ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ؛ ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً ، ولم يطلب إليه بياناً ، ولم يسمع له حجة . ولكنه مضى يحكم : قال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . وإن كثيراً من الخلطاء - [ أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض ] - ليبغي بعضهم على بعض . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم . .
ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان : فقد كانا ملكين جاءا للامتحان ! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس ، ليقضي بينهم بالحق والعدل ، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم . وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة . . ولكن القاضي عليه ألا يستثار ، وعليه ألا يتعجل . وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد . قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته ؛ فقد يتغير وجه المسألة كله ، أو بعضه ، وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعاً أو كاذباً أو ناقصاً !
عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء :
وهنا أدركته طبيعته . . إنه أواب . . ( فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب ) . .
فاستغفر ربه : سأله المغفرة والصفح .
وأناب : ورجع إلى الله تعالى بالتوبة .
24-{ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه ، وخرّ راكعا وأناب .
أي قال داود للشاكي : إنّ أخاك قد ظلمك حين طلب منك أن تضم نعجتك إلى نعاجه ، فأنت فقير بسيط ، يجب عليك أن يقويك ويزيدك ، لا أن يأخذ منك ، ورغب داود في مواساة الشاكي فبين له أن كثيرا من الخلطاء والشركاء يجور بعضهم على بعض في التعامل ، كما قال المتنبي :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلة لا يظلم .
إلا المؤمنين الذين يراقبون الله ، ويرغبون في صالح الأعمال ، فيبتعدون عن الظلم والطمع والجشع ، وما أقل هؤلاء عددا ، وأنذرهم وجودا ، كما قال تعالى : { وقليل من عبادي الشكور } . [ سبأ : 13 ] .
ولعل هذه القضية ذكّرت داود بشيء ما طمع فيه من صاحبه ، قد يكون فرسا جميلا ، أو أرضا ، أو أي شيء رغب في تملّكه وهو النبيّ الملك ، وكانت هذه القضية وسيلة ذكّرته شيئا ما فعله شبيها بها ، فاستغفر الله عما فعله ، وخرّ ساجدا ، راجعا مُنيبا إلى الله تعالى مستغفرا .
وقيل : إن داود تسرع في الحكم فقضى للمدّعي قبل أن يسمع دفاع المدَّعَى عليه ، ثم تنبّه للأمر فاستغفر الله وخر ساجدا لله ، وأناب إليه لأنه لم يسمع شهادة الشهود ، أو لم يسمع قول المدّعى عليه .
وقيل : إن داود عليه السلام احتجب عن رعيته متبتلا ، منقطعا لعبادة ربّه ، فعوقب في ذلك ، وكانت هذه المحاورة لتذكيره بأن القضاء بين الناس ، والانشغال بشئون الرعية أولى من التبتل والعبادة ، فاستغفر الله لذلك فغفر الله له .
قال ابن عباس : إن داود جزأ زمانه أربعة أجزاء : يوما للعبادة ، ويوما للقضاء ، ويوما للاشتغال بخواص أموره ، ويوما يجمع فيه بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم ، ففاجأوه في غير يوم القضاء ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق ، وفي يوم الاحتجاب ، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه .
فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما ، أن هذا هو الواقع ، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر ، فلا وجه للاعتراض بقول القائل : { لم حكم داود ، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر } ؟ { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم ، فقال : { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } لأن الظلم من صفة النفوس . { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح ، يمنعهم من الظلم . { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } كما قال تعالى { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } { وَظَنَّ دَاوُدُ } حين حكم بينهما { أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } أي : اختبرناه ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لما صدر منه ، { وَخَرَّ رَاكِعًا } أي : ساجدا { وَأَنَابَ } للّه تعالى بالتوبة النصوح والعبادة .
{ قال } داود عليه السلام { لقد ظلمك بسؤال نعجتك } أي بسؤاله إياك نعجتك امرأتك أن يضمها { إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء { ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم } وقليل هم { وظن داود } علم عند ذلك { أنما فتناه } ابتليناه بتلك المرأة التي أحب أن يتزوجها ثم تزوجها بعد قتل زوجها { فاستغفر ربه } مما فعل وهو محبته أن يتزوج امرأة من له امرأة واحدة وله تسع وتسعون امرأة { وخر راكعا } سقط للسجود بعد ما كان راكعا { وأناب } رجع إلى الله سبحانه بالتوبة
{ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } سؤال مصدر مضاف إلى المفعول ، وإنما تعدى بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى نعاجه ، فإن قيل : كيف قال له داود لقد ظلمك قبل أن يثبت عنده ذلك فالجواب : أنه روي : أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذكر اعترافه اختصارا ، ويحتمل أن يكون قوله : { لقد ظلمك } على تقدير صحة قوله ، وقد قيل : إن قوله : لأحد الخصمين لقد ظلمك قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب .
{ وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض } { الخلطاء } هم الشركاء في الأموال ، ولكن الخلطة أعم من الشركة . ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها ، وقصد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بقي ، والتسلية بالتأسي للخصم الذي بقي عليه .
{ وقليل ما هم } ما زائدة للتأكيد .
{ وظن داود أنما فتناه } ظن هنا بمعنى شعر بالأمر ، وقيل : بمعنى أيقن ، وفتناه معناه اختبرناه .
{ وخر راكعا وأناب } معنى خر ألقى بنفسه إلى الأرض ، وإنما حقيقة ذلك في السجود ، فقيل : إن الركوع هنا بمعنى السجود ، وقيل : خر من ركوعه ساجدا بعد أن ركع ، ومعنى أناب تاب ، وروي : أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي حتى نبت البقل من دموعه ، وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك خلافا للشافعي ، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله وأناب ، أو عند قوله : { وحسن مآب }