وفي نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة :
( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا - نكالا من الله - والله عزيز حكيم . فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ، إن الله غفور رحيم . ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، والله على كل شيء قدير ) . .
إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام - على اختلاف عقائدهم - ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية . . إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية . وضمانات التربية والتقويم . وضمانات العدالة في التوزيع . وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال ؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه . . ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية . . فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة ، والاعتداء على الملكية الفردية ، والاعتداء على أمن الجماعة . . ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة ؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت . .
ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال . .
إن النظام الإسلامي كل متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته . كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا ؛ ويعمل به جملة . أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام ، أو مبدأ من مبادئه ، في ظل نظام ليس كله إسلاميا ، فلا جدوى له ؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام . لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق . الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة . .
هذا بصفة عامة . أما بالنسبة لموضوع السرقة ، فالأمر لا يختلف . .
إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ، في الحياة . وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة . . من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه ، ويجد فيه السكن والراحة . . من حق كل فرد على الجماعة - وعلى الدولة النائبة عن الجماعة - أن يحصل على هذه الضروريات . . أولا عن طريق العمل - ما دام قادرا على العمل - وعلى الجماعة - والدولة النائبة عن الجماعة - أن تعلمه كيف يعمل ، وأن تيسر له العمل ، وأداة العمل . . فإذا تعطل لعدم وجود العمل ، أو أداته ، أو لعدم قدرته على العمل ، جزئيا أو كليا ، وقتيا أو دائما . أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته . فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه : أولا : من النفقة التي تفرض له شرعاعلى القادرين في أسرته . وثانيا على القادرين من أهل محلته . وثالثا : من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة . فإذا لم تكف الزكاة فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام ، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين ؛ بحيث لا تتجاوز هذه الحدود ، ولا تتوسع في غير ضرورة . ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال . .
والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال ؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال . . ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون ؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين . وبخاصة أن النظام يكفل لهم الكفاية ؛ ولا يدعهم محرومين . والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم ؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقة ؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها . . فإذا لم يوجد العمل ، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم ، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة . .
وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام ؟ إنه لا يسرق لسد حاجة . إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل . والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام . ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها . ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال .
وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع ، كسب ماله من حلال ، لا من ربا ، ولا من غش ، ولا من احتكار ، ولا من أكل أجور العمال ، ثم أخرج زكاته ، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة . . من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص ، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات .
فإذا سرق السارق بعد ذلك كله . . إذا سرق وهو مكفي الحاجة ، متبين حرمة الجريمة ، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين ، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام . . إذا سرق في مثل هذه الأحوال . فإنه لا يسرق وله عذر . ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة .
فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها ، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات . لذلك لم يقطع عمر - رضي الله عنه - في عام الرمادة ، حينما عمت المجاعة . ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة ؛ عندما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة . فقد أمر بقطعهم ؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم ، درا عنهم الحد ؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له . .
وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام ، في ظل نظامه المتكامل ؛ الذي يضع الضمانات للجميع لا لطبقة على حساب طبقة . . والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة . والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء . .
وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة . .
السرقة هي أخذ مال الغير والمحرز ، خفية . . فلا بد أن يكون المأخوذ مالا مقوما . . والحد المتفق عليه تقريبا بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار . . أي حوالي خمسة وعشرين قرشا بنقدنا الحاضر . . ولا بد أن يكون هذا المال محرزا وأن يأخذه السارق من حرزه ، ويخرج به عنه . . فلا قطع مثلا على المؤتمن على مال إذا سرقه . والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لانه ليس محرزا منه . ولا على المستعير إذا جحد العارية . ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين . ولا على المال خارج البيت أو الصندوق المعد لصيانته . . وهكذا . . ولا بد أن يكون هذا المال المحرز للغير . . فلا قطعحين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصا للغير . والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك . . والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع ، وإنما هي التعزيز . . [ والتعزيز عقوبة دون الحد ، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة ] .
والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ . فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع . . ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة .
والشبهه تدرأ الحد . . فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد . وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد . ورجوع المعترف في اعترافه - إذا لم يكن هناك شهود - شبهة تدرأ الحد . ونكول الشهود شبهة . . وهكذا . .
ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة . فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل - حتى بعد إحرازه - كسرقة الماء بعد إحرازه ، وسرقة الصيد بعد صيده ، لأن كليهما مباح الأصل . وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه . والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز . . بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحد في مثل هذه الحالة . ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد ، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه . ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة .
ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال ، فتطلب في كتب الفقة ؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات . . ورسول الله [ ص ] يقول : " ادرأوا الحدود بالشبهات " وعمر ابن الخطاب يقول : " لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات " . .
ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة ؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة . .
وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره . فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ، ويريد أن ينميه من طريق الحرام . وهو لا يكتفي بثمرة عمله ، فيطمع في ثمرة عمل غيره . وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور ، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل . أو ليأمن على مستقبله . فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء . . وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع . لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب ، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان . ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء . وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل ، والتخوف الشديد على المستقبل .
فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة . فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية ، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة ، فلا يعود للجريمة مرة ثانية .
ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية . وإنه لعمري خير أساس قامت عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن . . .
" وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة . وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم . والسرقة على الخصوص . والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة . لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس ، وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات ؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب . وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته ، من طريق الحلال والحرام على السواء ! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف ، فيأمنوا جانبه ، ويتعاونوا معه .
فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد ؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً ، ولم تفته منفعة ذات بال .
" أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل ، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً ؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال ، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال ، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه ، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه . فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع ؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس . وفي طبيعة الناس كلهم - لا السارق وحده - أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة ، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة .
" وأعجب بعد ذلك ممن يقولون : إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر . كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته ، وأن نشجعه على السير في غوايته ، وأن نعيش في خوف واضطراب ، وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص !
" ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون : إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية ، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق ؛ وأن ننسى طبائع البشر ، ونتجاهل تجارب الأمم ؛ وأن نلغي عقولنا ، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا ، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلاً إلا التهويل والتضليل !
" وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية ، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء ، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء . لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس . وطبائع البشر وتجارب الأمم ، ومنطق العقول والأشياء . وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية . أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة ، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء .
" إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته . فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد ، وهي في الوقت ذات صالحة للجماعة ، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم ، وتأمين المجتمع . و ما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة ، فهي أفضل العقوبات وأعدلها " .
" ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع ، لأنهم يرونها - كما يقولون - عقوبة موسومة بالقسوة . وتلك حجتهم الأولى والأخيرة . وهي حجة داحضة . فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب ، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف ، بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا .
فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم "
والله - سبحانه - وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة :
( فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله . . )
فهي تنكيل من الله رادع . والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها ، لأنه يكفه عنها ، ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة . . ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس ، إلا وفي قلبه عمى ، وفي روحه أنطماس ! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد ؛ لأن المجتمع بنظامه ، والعقوبة بشدتها ، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد .
نكالا من الله : أي : عقابا من الله ، ينكل به السارق ، أي : يردع عن معاودة السرقة ، ويحذر به هو وغيره من فعلها .
قال صاحب القاموس : النكال : ما نكلت به غيرك كائنا ما كان .
وقال أيضا : ونكل به تنكيلا : صنع به صنيعا بحذر غيره .
والله عزيز : أي : غالب ، فلا يفوته المعتدون .
حكيم : في شرع هذا الحد ؛ لما فيه من الردع .
38- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
بعد أن بين حكم قاطع الطريق ، تكلم عن عقوبة السارق والسارقة ، وفي سورة النور بدأ الله بالزانية فقال تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ماِئَةَ جَلْدَةٍ . لأن الزني من المرأة أفحش ، ولان الحبل يظهر منها ، ولأن أسرتها تصيبها المعرة ، ولأن شهوة الاستمتاع على النساء أغلب ، وحب المال على الرجال أغلب ، والرجل على السرقة أجرأ {[225]} فناسب أن يبدأ في السرقة بالرجل ، وفي الزنى بالمرأة .
والسارق : هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ، ولا شبهة له فيه ، دون طعن بسلاح أو تهديد به ، فإن طعن بسلاح أو هدد به- وهو ما يعرف الآن : بالسطو المسلح- فحكمه حكم قاطع الطريق ، الذي يسعى في الأرض فسادا .
ولا يعاقب السارق هذا العقاب إلا إذا كان بالغا عاقلا ، غير مالك للمسروق منه ولا ولاية له عليه ؛ فلا تقطع يد صبي ولا مجنون ، ولا يد سيد أخذ مال عبده ، ولا يد عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة ، ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " {[226]} وقيل : تقطع يد الابن إذا سرق ما أبوبه . والراجح أنه لا يقطع لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة .
وإذا استكمل هذه الشروط ؛ فلا تقطع يده إلا إذا سرق ما قيمته ربع دينار .
روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " {[227]} .
وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا أو وزنا ، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ، أخرجهما الدارقطني وغيره .
