تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

وقوله { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة ، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم ، والحق المبين . ف { لَا رَيْبَ فِيهِ } ولا شك بوجه من الوجوه .

ونفي الريب عنه ، يستلزم ضده ، إذ ضد الريب والشك اليقين ، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب . وهذه قاعدة مفيدة ، أن النفي المقصود به المدح ، لا بد أن يكون متضمنا لضده ، وهو الكمال ، لأن النفي عدم ، والعدم المحض لا مدح فيه .

فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والهدى : ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه ، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة . وقال { هُدًى } وحذف المعمول ، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية ، ولا للشيء الفلاني ، لإرادة العموم ، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين ، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية ، ومبين للحق من الباطل ، والصحيح من الضعيف ، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم ، في دنياهم وأخراهم .

وقال في موضع آخر : { هُدًى لِلنَّاسِ } فعمم . وفي هذا الموضع وغيره { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق . فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا ، ولم يقبلوا هدى الله ، فقامت عليهم به الحجة ، ولم ينتفعوا به لشقائهم ، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر ، لحصول الهداية ، وهو التقوى التي حقيقتها : اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه ، بامتثال أوامره ، واجتناب النواهي ، فاهتدوا به ، وانتفعوا غاية الانتفاع . قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية ، والآيات الكونية .

ولأن الهداية نوعان : هداية البيان ، وهداية التوفيق . فالمتقون حصلت لهم الهدايتان ، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق . وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها ، ليست هداية حقيقية [ تامة ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

قوله تعالى : " ذلك الكتاب " قيل : المعنى هذا الكتاب . و " ذلك " قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر ، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب ، كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : " ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم{[120]} " [ السجدة : 6 ] ، ومنه قول خُفاف بن نُدبة :

أقول له والرمح يَأْطِرُ{[121]} متنَه *** تأمل خُفافا إنني أنا ذلكا

أي أنا هذا . ف " ذلك " إشارة إلى القرآن ، موضوع موضع هذا ، تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه . وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ، ومنه قوله تعالى : " وتلك حجتنا آتيناها{[122]} إبراهيم " [ الأنعام : 83 ] " تلك آيات{[123]} الله نتلوها عليك بالحق " [ البقرة : 252 ] أي هذه ، لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك . وفي البخاري " وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن " . " هدى للمتقين " بيان ودلالة ، كقوله : " ذلكم حكم الله{[124]} يحكم بينكم " [ الممتحنة : 10 ] هذا حكم الله .

قلت : وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك " ، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : ( يركبون ثبج{[125]} هذا البحر ) أي ذلك البحر ، والله أعلم . وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب .

واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة ، فقيل : " ذلك الكتاب " أي الكتاب الذي كتبتُ على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه ، أي لا مبدل له . وقيل : ذلك الكتاب ، أي الذي كتبتُ على نفسي في الأزل ( أن رحمتي سبقت غضبي ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي ) في رواية : ( سبقت ) . وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ، فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حِمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ) الحديث . وقيل : الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة . وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : " إنا سنلقي عليك{[126]} قولا ثقيلا " [ المزمل : 5 ] لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا ( وفي النسخة : مستسرفا ) لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل ، فلما أنزل عليه بالمدينة : " الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه " [ البقرة : 1 - 2 ] كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة ، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة . وقيل : إن " ذلك " إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل . و " الم " اسم للقرآن ، والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل ، يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما . وقيل : إن " ذلك الكتاب " إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما ، والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين ، أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين ، فعبر ب " بذلك " عن الاثنين بشاهد من القرآن ، قال الله تبارك وتعالى : " إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " [ البقرة : 68 ] أي عوان بين تينك : الفارض والبكر ، وسيأتي{[127]} . وقيل : إن " ذلك " إشارة إلى اللوح المحفوظ . وقال الكسائي : " ذلك " إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد . وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا ، فالإشارة إلى ذلك الوعد . قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا . وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال : " الم " الحروف التي تحديتكم بالنظم منها .

والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ، ومنه قيل : كتيبة ، لاجتماعها . وتكتَّبت الخيل صارت كتائب . وكتبتُ البغلة : إذا جمعت بين شُفْري رَحِمِها بحلقة أو سير ، قال :

لا تأمنن فَزاريا حللت به *** على قَلوصك واكتبها بأَسْيَارِ

والكتبة ( بضم الكاف ) : الخرزة ، والجمع كتب . والكتب : الخزر . قال ذو الرمة :

وفْرَاءَ غَرْفِيةٍ أثْأَى خوارِزُها *** مُشَلشِلٌ ضيَّعتْه بينها الكُتَبُ{[128]}

والكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة ، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا ، كما قال الشاعر :

تؤمِّل رجعةً منِّي وفيها *** كتابٌ مثل ما لصق الغِرَاءُ

والكتاب : الفرض والحكم والقدر ، قال الجَعدِي :

يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني *** عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا

قوله تعالى : " لا ريب " نفي عام ، ولذلك نصب الريب به . وفي الريب ثلاثة معان :

أحدها : الشك ، قال عبد الله بن الزبعرى :

ليس في الحق يا أميمةُ ريبٌ *** إنما الريب ما يقول الجهول

وثانيها : التهمة ، قال جميل :

بثينةُ قالت يا جميل أرَبْتَنِي*** فقلت كلانا يا بثينُ مريب

وثالثها : الحاجة ، قال{[129]} :

قضينا من تهامةَ كلَّ ريب *** وخيبر ثم أجمعنا السيوفا

فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب ، والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله ، وصفة من صفاته ، غير مخلوق ولا محدث ، وإن وقع ريب للكفار . وقيل : هو خبر ومعناه النهي ، أي لا ترتابوا ، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا . وتقول : رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا . وأراب : صار ذا ريبة ، فهو مريب . ورابني أمره . وريب الدهر : صروفه .

الأول : قوله تعالى : " فيه هدى للمتقين " الهاء في " فيه " في موضع خفض بفي ، وفيه خمسة أوجه ، أجودها : فيهِ هدى . ويليه : فيهُ هدى ( بضم الهاء بغير واو ){[130]} وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر . ويليه : فيهي هدى ( بإثبات الياء ) وهي قراءة ابن كثير . ويجوز فيهو هدى ( بالواو ) . ويجوز فيه هدى ( مدغما ) وارتفع " هدى " على الابتداء والخبر " فيه " . والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان ، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى .

الثانية : الهدى هُديان : هدى دلالة ، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم ، قال الله تعالى : " ولكل قوم هاد{[131]} " [ الرعد : 7 ] . وقال : " وإنك لتهدي إلى صراط{[132]} مستقيم " [ الشورى : 52 ] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " إنك لا تهدي{[133]} من أحببت " [ القصص : 56 ] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ، ومنه قوله تعالى : " أولئك على هدى من ربهم " [ البقرة : 5 ] وقوله : " ويهدي من يشاء " [ فاطر : 8 ] والهدى : الاهتداء ، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت . قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : " فلن يضل أعمالهم{[134]} . سيهديهم " [ محمد : 4 - 5 ] ومنه قوله تعالى : " فاهدوهم إلى صراط{[135]} الجحيم " [ الصافات : 23 ] معناه فاسلكوهم إليها .

الثالثة : الهدى لفظ مؤنث . قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة . وقال اللحياني : هو مذكر ، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة{[136]} " ، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار ، أي عرفته . الأولى لغة أهل الحجاز ، والثانية حكاها الأخفش . وفي التنزيل : " اهدنا الصراط المستقيم{[137]} " و " الحمد لله الذي هدانا{[138]} لهذا " [ الأعراف : 43 ] وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ؛ لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم ، ومنه قول ابن مُقبل :

[ حتى استَبَنْتُ الهدى والبيدُ هاجمةٌ *** يخشعن في الآل غُلْفاً أو يُصلِّينَا ]{[139]}

قوله تعالى : " للمتقين " خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم ، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه . وروي عن أبى رَوق أنه قال : " هدى للمتقين " أي كرامة لهم ، يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم . وأصل " للمتقين " : للموتقيين بياءين مخففتين ، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين .

الخامسة : التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام ، حكاه ابن فارس .

