في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

27

وفي نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة :

( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا - نكالا من الله - والله عزيز حكيم . فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ، إن الله غفور رحيم . ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، والله على كل شيء قدير ) . .

إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام - على اختلاف عقائدهم - ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية . . إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية . وضمانات التربية والتقويم . وضمانات العدالة في التوزيع . وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال ؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه . . ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية . . فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة ، والاعتداء على الملكية الفردية ، والاعتداء على أمن الجماعة . . ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة ؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت . .

ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال . .

إن النظام الإسلامي كل متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته . كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا ؛ ويعمل به جملة . أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام ، أو مبدأ من مبادئه ، في ظل نظام ليس كله إسلاميا ، فلا جدوى له ؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام . لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق . الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة . .

هذا بصفة عامة . أما بالنسبة لموضوع السرقة ، فالأمر لا يختلف . .

إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ، في الحياة . وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة . . من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه ، ويجد فيه السكن والراحة . . من حق كل فرد على الجماعة - وعلى الدولة النائبة عن الجماعة - أن يحصل على هذه الضروريات . . أولا عن طريق العمل - ما دام قادرا على العمل - وعلى الجماعة - والدولة النائبة عن الجماعة - أن تعلمه كيف يعمل ، وأن تيسر له العمل ، وأداة العمل . . فإذا تعطل لعدم وجود العمل ، أو أداته ، أو لعدم قدرته على العمل ، جزئيا أو كليا ، وقتيا أو دائما . أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته . فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه : أولا : من النفقة التي تفرض له شرعاعلى القادرين في أسرته . وثانيا على القادرين من أهل محلته . وثالثا : من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة . فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام ، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين ؛ بحيث لا تتجاوز هذه الحدود ، ولا تتوسع في غير ضرورة . ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال . .

والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال ؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال . . ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون ؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين . وبخاصة أن النظام يكفل لهم الكفاية ؛ ولا يدعهم محرومين . والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم ؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقة ؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها . . فإذا لم يوجد العمل ، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم ، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة . .

وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام ؟ إنه لا يسرق لسد حاجة . إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل . والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام . ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها . ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال .

وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع ، كسب ماله من حلال ، لا من ربا ، ولا من غش ، ولا من احتكار ، ولا من أكل أجور العمال ، ثم أخرج زكاته ، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة . . من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص ، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات .

فإذا سرق السارق بعد ذلك كله . . إذا سرق وهو مكفي الحاجة ، متبين حرمة الجريمة ، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين ، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام . . إذا سرق في مثل هذه الأحوال . فإنه لا يسرق وله عذر . ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة .

فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها ، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات . لذلك لم يقطع عمر - رضي الله عنه - في عام الرمادة ، حينما عمت المجاعة . ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة ؛ عندما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة . فقد أمر بقطعهم ؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم ، درا عنهم الحد ؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له . .

وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام ، في ظل نظامه المتكامل ؛ الذي يضع الضمانات للجميع لا لطبقة على حساب طبقة . . والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة . والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء . .

وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة . .

السرقة هي أخذ مال الغير والمحرز ، خفية . . فلا بد أن يكون المأخوذ مالا مقوما . . والحد المتفق عليه تقريبا بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار . . أي حوالي خمسة وعشرين قرشا بنقدنا الحاضر . . ولا بد أن يكون هذا المال محرزا وأن يأخذه السارق من حرزه ، ويخرج به عنه . . فلا قطع مثلا على المؤتمن على مال إذا سرقه . والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لانه ليس محرزا منه . ولا على المستعير إذا جحد العارية . ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين . ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته . . وهكذا . . ولا بد أن يكون هذا المال المحرز للغير . . فلا قطعحين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصا للغير . والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك . . والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع ، وإنما هي التعزيز . . [ والتعزيز عقوبة دون الحد ، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة ] .

والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ . فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع . . ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة .

والشبهه تدرأ الحد . . فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد . وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد . ورجوع المعترف في اعترافه - إذا لم يكن هناك شهود - شبهة تدرأ الحد . ونكول الشهود شبهة . . وهكذا . .

ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة . فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل - حتى بعد إحرازه - كسرقة الماء بعد إحرازه ، وسرقة الصيد بعد صيده ، لأن كليهما مباح الأصل . وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه . والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز . . بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحد في مثل هذه الحالة . ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد ، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه . ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة .

ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال ، فتطلب في كتب الفقة ؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات . . ورسول الله [ ص ] يقول : " ادرأوا الحدود بالشبهات " وعمر ابن الخطاب يقول : " لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " . .

ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة ؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة . .

وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره . فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ، ويريد أن ينميه من طريق الحرام . وهو لا يكتفي بثمرة عمله ، فيطمع في ثمرة عمل غيره . وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور ، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل . أو ليأمن على مستقبله . فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء . . وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع . لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب ، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان . ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء . وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل ، والتخوف الشديد على المستقبل .

فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة . فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية ، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة ، فلا يعود للجريمة مرة ثانية .

ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية . وإنه لعمري خير أساس قامت عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن . . .

" وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة . وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم . والسرقة على الخصوص . والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة . لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس ، وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات ؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب . وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته ، من طريق الحلال والحرام على السواء ! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف ، فيأمنوا جانبه ، ويتعاونوا معه .

فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد ؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً ، ولم تفته منفعة ذات بال .

" أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل ، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً ؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال ، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال ، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه ، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه . فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع ؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس . وفي طبيعة الناس كلهم - لا السارق وحده - أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة ، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة .

" وأعجب بعد ذلك ممن يقولون : إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر . كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته ، وأن نشجعه على السير في غوايته ، وأن نعيش في خوف واضطراب ، وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص !

" ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون : إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية ، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق ؛ وأن ننسى طبائع البشر ، ونتجاهل تجارب الأمم ؛ وأن نلغي عقولنا ، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا ، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلاً إلا التهويل والتضليل !

" وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية ، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء ، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء . لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس . وطبائع البشر وتجارب الأمم ، ومنطق العقول والأشياء . وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية . أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة ، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء .

" إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته . فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد ، وهي في الوقت ذات صالحة للجماعة ، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم ، وتأمين المجتمع . و ما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة ، فهي أفضل العقوبات وأعدلها " .

" ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع ، لأنهم يرونها - كما يقولون - عقوبة موسومة بالقسوة . وتلك حجتهم الأولى والأخيرة . وهي حجة داحضة . فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب ، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف ، بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا .

فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم "

والله - سبحانه - وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة :

( فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله . . )

فهي تنكيل من الله رادع . والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها ، لأنه يكفه عنها ، ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة . . ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس ، إلا وفي قلبه عمى ، وفي روحه أنطماس ! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد ؛ لأن المجتمع بنظامه ، والعقوبة بشدتها ، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

المفردات :

نكالا من الله : أي : عقابا من الله ، ينكل به السارق ، أي : يردع عن معاودة السرقة ، ويحذر به هو وغيره من فعلها .

قال صاحب القاموس : النكال : ما نكلت به غيرك كائنا ما كان .

وقال أيضا : ونكل به تنكيلا : صنع به صنيعا بحذر غيره .

والله عزيز : أي : غالب ، فلا يفوته المعتدون .

حكيم : في شرع هذا الحد ؛ لما فيه من الردع .

التفسير :

38- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

بعد أن بين حكم قاطع الطريق ، تكلم عن عقوبة السارق والسارقة ، وفي سورة النور بدأ الله بالزانية فقال تعالى :

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ماِئَةَ جَلْدَةٍ . لأن الزني من المرأة أفحش ، ولان الحبل يظهر منها ، ولأن أسرتها تصيبها المعرة ، ولأن شهوة الاستمتاع على النساء أغلب ، وحب المال على الرجال أغلب ، والرجل على السرقة أجرأ {[225]} فناسب أن يبدأ في السرقة بالرجل ، وفي الزنى بالمرأة .

والسارق : هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ، ولا شبهة له فيه ، دون طعن بسلاح أو تهديد به ، فإن طعن بسلاح أو هدد به- وهو ما يعرف الآن : بالسطو المسلح- فحكمه حكم قاطع الطريق ، الذي يسعى في الأرض فسادا .

ولا يعاقب السارق هذا العقاب إلا إذا كان بالغا عاقلا ، غير مالك للمسروق منه ولا ولاية له عليه ؛ فلا تقطع يد صبي ولا مجنون ، ولا يد سيد أخذ مال عبده ، ولا يد عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة ، ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " {[226]} وقيل : تقطع يد الابن إذا سرق ما أبوبه . والراجح أنه لا يقطع لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة .

وإذا استكمل هذه الشروط ؛ فلا تقطع يده إلا إذا سرق ما قيمته ربع دينار .

روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " {[227]} .

وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا أو وزنا ، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ، أخرجهما الدارقطني وغيره .

ومن العلماء من قال : لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم ، و منهم من قال : لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم ، ومنهم من قال : لا تقطع اليد إلا في ثلاثة دراهم ، ومنهم من قال : تقطع اليد في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، وهو قوم الخوارج .

قال القرطبي : وهذه الأقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك . اه .

إن التضخم ، وتدني قيمة النقود ، تجعل رأي الحنفية أولى بالاعتبار .

روى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " {[228]} .

وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة ، وظروفها ودواعيها ، وان يعدل عن القطع عند وجود شبهة .

وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل الذي بين الساعد والكف . فإن سرق ثانيا ؛ قطعت رجله اليسرى من مفصل الرجل .

فإن سرق ثالثا ؛ قطعت يده اليسرى ، فإن سرق رابعا ؛ قطعت رجله اليمنى ، فإن سرق بعد ذلك عزر بما يراه الحاكم رداعا مانعا ، وروى عن أحمد انه لا تقطع اليد اليسرى ولا الرجل اليمنى وهو قول أبي بكر وعمر وأبي حنيفة ، وروى عنه أنها تقطع ، وبه قال مالك والشافعي {[229]} .

وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع ، وذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافا {[230]} .

وتثبت السرقة بالبينة والإقرار .

ملاحظة :

يرى بعض الفقهاء أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق ، وأكثر الفقهاء يرون أنه لا قطع عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع على خائن " {[231]} .

أما من ذهب إلى أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق فقد استدل بما رواه الشيخان عن عائشة قالت : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وقال : " إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " {[232]}

قال : فقطع يدها .

وجاء البخاري أنها سرقت ، وجاء في مسلم أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده . وقد توسع العلماء والفقهاء والمفسرون في تفسير هذه الآية وخصوصا التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية ، ومثال ذلك أن القرطبي بين أن هذه الآية فيها سبع وعسرون مسألة كتبها في 15 صفحة ومن نماذج تفسير القرطبي ما يأتي :

المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : فاقطعوا . القطع معناه : الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه وفي صفته .

1- فأما ما يعتبر في السارق فأربعة أوصاف وهي : البلوغ ، والعقل ، وأن يكون غير مالك المسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ؛ فلا يقطع العبد إن سرق مال سيده ، وكذلك السيد إن اخذ مال عبده لا قطع بحال ، ولا قطع على صبي ولا مجنون .

2- وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فثلاثة أوصاف :

( أ‌ ) النصاب

( ب‌ ) أن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه .

( ج ) ألا يكون للسارق فيه ملك كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره .

3- وأما ما يعتبر في موضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق .

وجملة القول فيه : أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا .

والقبر والمسجد حرز لما فيهما ، والخزانة في مكاتب الناس- أو الحكومة- حرز لما فيها ، وظهور الدواب حرز لما تحمل {[233]} .

فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا . والخطاب هنا لولاة الأمر الذين يرجع إليهم تنفيذ الأحكام والحدود . وجمع سبحانه اليد فقال : أيديهما . ولم يقل : يديهما بالتثنية ؛ لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية .

قال القرطبي :

قوله تعالى : جَزَاء بِمَا كَسَبَا . مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا ، وكذا : نَكَالاً مِّنَ اللّهِ . اه وفيه بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت .

أي : اقطعوا أيديهما جزءا لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما نكالا . أي : عبرة وزجرا- من الله تعالى- لغيرهما ؛ حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة .

يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا ، أي : صنع به صنيعا يحذر غيره .

وسميت هذه العقوبة نكالا ؛ لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ؛ حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .

قال الأصمعي : قرأت هذه الآية ، وإلى جنبي أعرابي فقلت : والله غفور رحيم ، سهوا ؛ فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله ، قال : أعد ؛ فأعدت : والله غفور رحيم ، فقال : ليس كلام الله ؛ فتنبهت فقلت : والله عزيز حكيم . فقال : أصبت هذا كلام الله ، فقلت له : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت أنب أخطأت ؟ فقال : يا هذا عزيز حكيم . فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع {[234]} فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضي المغفرة والرحمة ، وأن الله تعالى- يضع كل اسم موضعه في كتابه .


