ثم لمسة للمشاعر بالذكرى ، وباستعراض صفحة من الواقع الذي عاشه المسلمون إذ ذاك منذ قريب . . المواطن التي نصرهم الله فيها ، ولم تكن لهم قوة ولا عدة . ويوم حنين الذي هزموا فيه بكثرتهم ثم نصرهم الله بقوته . يوم أن انضم إلى جيش الفتح ألفان فقط من الطلقاء ! يوم أن غفلت قلوب المسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد . ليعلم المؤمنون أن التجرد لله ، وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد ؛ وحين يخذلهم المال والإخوان والأولاد :
( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ، ثم وليتم مدبرين ؛ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم تروها ، وعذب الذين كفروا ، وبذلك جزاء الكافرين . ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ، والله غفور رحيم ) .
ولقد كان نصر الله لهم في المواطن الكثيرة قريبا من ذاكرتهم لا يحتاج إلى أكثر من الإشارة . فأما وقعة حنين فكانت بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة . وذلك لما فرغ [ ص ] من فتح مكة ، وتمهدت أمورها ، وأسلم عامة أهلها ، وأطلقهم رسول الله [ ص ] فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه ، وأن أميرهم مالك بن عوف النضري ، ومعه ثقيف بكمالها ، وبنو جشم ، وبنو سعد ابن بكر ، وأوزاع من بني هلال - وهم قليل - وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر ؛ وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم ؛ وجاءوا بقضهم وقضيضهم . فخرج إليهم رسول الله [ ص ] في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة ، وهم الطلقاء ، في ألفين ؛ فسار بهم إلى العدو ؛ فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له " حنين " فكانت فيه الواقعة في أول النهار في غلس الصبح . انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن ، فلما توجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد بادروهم ، ورشقوا بالنبال ، وأصلتوا السيوف ، وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم . فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين - كما قال الله عز وجل - وثبت رسول الله [ ص ] يومئذ وهو راكب بغلته الشهباء ، يسوقها إلى نحر العدو ، والعباس آخذ بركابها الأيمن ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب آخذ بركابها الأيسر ، يثقلانها لئلا تسرع السير ، وهو ينوه باسمه - عليه الصلاة والسلام - ويدعو المسلمين إلى الرجعة ، ويقول : " إلي يا عباد الله . إلي أنا رسول الله " ويقول في تلك الحال : " أنا النبي لا كذب . أنا ابن عبدالمطلب " وثبت معه من أصحابه قريب من مائة ، ومنهم من قال ثمانون ؛ فمنهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - والعباس وعلي والفضل بن عباس ، وأبو سفيان بن الحارث ، وأيمن بن أم أيمن ، وأسامة بن زيد ، وغيرهم - رضي الله عنهم - ثم أمر النبي [ ص ] عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته : يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على ألا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم : يا أصحاب السمرة ، ويقول تارة : يا أصحاب سورة البقرة . فجعلوا يقولون : يا لبيك ، يا لبيك . وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول - الله [ ص ] - حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ، ورجع بنفسه إلى رسول الله [ ص ] فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله [ ص ] أمرهم رسول الله [ ص ] أن يصدقوا الحملة . . . وانهزم المشركون فأتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون ، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله [ ص ] .
هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفا فأعجبتهم كثرتهم ، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول ، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه ؛ ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله [ ص ] والتصقت به .
والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية ، وبانفعالاتها الشعورية :
( إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبري ) . .
فمن إنفعال الإعجاب بالكثرة ، إلى زلزلة الهزيمة الروحية ، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم . إلى حركة الهزيمة الحسية ، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب . .
{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( 27 ) }
حنين : واد بين مكة والطائف ، حدثت فيه المعركة التي نسبت إليه وكانت عقب فتح مكة .
رحبت : أي : برحبها وسعتها ، والباء فيه بمعنى : " مع " .
25 – { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ . . . }
بين الله في آيات سابقة فضل الجهاد ، وحث عليه وبين في هذه الآيات أنه سبحانه عودهم النصر حين يخلصون في جهادهم .
والمعنى : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع كثيرة ؛ كبدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ومكة ، وذلك لأنكم نصرتموه بصدق جهادكم فهيأ لكم ثمار النصر .
قال مجاهد : هذه أول آية نزلت من( براءة ) يذكر الله تعالى فضله عليهم ، وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره ، لا بعددهم ولا بعددهم ، ونبههم على أن النصر من عنده ، سواء قل الجمع أو كثر ، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا ، فولوا مدبرين إلا القليل منهم ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ؛ ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده ، وبإمداده وإن قل الجمع : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } . ( البقرة : 249 ) .
{ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتهم فلم تغن عنكم شيئا } .
أي : ونصركم يوم حنين مع أنكم قصرتم فيه إذا أعجبتكم كثرتكم ، حتى قال بعض المسلمين : ( لن نهزم اليوم من قلة ) وكان عدد المسلمين( 12 ) اثنى عشر ألفا ، عشرة ألاف من المسلمين الذين فتحوا مكة ، وألفان من الطلقاء ، أي : من أهل مكة الذين أسلم كثير منهم وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء وكان فيهم بعض المشركين .
واتكل المسلمون على قوتهم في مبدإ الأمر ؛ فانهزموا ، ثم لما عدلوا عن غرورهم ، وتضرعوا إلى ربهم كان النصر حليفهم .
أضواء من التاريخ على وقعة حنين
كانت هوزان قوة كبيرة بعد قريش ، وكانت تنافسها فلما بلغها فتح مكة ؛ نادى سيدهم مالك ابن عوف النصري بالحرب ، وهو من بني نصر بن مالك .
واجتمع إليه مع هوزان ثقيف كلها ، ونصر ، وجشم ، وسعد بن بكر وأجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وساق مع جيشه أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم ، وزعم أن ذلك يحمي نفوسهم به ويقوي شوكتهم ، وكان على ثقيف كنانة بن عبيد ، وشهد الحرب دريد بن الصمة وكان شيخا كبيرا له رأى وحكمة ، ونزلوا بأوطاس ، واد في ديار وهوزان عند الطائف ، كانت فيه وقعة حنين ، ولما علم رسول الله بأمرهم ؛ أزمع السير إليهم ، وخرج معه اثنا عشر ألفا .
والتقى الجيشان فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانكشف المسلمون منهزمين ، حتى قال أبو سفيان بن حرب ، لا تنتهي هزيمتهم دون البحر .
وقال أخ لصفوان أبن أمية : الآن بطل السحر ، فقال له صفوان وهو على شركه :
اسكت فض الله فاك ، والله لأن يحكمني رجل من قريش خير من أن يحكمني رجل من هوزان .
{ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } .
أي : عن كثرتكم لم تنفعكم شيئا من النفع في أمر العدو ؛ بل انهزمتم أمامه في أول الأمر ، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها ، فقد خيل إليكم أن رحابها أغلقت في وجوهكم ، فلا تجدون فيها موضعا تطمئنون فيه وتثبتون كما قال الشاعر :
كأن بلاد الله هي عريضة *** على الخائف المطلوب كفة حابل .
ثم انصرفتم من وجه العدو متقهقرين لا تلوون على شيء .
لقد صورت الآية الكريمة ما حدث من المؤمنين في غزوة حنين ، تصويرا بديعا معجزا .
فهي تنتقل من سرورهم بالكثرة ، إلى تصوير عدم نفعهم بهذه الكثرة ، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على سعتها تضيق بهم ، وتقفل في وجوهم ، إلى تصوير حركاتهم الحسية ، في تولية الأدبار ، والنكوص على الأعقاب .
{ ويوم حنين } عطف على مواطن أو منصوب بفعل مضمر ، وهذا أحسن لوجهين : أحدهما : أن قوله : { إذ أعجبتكم كثرتكم } مختص بحنين ، ولا يصح في غيره من المواطن فيضعف عطف يوم حنين على المواطن للاختلاف الذي بينهما في ذلك ، والآخر أن المواطن ظرف مكان ، ويوم { حنين } ظرف زمان فيضعف عطف أحدهما على الآخر ، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات ، و{ حنين } اسم علم لموضع عرف برجل اسمه حنين وانصرف لأنه مذكر .
{ إذ أعجبتكم كثرتكم } كانوا يومئذ اثني عشر ألفا ، فقال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة فأراد الله إظهار عجزهم ففر الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بقي على بغلته في نفر قليل ، ثم استنصر بالله وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار وقال : شاهت الوجوه ، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه وهزم الله الكفار وقصة حنين مذكورة في السير .
{ بما رحبت } أي : ضاقت على كثرة اتساعها و{ ما } هنا مصدرية .