لذلك يعقب على حد الزنا بعزل الزناة عن جسم الأمة المسلمة . ثم يمضي في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة ؛ فيعاقب على قذف المحصنات واتهامهن دون دليل أكيد :
( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا . وأولئك هم الفاسقون ) . .
إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات - وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكارا - بدون دليل قاطع ، يترك المجال فسيحا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئا بتلك التهمة النكراء ؛ ثم يمضي آمنا ! فتصبح الجماعة وتمسي ، وإذا أعراضها مجرحة ، وسمعتها ملوثة ؛ وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام ؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه ، وكل رجل فيها شاك في أصله ، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار . . وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق .
ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث ؛ وأن الفعلة فيها شائعة ؛ فيقدم عليها من كان يتحرج منها ، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها ، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها !
ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه ؛ والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء .
لهذا ، وصيانة للأعراض من التهجم ، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم . . شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف ، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا . . ثمانين جلدة . . مع إسقاط الشهادة ، والوصم بالفسق . . والعقوبة الأولى جسدية . والثانية أدبية في وسط الجماعة ؛ ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة ، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهما لا يوثق له بكلام ! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم . . ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل ، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه . فيكون قوله إذن صحيحا . ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة .
والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه ، وعدم التحرج من الإذاعة به ، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها ، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة . وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء ؛ وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت .
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 5 ) } .
4 - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
الرمي : معروف ، يقال : رمى بالحجر في الماء ، أي : قذف به ، ثم استعير لنسبة أمر غير مرضي إلى الإنسان كالزنا والسرقة ، والرمي هو القذف ، والسياق يشهد أن المراد به نسبة الزنا إلى المرأة المحصنة .
المحصنات : العفيفات الحرائر البالغات والعاقلات المسلمات ، وأشهر معاني الكلمة : العفيفات المنزهات عن الزنا .
وأصل الإحصان : المنع ، والمحصن – بالفتح – يكون بمعنى : الفاعل والمفعول ، وهي إحدى الكلمات الثلاث اللاتي جئن نوادر . يقال : أحصن فهو محصن ، وأسهب فهو مسهب ، وأفلج – إذا افتقر – فهو مفلج ، الفاعل والمفعول في هذه الأحرف الثلاثة سواء .
والذين يقذفون المحصنات من النساء بالزنا ، ثم لم يقيموا أربعة من الشهود على صدقهم في قذفهم ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، على قذفهم أعراض الناس دون وجه حق .
وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا .
وردوا شهادتهم ، ولا تقبلوها في أي واقعة كانت لظهور كذبهم .
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
الخارجون عما وجب عليهم من رعاية حقوق المحصنات .
فالإنسان إذا رأى منكرا ولم يكن معه شهود ، وجب أن يسكت سترا على الآخرين ، وحفاظا على سلامة المجتمع ، حتى لا يوقع الناس في شك وحيرة وبلبلة .
والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة ، كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه ، وعدم التحرج من الإذاعة به51 .
في هذه الآية تحريم القذف ، وأنه فسق ، وأن القاذف لا تقبل شهادته ، وأنه يجلد ثمانين جلدة ، إذا قذف محصنة أي عفيفة ، ومفهومه : أنه إذا قذف من عرفت بالزنا لا يحد للقذف ، ويصرح بذلك قوله : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء . وفيها أن الزنا لا يقبل فيه إلا أربعة رجال لا أقل ، ولا نساء ، وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين ، واستدل بعموم الآية من قال : يحد العبد أيضا ثمانين ، ومن قال : يحد قاذف الكافر ، والرقيق ، وغير البالغ ، والمجنون ، وولده .
واحتج بها على أن من قذف نفسه ثم رجع لا يحد لنفسه ، لأنه لم يرم أحدا ، واستدل بها من قال : إن حد القذف من حقوق الله تعالى ، فلا يجوز العفو عنه . 1 ه52 .
وقوله تعالى : وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا . نص في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم ، واحدا كانوا أو عددا ، بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل ، لأنها نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير ، وكان الذين قذفوا عائشة عددا ، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت في صحبة صفوان بن المعطل ، بعد قفول العسكر ، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت ، فرفعوا هودجها معتقدين أنها فيه لخفتها ، ولم تكن فيه فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها ، وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش ، فلما رآها أعرض بوجهه عنها ، وأناخ راحلته حتى ركبتها ، ثم ذهب إلى العسكر ، فكانت خلوته بها للضرورة ، كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة ، مثلما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة ، وقصة عائشة .
ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم ، مجتمعين ولا متفرقين ، ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور ، فإنه كان من جملتهم مسطح ، وحسان ، وحمنة ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد شهادة أحد منهم ، ولا المسلمين بعده ، لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ، ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر مكذب بالقرآن ، وهؤلاء مازالوا مسلمين ، وقد نهى القرآن عن قطع صلتهم .
1 – أجمع الفقهاء على أن حكم الآية غير مقصور على قذف الرجال للنساء ، بل إنه حكم شامل ، سواء كان القذف من الرجال أو النساء ، للرجال أو النساء .
2 – هناك شروط لا بد من استيفائها في القاذف ، والمقذوف ، وفعلة القذف . قال القرطبي : للقذف شروط عند العلماء تسعة :
شرطان في القاذف ، وهما : العقل ، والبلوغ ، لأنهما أصل التكليف ، إذ التكليف ساقط دونهما .
وشرطان في المقذوف به ، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد وهو الزنا واللواط ، أو بنفيه عن أبيه دون سائر المعاصي .
وخمسة في المقذوف ، وهي : العقل ، والبلوغ ، والإسلام ، والحرية ، والعفة عن الفاحشة التي رمى بها ، كان عفيفا عن غيرها أولا ، وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف ، وإن لم يكونا من معاني الإحصان ، لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الأذى بالمضرة الداخلة على المقذوف ، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ53 .
3 – اختلف العلماء في حد القذف ، فقال بعضهم : هو حق الله تعالى ، فتقوم شرطة الدولة ومحكمتها بتنفيذه ، سواء أطالب به المقذوف أم لم يطالب به ، وهذا هو قول ابن أبي ليلى .
وهو من حق الله تعالى ، ولكن للمقذوف فيه حق من حيث دفع العار عنه عند أبي حنيفة وأصحابه .
وذهب الشافعي ، والأوزاعي إلى أنه إذا ثبتت الجريمة على أحد وجب أن يقام عليه الحد ، ولكن يتوقف رفع أمره إلى الحكام على إرادة المقذوف ومطالبته ، فهو من هذه الجهة من حقوق العباد .
اختلف العلماء في حد القذف . . . هل هو من حقوق الله ، أو من حقوق الآدميين ، أو فيه شائبة منهما ، الأول : قول أبي حنيفة ، والثاني : قول مالك ، والشافعي ، والثالث : قول بعض المتأخرين .
وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام ؛ أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ، وينشطر فيه الحد بالرق كالزنا .
وإن كان حقا للآدمي ؛ فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ، ويسقط بعفوه ، ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف .
4 – إذا ثبت عن رجل أنه ارتكب القذف ، فإن الشيء الوحيد الذي ينقذه من الحد ، هو شهادة أربعة شهداء في المحكمة بأنهم قد رأوا المقذوف يزني بفلانة54 .
5 – من لم يستطع أن يقدم للمحكمة أربعة شهود يؤيدون قوله ، فقد حكم عليه القرآن بثلاثة أحكام هي :
( ب ) ألا تقبل له شهادة أبدا .
6 – مرتكب القذف بدون شهادة الشهود فاسق ، ولو كان صادقا في حد ذاته ، لأنه أشاع التهم وبلبل المجتمع ، بدون دليل حاسم يخرج الناس من الشك إلى اليقين ، ولو سكت وستر لكان أولى به وأفضل .
7 – يرى فقهاء الحنفية في حد القذف ، أن يكون ضرب القاذف أخف من ضرب الزاني ، لأن الجريمة التي يعاقب فيها ، ليس كذبه فيها بمتيقن على كل حال .
{ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } هذا حد القذف وهو الفرية التي عبر الله عنها بالرمي والمحصنات يراد بهن هنا العفائف من النساء ، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال ، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم ، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد ، وقيل : إن المعنى يرمون الأنفس المحصنات فيعم اللفظ على هذا النساء والرجال ، ويحتاج هنا إلى الكلام في القذف والقاذف والمقذوف والشهادة في ذلك .
فأما القذف فهو الرمي بالزنا اتفاقا . أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي لعموم لفظ الرمي في الآية ، خلافا لأبي حنيفة ، أو النفي من النسب ، ومذهب مالك أن التعريض بذلك كله كالتصريح خلافا للشافعي وأبي حنيفة .
وأما القاذف فيحد : سواء كان مسلما أو كافرا لعموم الآية ، وسواء كان حرا أو عبدا إلا أن العبد والأمة إنما يحدان أربعين عند الجمهور فنصفوا حدهما قياسا على تنصيفه في الزنا خلافا للظاهرية ، ولا يحد الصبي ولا المجنون لكونهما غير مكلفين . وأما المقذوف فمذهب مالك أنه يشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رمي به ، والتمكن من الوطء تحرزا من المجبوب وشبهه ، فلا يحد عنده من قذف صبيا أو كافرا أو مجبوبا أو عبدا ومن لا يمكنه الوطء وقد قيل : يحد من قذف واحدا منهم لعموم الآية واتفقوا على اشتراط البراءة مما رمي به .
وأما الشهادة التي تسقط حد القذف ، فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبدا أو كافرا ويشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قذف به كالمرود في المكحلة ، ويؤدون الشهادة مجتمعين .