[225]:انظر تفسير القرطبي 6/175.
[226]:أنت ومالك لأبيك: رواه ابن ماجه في التجارات (2291) من حديث جابر بن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري ورواه ابن ماجه في التجارات (2292) وأحمد في مسنده (6863) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي اجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم. ورواه الشافعي في مسنده (639) من حديث محمد بن منكدر: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي مالا وعيالا وأنه يريدأن يأخذ مالي ويطعمه عياله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" قال الزيلعي في نصب الراية: قال ابن القطان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقال في التنقيح": ويوسف بن اسحاق من الثقات المخرج لهم في "الصحيحين" قال: وقول الدراقطني فيه: غريب تفرد به عيسى عن يوسف لا يضره، فإن غرابة الحديث والتفرد به لا يخرجه عن الصحة. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر في تخريج الهداية: رجاله ثقات لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام عن ابن المنكدر مرسلا وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر (طب) وكذا البزار (عن سمرة) بن جندب قال الهيثمي: فيه إبراهيم بن عبد الحميد ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وقال ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا معاوية بن يحيي وهو ضعيف وأما حديث سمرة فإن العقبلي بعد تخريجه عنه قال: وفي الباب أحاديث فيها لين وبعضها أحسن من بعض وقال البيهقي: روى من وجوه موصولا لا يثبت مثلها وقال ابن حجر في موضع آخر قد أشار البخاري في الصحيح إلى تضعيف هذا الحديث.
[227]:تقطع يد السارق في ربع دينار: رواه البخاري في الحدود (6791،6790،6789) ومسلم في الحدود (1684) ومالك في الموطأ كتاب الحدود (1575) وأبو داود في الحدود (4384،4383) والترمذي في الحدود (1445) والنسائي في قطع السارق (4914) وابن ماجه في الحدود (2585) والدرامي في الحدود (2300) و أحمد في مسنده (23559) من حديث عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا.
[228]:ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم: رواه الترمذي في الحدود (1424) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العقوبة. قلت: في إسناده يزيد بن زياد. قال الزيلعي في نصب الراية: ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في "مختصره" فقال: يزيد بن زياد، قال فيه النسائي: متروك، انتهى و قال الترميدي في"علله الكبير" : قال محمد ابن اسماعيل : يزيد بن زياد منكر الحديث، ذاهب ، انتهى. ورواه الدارقطني ،ثم البيهقي في "سننيهما" مرفوعا، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب. قلت وذكره أيضا من حديث علي وقال:أ ما حديث علي: فأخرجه الدارقطني في" سننه" (2) عن مختار التمار عن أبي مطر عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادرءوا الحدود "،انتهى ومختار التمار ضعيف.
[229]:زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
[230]:تفسير القرطبي6/172.
[231]:لا قطع على خائن: رواه أبو داود في الحدود (4392) والترمذي في الحدود (1448) والنسائي في قطع السارق (4971) وابن ماجه في الحدود (2591) والدرامي في الحدود (2310) وأحمد في مسنده (14652) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر رواته ثقات إلا انه معلول بين ذلك ابو حاتم والنسائي. قال الزيلعي في نصب الراية: وسكت عنه عبد الحق في "أحكامه" وابن القطان بعده، فهو صحيح عندهما وفرقة أبو داود، فرواه بهذا الإسناد، ليس على المنهي قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا، وقال بهذا الإسناد: ليس على الخائن، ولا على المختلس قطع انتهى، قال أبو داود: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير.
[232]:أتشفع في حد من حدود الله: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3475 وفي حدود ح 6788،و مسلم في الحدود ح 1688، والترمذي في الحدود ح 1430 ،والنسائي في قطع السارق ح 4902،4899، وأبو داود في الحدود ح 4373 ،وابن ماجه في الحدود 2547 ،والدرامي في الحدود ح 2302.
[233]:تفسير القرطبي 6/169 بتصرف واختصار شديد، وتنظيم.
[234]:تفسير المنار 6/384 زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } عموم الآية يقتضي قطع كل سارق إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطا خصصوا بها العموم ، فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك لتحليل الميتة له ، وكذلك من سرق مال والده أو سيده ، أو من سرق من غير حرز ، أو سرق أقل من النصاب ، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب ، أو ثلاثة دراهم من الفضة ، أو ما يساوي أحدهما ، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية ، وقد قيل : إن الحرز مأخوذ من هذه الآية ، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه ، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة ، وإعراب السارق عند سيبويه مبتدأ ، وخبره محذوف : كأنه قال : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، والخبر عند المبرد وغيره { فاقطعوا أيديهما } ، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط .