تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ } التي قد استقرت قبل { عَلَقَةً } أي : دما أحمر ، بعد مضي أربعين يوما من النطفة ، { فخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ } بعد أربعين يوما { مُضْغَةً } أي : قطعة لحم صغيرة ، بقدر ما يمضغ من صغرها .

{ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ } اللينة { عِظَامًا } صلبة ، قد تخللت اللحم ، بحسب حاجة البدن إليها ، { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } أي : جعلنا اللحم ، كسوة للعظام ، كما جعلنا العظام ، عمادا للحم ، وذلك في الأربعين الثالثة ، { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } نفخ فيه الروح ، فانتقل من كونه جمادا ، إلى أن صار حيوانا ، { فَتَبَارَكَ اللَّهُ } أي : تعالى وتعاظم وكثر خيره { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } { الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } فخلقه كله حسن ، والإنسان من أحسن مخلوقاته ، بل هو أحسنها على الإطلاق ، كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

الثانية-قوله تعالى : " نطفة " قد مضى القول في النطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج{[11629]} والحمد لله على ذلك .

الثالثة-قوله تعالى : " ثم أنشأناه خلقا آخر " اختلف الناس في الخلق الآخر ، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا . وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا . وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره . الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر . مجاهد : كمال شبابه ، وروي عن ابن عمر ، والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت .

الرابعة-قوله تعالى : " فتبارك الله أحسن الخالقين " يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله " خلقا آخر " قال فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت ) . وفي مسند الطيالسي : ونزلت " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " الآية ، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزلت " تبارك الله أحسن الخالقين " . ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل . وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي سرح ، وبهذا السبب ارتد وقال : آتي بمثل ما يأتي محمد ، وفيه نزل " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [ الأنعام : 93 ] على ما تقدم بيانه في " الأنعام " {[11630]} . وقوله تعالى : " فتبارك " تفاعل من البركة . " أحسن الخالقين " أتقن الصانعين . يقال لمن صنع شيئا خلقه ، ومنه قول الشاعر :

ولأنت تَفْرِي ما خلقتَ وبع *** ضُ القوم يخلق ثم لا يَفْرِي{[11631]}

وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى . وقال ابن جريج : إنما قال " أحسن الخالقين " لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق ، واضطرب بعضهم في ذلك . ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع ، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم .

الخامسة{[11632]}-مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم ، فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا ، وخلق ابن آدم من سبع ، وجعل رزقه في سبع ، فأراها في ليلة سبع وعشرين . فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم{[11633]} أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه . وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة . فأراد ابن عباس " خلق ابن آدم من سبع " بهذه الآية{[11634]} ، وبقوله " وجعل رزقه في سبع " قوله " فأنبتنا{[11635]} فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق علبا . وفاكهة وأبا " [ عبس : 27 - 31 ] الآية . السبع منها لابن آدم ، والأب للأنعام . والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء ، هذا قول . وقيل : القضب البقول لأنها تقضب ، فهي رزق ابن آدم . وقيل : القضب والأب للأنعام ، والست الباقية لابن آدم ، والسابعة هي للأنعام ؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم .


[11629]:راجع ص 6 من هذا الجزء.
[11630]:راجع ج 7 ص 39.
[11631]:البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. والفري: القطع.
[11632]:كذا في ك و ز . وفي ب و ج وط : مسألة.
[11633]:في الدر المنثور: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام".
[11634]:كذا في ألأصول، وسياق الكلام يقتضي أن تكون العبارة هكذا: فأراد ابن عباس بقوله: "خلق بن آدم من سبع هذه الآية..." إلخ.
[11635]:راجع ج 19 ص 218 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

( ثم خلقناه النطفة علقة فخلقنا العقلة ) النطفة والعلقة ، منصوبان ؛ لأنهما مفعولان للفعل ( خلقنا ) . و ( خلقنا ) ههنا يتعدى إلى مفعولين ؛ لأنه بمعنى صيرنا . ولو كان بمعنى أحدثنا لتعدى إلى مفعول واحد{[3159]} والمعنى : حولنا النطفة إلى علقة ، أو صيرنا علقة ، وهي الدم الجامد ( فخلقنا العلقة مضغة ) يعني جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة ؛ أي قطعة لحم . وقد سميت مضغة ؛ لأنها مقدار ما يمضغ .

قوله : ( فخلقنا المضغة عظاما ) أي صيرنا قطعة اللحم هذه متصلبة عظاما يقوم عليه جسد الإنسان ( فكسونا العظام لحما ) أي جعلنا على العظام ما يسترها ويشدها من اللحم .

قوله : ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) أي جعلناه خلقا مباينا للخلق الأول وذلك بنفخ الروح فيه لتنتشر فيه الحياة .

قوله : ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) أي تعالى الله وتعظم شأنه وجلاله فقد استحق التعظيم والثناء . و ( أحسن ) مرفوع على أنه بدل من ( الله ) .

وقيل : مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . وتقديره : هو أحسن الخالقين{[3160]} .


[3159]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 181.
[3160]:- نفس المصدر السابق.