في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (96)

75

وليس هذا فحسب . ولكنها خصلة أخرى في يهود ، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) . . أية حياة ، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق ! حياة فقط ! حياة بهذا التنكير والتحقير ! حياة ديدان أو حشرات ! حياة والسلام ! إنها يهود ، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء . وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة . فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس ، وعنت الجباه جبنا وحرصا على الحياة . . أي حياة !

( ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، والله بصير بما يعملون ) . .

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . ذلك أنهم لا يرجون لقاء الله ، ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة . وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها ، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة . . إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة . نعمة يفيضها الإيمان على القلب . نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني . المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود ، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة . فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق ، وجزائه الأوفى - هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية ، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض ؛ إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق ، الذي لا يعلم إلا الله مداه ، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعدا إلى جوار الله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ} (96)

94

المفردات :

يعمر : يطول عمره .

بمزحزحه : بمبعده من العذاب .

البصير : العالم بكنه الشيء الخبير به .

التفسير :

96- ولتجدنهم أحرص على الحياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . أي أنهم يحبون الإخلاد إلى الأرض ، ويعملون كل ما يوصلهم إلى البقاء فيها فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون ، وتلك سيرتهم في كل زمان الكلام مع من كان في عصر التنزيل .

وهكذا نجد القرآن ، يرسل من الحجاج ، فيشاغبون ويعاندون ، اعتزازا بشعبهم ، واعتزازا بكتابهم .

ومن الذين أشركوا : أي وهم أشد حرصا على الحياة من الذين أشركوا ، ولم يؤمنوا بالله ولا باليوم الأخر ، وفي هذا توبيخ وإيلام عظيم لهم ، إذ المشركون لا يؤمون ببعث ، ولا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها ليس بالغريب ، أما من يؤمن بالكتاب ويقر بالجزاء فمن حقه ألا يكون شديد الحرص عليها .

وقوله : ومن الذين أشركوا : معطوف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل : أحرص من الناس ومن الذين أشركوا ، فقوله : أحرص الناس فيه كلمة ( من ) مقدرة بعد أحرص .

قال صاحب الكشاف : وفيه توبيخ عظيم ، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ، ولا يعرفون إل الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليها في الحرص من له من الكتاب وهو مقر بالجزاء ، كان حقيقا بأعظم التوبيخ ، فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟

قلت : إنهم عملوا بأنهم صائرون إلى النار ولا محالة ، والمشركون لا يعلمون ذلك ، وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم : عش ألف نيروز ، وألف مهرجان( 233 ) .

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة : أي بلغ من شدة غلوهم في الحرص على الحياة ، أن الواحد منهم يتمنى أن يعيش السنين الكثيرة ، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة ، فكلمة ( ألف سنة ) كناية عن المدة الطويلة التي يود أن يحياها ، وليس المراد خصوصا العدد ، لأن العرب تذكر الألف وتريد الكثرة .

وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، وما ذلك التعمير لو تم ، بنافعه ولا مبعده من عذاب الله المحتوم ، لأنه لا بد من الموت والعرض على الله ، ليجازى على ما قدم في دنياه .

والله بصير بما يعملون : أي والله عالم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذك بما يستحقون .

ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود زعمهم الباطل بأن الجنة خالصة لهم ، فأبطلت حجتهم وكشف مزاعمهم ، وأخرست ألسنتهم ، وبينت أن الجنة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ، ولذلك حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، بسبب ما ارتكبوا من سيئات وما اقترفوا من آثام ( 234 ) .