ومن العلماء من قال : لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم ، و منهم من قال : لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم ، ومنهم من قال : لا تقطع اليد إلا في ثلاثة دراهم ، ومنهم من قال : تقطع اليد في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، وهو قوم الخوارج .
قال القرطبي : وهذه الأقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك . اه .
إن التضخم ، وتدني قيمة النقود ، تجعل رأي الحنفية أولى بالاعتبار .
روى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " {[228]} .
وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة ، وظروفها ودواعيها ، وان يعدل عن القطع عند وجود شبهة .
وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل الذي بين الساعد والكف . فإن سرق ثانيا ؛ قطعت رجله اليسرى من مفصل الرجل .
فإن سرق ثالثا ؛ قطعت يده اليسرى ، فإن سرق رابعا ؛ قطعت رجله اليمنى ، فإن سرق بعد ذلك عزر بما يراه الحاكم رداعا مانعا ، وروى عن أحمد انه لا تقطع اليد اليسرى ولا الرجل اليمنى وهو قول أبي بكر وعمر وأبي حنيفة ، وروى عنه أنها تقطع ، وبه قال مالك والشافعي {[229]} .
وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع ، وذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافا {[230]} .
وتثبت السرقة بالبينة والإقرار .
يرى بعض الفقهاء أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق ، وأكثر الفقهاء يرون أنه لا قطع عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع على خائن " {[231]} .
أما من ذهب إلى أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق فقد استدل بما رواه الشيخان عن عائشة قالت : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وقال : " إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " {[232]}
وجاء البخاري أنها سرقت ، وجاء في مسلم أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده . وقد توسع العلماء والفقهاء والمفسرون في تفسير هذه الآية وخصوصا التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية ، ومثال ذلك أن القرطبي بين أن هذه الآية فيها سبع وعسرون مسألة كتبها في 15 صفحة ومن نماذج تفسير القرطبي ما يأتي :
المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : فاقطعوا . القطع معناه : الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه وفي صفته .
1- فأما ما يعتبر في السارق فأربعة أوصاف وهي : البلوغ ، والعقل ، وأن يكون غير مالك المسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ؛ فلا يقطع العبد إن سرق مال سيده ، وكذلك السيد إن اخذ مال عبده لا قطع بحال ، ولا قطع على صبي ولا مجنون .
2- وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فثلاثة أوصاف :
( ب ) أن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه .
( ج ) ألا يكون للسارق فيه ملك كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره .
3- وأما ما يعتبر في موضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق .
وجملة القول فيه : أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا .
والقبر والمسجد حرز لما فيهما ، والخزانة في مكاتب الناس- أو الحكومة- حرز لما فيها ، وظهور الدواب حرز لما تحمل {[233]} .
فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا . والخطاب هنا لولاة الأمر الذين يرجع إليهم تنفيذ الأحكام والحدود . وجمع سبحانه اليد فقال : أيديهما . ولم يقل : يديهما بالتثنية ؛ لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية .
قوله تعالى : جَزَاء بِمَا كَسَبَا . مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا ، وكذا : نَكَالاً مِّنَ اللّهِ . اه وفيه بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت .
أي : اقطعوا أيديهما جزءا لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما نكالا . أي : عبرة وزجرا- من الله تعالى- لغيرهما ؛ حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة .
يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا ، أي : صنع به صنيعا يحذر غيره .
وسميت هذه العقوبة نكالا ؛ لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ؛ حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .
قال الأصمعي : قرأت هذه الآية ، وإلى جنبي أعرابي فقلت : والله غفور رحيم ، سهوا ؛ فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله ، قال : أعد ؛ فأعدت : والله غفور رحيم ، فقال : ليس كلام الله ؛ فتنبهت فقلت : والله عزيز حكيم . فقال : أصبت هذا كلام الله ، فقلت له : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت أنب أخطأت ؟ فقال : يا هذا عزيز حكيم . فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع {[234]} فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضي المغفرة والرحمة ، وأن الله تعالى- يضع كل اسم موضعه في كتابه .
{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } عموم الآية يقتضي قطع كل سارق إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطا خصصوا بها العموم ، فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك لتحليل الميتة له ، وكذلك من سرق مال والده أو سيده ، أو من سرق من غير حرز ، أو سرق أقل من النصاب ، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب ، أو ثلاثة دراهم من الفضة ، أو ما يساوي أحدهما ، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية ، وقد قيل : إن الحرز مأخوذ من هذه الآية ، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه ، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة ، وإعراب السارق عند سيبويه مبتدأ ، وخبره محذوف : كأنه قال : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، والخبر عند المبرد وغيره { فاقطعوا أيديهما } ، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط .