في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

114

بعد ذلك يجيء شوط كامل عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان . وعن قدر الله في أن يجعل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . وعن الكبر الذي يحيك في نفوس هؤلاء المجرمين الأكابر . ويمنعهم من الإسلام . ويختم الشوط بالتصوير الرائع الصادق لحالة الإيمان التي يشرح الله لها الصدر ، وحالة الكفر التي يجعل الصدر فيها ضيقاً حرجاً مكروب الأنفاس ! . . فيتصل هذا الشوط كله بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح اتصال الأصل القاعدي بالفرع التطبيقي ؛ ويدل على عمق هذا الفرع وشدة علاقته بالأصل الكبير :

( أو من كان ميتاً فأحييناه ، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون . وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله . الله أعلم حيث يجعل رسالته . سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً كأنما يصعد في السماء ، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) .

إن هذه الآيات في تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان إنما تعبر تعبيراً حقيقياً واقعياً عن حقيقة واقعية كذلك . إن ما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة ؛ ولكن العبارة في ذاتها حقيقية .

إن نوع الحقيقة التي تعبر هذه الآيات عنها هو الذي يقتضي هذه الايقاعات التصويرية . فهي حقيقة ، نعم . ولكنها حقيقة روحية وفكرية . حقيقة تذاق بالتجربة . ولا تملك العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة ولكن لمن ذاقها فعلا !

إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت ؛ وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات . حياة يعيد بها تذوق كل شيء ، وتصور كل شيء ، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة . ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديداً كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوره الإيمان .

هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ . يعرفها فقط من ذاقها . . والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة . لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها .

إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية ، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب . فهو موت . . وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله . . فهو موت . . وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . . فهو موت . .

والإيمان اتصال ، واستمداد ، واستجابة . . فهو حياة . .

إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراق الاستشراف والاطلاع . . فهو ظلمة . . وختم على الجوارح والمشاعر . . فهو ظلمة . . وتيه في التيه وضلال . . فهو ظلمة . .

وإن الإيمان تفتح ورؤية ، وإدراك واستقامة . . فهو نور بكل مقومات النور . .

إن الكفر انكماش وتحجر . . فهو ضيق . . وشرود عن الطريق الفطري الميسر . . فهو عسر . . وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن . . فهو قلق . .

وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود . .

وما الكافر ؟ إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور . . إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود ، فهو منقطع الصلة بالوجود . لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود . في أضيق الحدود . في الحدود التي تعيش فيها البهيمة . حدود الحس وما يدركه الحس من ظاهر هذا الوجود !

إن الصلة بالله ، والصلة في الله ، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد . ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة . . ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان . الموصولة على مدار الزمان . . فهو في ثراء من الوشائج ، وفي ثراء من الروابط . وفي ثراء من " الوجود " الزاخر الممتد اللاحب ، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود .

ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ، فتتكشف له حقائق هذا الدين ، ومنهجه في العمل والحركة ، تكشفا عجيبا . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور . . مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه . ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته . إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات . . إنما يبدو " تصميما " واحدا متداخلا متراكبا متناسقا . . متعاشقا يبدو حيا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة ، وفي حب ودود !

ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ؛ فتتكشف له حقائق الوجود ، وحقائق الحياة ، وحقائق الناس ، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس . . تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر . . مشهد السنة الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر . . ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهي من ورائها محيطة طليقة . . ومشهد الناس والأحداث وهم في نطاق النواميس وهي في هذا النطاق أيضاً .

ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث . . يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته . ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة ، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة ! ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله ، كأنه يقرأ من كتاب !

ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه ! ويجد الراحة في باله وحاله ومآله ! ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها ، وفي استقبال الأحداث واستدبارها ! ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين !

وهكذا يصور التعبير القرآني الفريد تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية :

( أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ ) .

كذلك كان المسلمون قبل هذا الدين . قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها ، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف . . كانت قلوبهم مواتا . وكانت أرواحهم ظلاما . . ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز ، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء ، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس تهدي الضال ، وتلتقط الشارد ، وتطمئن الخائف ، وتحرر المستعبد ، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد . الإنسان المتحرر المستنير ؛ الذي خرج بعبوديته لله وحده من عبودية العبيد !

