في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (18)

واليهود والنصارى يقولون : إنهم أبناء الله وأحباؤه :

( وقالت اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ) . .

فزعموا لله - سبحانه - أبوة ، على تصور من التصورات ، إلا تكن أبوة الجسد فهي أبوة الروح . وهي أيا كانت تلقي ظلا على عقيدة التوحيد ؛ وعلى الفصل الحاسم بين الألوهية والعبودية . هذا الفصل الذي لا يستقيم التصور ، ولا تستقيم الحياة ، إلا بتقريره . كي تتوحد الجهة التي يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية ؛ وتتوحد الجهة التي تشرع للناس ؛ وتضع لهم القيم والموازين والشرائع ؛ والقوانين ، والنظم والأوضاع ، دون أن تتداخل الاختصاصات ، بتداخل الصفات والخصائص ، وتداخل الألوهية والعبودية . . فالمسألة ليست مسألة انحراف عقيدي فحسب ، إنما هي كذلك فساد الحياة كلها بناء على هذا الانحراف !

واليهود والنصارى بادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، كانوا يقولون - تبعا لهذا - إن الله لن يعذبهم بذنوبهم ! وإنهم لن يدخلوا النار - إذا دخلوا - إلا أياما معدودات . ومعنى هذا أن عدل الله لا يجري مجراه ! وأنه سبحانه - يحابي فريقا من عباده ، فيدعهم يفسدون في الأرض ثم لا يعذبهم عذاب المفسدين الاخرين ! فأي فساد في الحياة يمكن أن ينشأ عن مثل هذا التصور ؟ وأي اضطراب في الحياة يمكن أن ينشئه مثل هذا الانحراف ؟

وهنا يضرب الإسلام ضربته الحاسمة على هذا الفساد في التصور ، وكل ما يمكن أن ينشئه من الفساد في الحياة ، ويقرر عدل الله الذي لا يحابي ؛ كما يقرر بطلان ذلك الادعاء :

( قل : فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق ، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) . .

بذلك يقرر الحقيقة الحاسمة في عقيدة الإيمان . يقرر بطلان ادعاء البنوة ؛ فهم بشر ممن خلق . ويقرر عدل الله وقيام المغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد . على مشيئته التي تقرر الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه . لا بسبب بنوة أو صلة شخصية !

ثم يكرر أن الله هو المالك لكل شيء ، وأن مصير كل شيء إليه :

( ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) . .

والمالك غير المملوك . تتفرد ذاته - سبحانه - وتتفرد مشيئته ، ويصير إليه الجميع . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (18)

سبب النزول :

روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان ابن آصا ، وبحري بن عمرو ، وشاس بن عدى ، فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم إلى الله وحده وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ، فأنزل الله فيهم :

18-وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ {[191]} . . . الآية

أي : نحن من الله بمنزلة الأبناء من الآباء ، ونحن أحباؤه ؛ لأننا على دينه .

قال ابن كثير : أي : نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا .

قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم . أي : قل لهم – يا محمد- : إن كنتم كما زعمتم : أبناء الله وأحباؤه ، فلأي شيء يعذبكم بذنوبكم ، وأنتم مقرون بأنكم ستعذبون على ما ارتكبتم من خطايا كما حكي القرآن عنهم :

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً . ( البقرة : 80 ) وهذا يتنافى مع دعواكم القرب من الله ومحبته لكم ؟ ! وإذن فلا مزية ولا فضل لكم على سائر البشر ولستم بأبناء الله ولا بأحبائه .

قال صاحب الظلال : واليهود والنصارى يقولون : إنهم أبناء الله وأحباؤه فيزعمون لله تعالى بنوة- على تصور من التصورات إلا تكن بنوة الجسد فهي بنوة الروح ، وهي أيا كانت تلقى ظلا على عقيدة التوحيد- ويزعمون أن الله تعالى صلة بالخلق ، لا تنبع من قيانهم بالحق ، ولكن تنبع من عواصف خاصة من الله لذوات اليهود والنصارى {[192]} .

بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ . أي : ما أنتم إلا بشر كسائر البشر من خلق الله ، من غير مزية لكم عليهم .

يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء . أي : يغفر لمن يشاء . بما يعمله من الطاعات ، ويعذب من يشاء . بما يقدمه من المعاصي ، فالأمر كله موكول إلى سنته التي تسري على الجميع سواء ، ولا تعترضها عواصف خاصة ، ولا صلات شخصية ، وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا . فهو مالك الجميع وخالق الجميع والمتصرف في الجميع ، وهذه هي الصلة العامة التي ترتبط كل المخلوقات به ، وَإِلَيْهِ الْمَصِير . وهو مصير البشر جميعا ومرجعهم إليه تعالى وحده فيجازي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .

وليس له-سبحانه وتعالى- من خلقه بنون ولا بنات وليس لأحد عنده من فضل أو مزية على غيره إلا بالإيمان والعمل الصالح .

وفي الأثر : الخلق كلهم عيال الله ، الله ربهم وهم عباده ، يتفاضلون عنده بالتقوى ويدركون ثوابه بالعمل الصالح . قال تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . ( الزلزلة : 7-8 ) .


[191]:مختصر تفسير ابن كثير 1/500 تحقيق محمد علي الصابوني.
[192]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/43.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (18)

{ وقالت اليهود والنصارى } أي : قالت كل فرقة عن نفسها : إنهم أبناء الله وأحباؤه والبنوة هنا بنوة الحنان والرأفة . وقال الزمخشري المعنى : نحن أشياع أبناء الله عندهم . وهما المسيح وعزير كما يقول حشم الملوك نحن الملوك .

{ فلم يعذبكم } رد عليهم ، لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أياما معدودات ، وقد أخذ الصوفية من الآية أن المحب لا يعذب حبيبه ، ففي ذلك بشارة لمن أحبه الله .