الوحي إلهاما أو في المنام . وقيل : الرسول : من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه . أما النبي : فهو المأمور أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب . وهما كلاهما لابد لهما من المعجزة .
قوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ( تمنى ) أي اشتهى ورغب فيما يهواه . وقال المفسرون : ( تمنى ) بمعنى تلا . و ( أمنيته ) يعني تلاوته .
وذكر أكثر المفسرين سببا لنزول هذه الآية . لكنه في الحقيقة سبب مريب لا ينبغي قبوله أو الاطمئنان . وهذه قصة معروفة هنا بقصة الغرانيق{[3133]} وهي قصة غريبة تقتضي التكذيب وعدم التصديق البتة وذلك لما نحسب أنها من وضع الزنادقة والماكرين من خصوم هذا الدين .
وجماع القول في سبب نزول هذه الآية ما روي عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ( ص ) بمكة سورة النجم فلما بلغ قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى . قالوا : ما ذكر آلهتنا قبل اليوم فسجد وسجدوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) الآية .
وفي رواية أخرى أن النبي ( ص ) جلس في ناد من أندية قومه ، كثير أهله . فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ فأنزل الله ( والنجم إذا هوى ) فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ألقى عليه الشيطان كلمتين : تلك الغرانيق العلا . وإن شفاعتهن لترتجى . ثم مضى بقراءة السورة كلها ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه . فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال : ما جئتك بهاتين . أو قال له : تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله . فحزن رسول الله ( ص ) وخاف خوفا شديدا فأنزل الله هذه الآية{[3134]} . إلى غير ذلك من مثل هذه الروايات في قصة الغرانيق المصطنعة التي ابتدعها فريق من المارقين المغرضين أولي الهوى مبتغين بذلك إشاعة الشبهة والارتياب في نبوة رسول الله ( ص ) وفي صدق كلامه الذي لا يصدر عن هوى وإنما هو وحي يوحى . إن قصة الغرانيق لا نظنها غير ضرب من ضروب الإفك المفترى على عصمة رسول الله ( ص ) . وذلك بما يشوب عامة الروايات في القصة من شوائب الضعف والاضطراب . وقد طعن فيها كثير من أئمة العلم . فقال الشوكاني : لم يصح شيء منها ، ولا ثبت بوجه من الوجوه . ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه . قال الله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) وقوله : ( وما ينطق عن الهوى ) وقوله : ( ولولا ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) فنفى المقاربة للكون فضلا عن الركون نفسه .
وقال البزار : هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ( ص ) بإسناد متصل .
وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل . ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقال الإمام ابن خزيمة : إن هذه القصة من وضع الزنادقة . وقال القاضي عياض : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا .
وقال ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح . وقال البغوي في تفسيره عن هذه القصة : كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه . ثم حكى أجوبة عن ذلك من ألطفها : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ( ص ) وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمان ( ص ) {[3135]} .
ويضاف إلى ذلك كله : أن ذكر الغرانيق في هذا الموضع المزعوم من سورة النجم لا يستقيم ولا يتفق ؛ فإذ ذكرها هنا يخالف مقتضى الآيات عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . فهذه أسماء لأصنام جيء بها في السورة بقصد الذم والتنديد بسفاهة المشركين الذين يعبدون هذه الأصنام الصماء والتي قال الله عنها موبخا مبكتا ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) .
قوله : ( إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) أي إذا تلا وقرأ كتاب الله أوقع الشيطان في مسامع المشركين مثل قصة الغرانيق من دون أن يتكلم بذلك رسول الله ( ص ) ولا جرى على لسانه البتة . وبذلك فإن هذه الآية جيء بها على سبيل التسلية لرسول الله ( ص ) . أي لا يحزنك يا محمد ، فقد أصاب من قبلك من النبيين والمرسلين مثل هذا من الشيطان ليفتن به الناس عن دينهم وليُشيع في نفوسهم الشك .
قوله : ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) النسخ معناه الإزالة والإبطال{[3136]} .
أي أن الله يبطل ما يوقعه الشيطان في مسامع الناس ( ثم يحكم الله آياته ) أي يثبتها ويرسخها في قلوب العباد ( والله عليم حكيم ) الله يعلم ما يجري في العالمين وما يدور في بواطن العباد من إنس وجن وملك . وهو كذلك حكيم في تقديره وتدبيره وتصرفه في الكائنات .