أفمن نفخ الله في روحه الحياة ، وأفاض على قلبه النور . . كمن حاله أنه في الظلمات ، لا مخرج له منها ؟ إنهما عالمان مختلفان شتان بينهما شتان ! فما الذي يمسك بمن في الظلمات والنور حوله يفيض ؟

( كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) . .

هذا هو السر . . إن هناك تزيينا للكفر والظلمة والموت ! والذي ينشئ هذا التزيين ابتداء هو مشيئة الله التي أودعت فطرة هذا الكائن الإنساني الاستعداد المزدوج لحب النور وحب الظلمة ، تبتليه بالاختيار للظلمة أو النور . فإذا اختار الظلمة زينت له ؛ ولج في الضلال حتى لا يخرج من الظلمة ولا يعود ، ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، ويزينون للكافرين ما يعملون . . والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور ، يسمع في الظلمة للوسوسة ؛ ولا يرى ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق ! . . وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

المفردات :

أو من كان ميتا فأحييناه : أو من كان كافرا فهديناه ؟ جعل الكفر موتا ، والهداية إحياء .

التفسير :

122- أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها . . . الآية .

الآية تمثيل بليغ للمؤمن والكافر ، والمقصود منها : تثبيت المؤمنين ؛ حتى لا يفكروا في متابعة المشركين .

والمعنى : لستم أيها المسلمون مثل المشركين حتى تتبعوهم في جاهليتهم ؛ فإن الله أحياكم بالهداية ، بعد موتكم الروحي بالكفر والشرك ، وأنعم عليكم بأن جعل لكم نورا تمشون به في الناس ، بما أنزل عليكم من أنوار القرآن والهدى النبوي ، فهل يصح لكم أن تتبعوا من يعيشون في الظلمات .

وخلاصة المقصود :

أو من كان في غيه وضلاله ميتا ، فأحييناه بالهدى ودين الحق ، كمن صفته أنه غارق في الظلمات ليس بخارج منها ؟ !

والنور : عبارة عن الهداية والإيمان ، وقيل : هو القرآن ، وقيل : الحكمة .

وجمهور المفسرين يرون أن المثل في الآية عام لكل مؤمن ولكل كافر ، وقيل : إن المراد بمن أحياه الله وهداه : عمر بن الخطاب ، وبمن بقي في الظلمات أبو جهل بن هشام .

قال الشوكاني : كانا ميتين في ضلالتهما ، فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه ، وأقر أبا جهل في ضلالته وموته .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا فقال :

( اللهم ، أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام ، أو بعمر بن الخطاب ) فاستجيب له في عمر بن الخطاب .

وقيل : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل ، وقيل : في حمزة وأبي جهل وعند التأمل نرى :

أن الآية عامة في كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان كافرا ، وفي كل من بقى على ضلالته ، ويدخل في ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا .

كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . أي : مثل ذلك التزيين الذي تضمنته الآية ، وهو تزيين الهدى للمؤمنين ، وظلمات الشرك للضالين ، قد زين للكافرين ما كانوا يعلمونه من الآثام ، كعداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذبح القرابين لغير الله ، وتحريم الحلال ، وتحليل الحرام ، وغير ذلك من المنكرات .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن والكافر فقال :

{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } .

الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وهى داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من الكلام السابق .

والتقدير : أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير علم وهل يعقل أن من كان ميتاً فأعطيناه الحياة وجعلنا له نوراً عظيما يمشى به فيما بين الناس آمنا كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها .

فالآية الكريمة تمثيل بليغ للؤمن والكافر لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .

فمثل المؤمن المهتدى إلى الحق كمن كان ميتا هالكا فأحياه الله وأعطاه نوراً يستضىء به فى مصالحه ، ويهتدى به إلى طرقه . ومثل الكافر الضال كمن هو منغمس فى الظلمات لا خلاص له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى فكيف يستويان ؟

والمراد بالنور : القرآن أو الإسلام ، والمراد بالظلمات : الكفر والجهالة وعمى البصيرة . فهو كقوله - تعالى - : { وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور وَلاَ الظل وَلاَ الحرور وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات } وقوله : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى : مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبى صلى الله عليه وسلم وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل الحرام ، وتحريم الحلال وغير ذلك من المنكرات .

وجمهور المفسرين يرون أن المثل فى الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل إن المراد بمن أحياه الله وهداه عمر بن الخطاب ، والمراد بمن بقى فى الظلمات ليس بخارج منها عمرو بن هشام ، فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت فيهما ، وقيل نزلت فى عمار بن ياسر وأبى جهل ، وقيل فى حمزة وأبى جهل .

والذى نراه أن الآية عامة فى كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان كافراً ، وفى كل من بقى على ضلاله مؤثراً الكفر على الإيمان ويدخل فى ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (122)

قوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } .

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حمزة وأبي جهل ، إذ رمى الرسول بفرث{[1264]} فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، فغضب وعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول : سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا . فقال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم{[1265]} وقيل : نزلت في كل مؤمن وكافر .

الهمزة للاستفهام الإنكاري : وقرأ الجمهور الواو بالفتح . وقرأها بعضهم بالسكون من ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ . والكاف في قوله : { كمن } خبره{[1266]} . والمراد بالميت هنا الكافر ، فقد أحياه الله بالإسلام . وقيل : كان نطفة فأحياه الله بنفخ الروح فيه . والتأويل الأول أولى لإشعار السياق بذلك . فالمقصود التنفير من اتباع المشركين لأنهم على الكفر وهو عين الباطل . وما يتبع الباطل إلا كل عات جحود ، أو عتل مستكبر كنود . فإن الذي يعرض عن دعوة الله ويستنكف عما يهتف به النبيون والمصلحون والدعاة إلى الله الذين يبلغون الناس رسالة الله ، لا جرم أنه صنو الميت . فكللاهما يخرجان من وهدة سحيقة غائرة واحدة . تلك هي وهدة الظلام والجهالة . وهدة التبلد والموات وركود الذهن . وذلكم الموت الذي لا يسفر عن علم ولا نور ولا هداية ، والمراد به هنا الكفر حيث التخبط والظلم والمرض . والمراد بالنور : الهداية . وقيل : القرآن . والمقصود هو نور الحق من الإسلام الذي جعله الله هداية للناس .

قوله : { كمن مثله في الظلمت } مثله ، مبتدأ مرفوع . وخبره في الظلمات . والجملة صلة لمن . والظلمات جمع ظلمة . وقيل : مجاز عن الكفر . والمعنى : أنه لا يستوي من كان كافرا ثم أحياه الله بالإيمان وجعل الله له نورا وهو الإسلام يمشي به في الناس مستنيرا ومهتديا وداعيا إليه الناس – لا يستوي هو والذي في الظلمات سادرا تائها يتخبط لا يهتدي إلى الصواب ولا يعرف أين السبيل . وشأن هذا كالذي يخبط في الظلمة الحالكة ليهيم على وجهه ضائعا متعثرا . شأنه شأن الكافرين الضالين يهيمون في غياهب الكفر على اختلاف أنواعه ، لا جرم أنهما لا يستويان . لا يستوي المؤمن المهتدي والكافر المتعثر الضال . فالمؤمن مطمئن ومستيقن ومستنير . والكافر تائه وحائر وجهول . وعلى هذا فإن المؤمنين الذين أشربت نفوسهم وأذهانهم معاني الإسلام بكل قيمه وتصوراته وموازينه ، لا شك أنهم راضون وماضون في طريقهم المستنير اللاحب . لكن الكافرين على اختلاف نحلهم ومللهم وتصوراتهم أشبه بالمضللين الحيارى السادرين في الظلام الذين لا يجاوزون ضلالهم المنقطع إلا إلى المهالك والشقوة وسوء المصير .

قوله : { ليس بخارج منها } في محل نصب الحال . أي حال الكافر الضال الذي هوى الظلمات فهام على وجهه تائها سادرا لا يعرف كيف الخروج أو الخلاص .

قوله : { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة للمصدر . والتقدير : زين للكافرين مثل ذلك التزيين أي الشيطان لهؤلاء الكافرين أعمالهم من الشرك وعبادة الأصنام وهو قول ابن عباس . وقيل : زين الشيطان للكافرين الكفر فعملوا به كما زين الله الإيمان للمؤمنين فعملوه{[1267]} .


[1264]:- الفرث: السرجين ما جام في الكرش. وجمعه فروث. انظر مختار الصحاح ص 495.
[1265]:- تفسير المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 4 ص 214.
[1266]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص 337.
[1267]:- البيان للطوسي ج 4 ص 260 وتفسير البغوي ج 2 ص 28.