قلت : ومنه الحديث ( التقيُّ مُلْجَم والمتَّقي فوق المؤمن والطائع ) وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى ، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه ، كما قال النابغة :

سقط النَّصِيفُ{[140]} ولم تُرِدْ إسقاطَهُ *** فتناولته واتقتنا باليد

وقال آخر :

فألقت قناعا دونه الشمس واتقت *** بأحسن موصولين كفٌّ ومِعْصَمُ

وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زَربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : قال يوما لابن أخيه : يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قال : نعم ، قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قلت : بلى ، قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم . وقال أبو يزيد البسطامي : المتقي من إذا قال : قال لله ، ومن إذا عمل ، عمل لله . وقال أبو سليمان الداراني : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات . وقيل : المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق . قال ابن عطية : وهذا فاسد ، لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق . وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيا عن التقوى ، فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم : قال فما عملت فيه ؟ قال : تشمرت وحذرت ، قال : فذاك التقوى . وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه :

خل الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التُّقَى

واصنع كماش فوق أر *** ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى

السادسة : التقوى فيها جماع الخير كله ، وهي وصية الله في الأولين والآخرين ، وهي خير ما يستفيده الإنسان ، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء ، فقال :

يريد المرء أن يؤتى مناه *** ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتي ومالي *** وتقوى الله أفضل ما استفادا

وروى ابن ماجه في سننه عن أبى أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خير له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله ) . والأصل في التقوى : وَقْوَى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته ، ورجل تقي أي خائف ، أصله وقي ، وكذلك تقاة ، كانت في الأصل : وقاة ، كما قالوا : تجاه وتراث ، والأصل وجاه ووراث .


[120]:سورة السجدة آية 6
[121]:يأطر: يثني
[122]:سورة الأنعام آية 83
[123]:سورة البقرة آية 252
[124]:سورة الممتحنة آية 10
[125]:ثبج البحر: وسطه ومعظمه.
[126]:سورة المزمل آية 5
[127]:آية 68 راجع ص 448 من هذا الجزء
[128]:قوله: "وفراء" أي واسعة. و"غرفية" مدبوغة بالغرف، وهو نبت تدبغ به الجلود.والثَّأْي والثأَي (بسكون الهمزة وفتحها): خرم خرز الأديم. والمشلشل: الذي يكاد يتصل قطره وسيلانه لتتابعه.
[129]:هو كعب بن مالك الأنصاري؛ كما في اللسان مادة (ريب).
[130]:أي بعد الهاء من "فيه"
[131]:راجع ج 9 ص 285
[132]:راجع ج 16 ص 60.
[133]:راجع ج 13 ص 299
[134]:راجع ج 16 ص 230
[135]:راجع ج 15 ص 73
[136]:راجع ص 146 من هذا الجزء
[137]:راجع ص 146 من هذا الجزء
[138]:راجع ج 7 ص 207.
[139]:هذا البيت ساقط في جميع الأصول، والزيادة من اللسان مادة (هدى) والبحر المحيط في هذا الموضوع.
[140]:النصيف: ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها، سمي نصيفا؛ لأنه نصف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

{ ذلك الكتاب } هو هنا القرآن ، وقيل : التوراة والإنجيل ، وقيل : اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله : { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } [ السجدة :2 ] يعني القرآن باتفاق ، وخبر { ذلك } : { لا ريب فيه } ، وقيل : خبره الكتاب فعلى هذا { ذلك الكتاب } جملة مستقلة فيوقف عليه .

{ لا ريب فيه } أي : لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق ، ولم يعتبر أهل الباطل ، وخبر لا ريب فيه ، فيوقف عليه ، وقيل : خبرها محذوف فيوقف على { لا ريب } والأول أرجح لتعينه في قوله : { لا ريب } في مواضع أخر ، فإن قيل : فهلا قدم قوله : { فيه } على { الريب } كقوله : { لا فيها غول } [ الصافات :47 ] ؟ فالجواب : أنه إنما قصد نفي الريب عنه . ولو قدم فيه : لكان إشارة إلى أن ثم كتاب آخر فيه ريب ، كما أن { لا فيها غول } إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر .

{ هدى } هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين ، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله : { هدى للناس } [ البقرة :185 ] وإعرابه خبر ابتداء أو مبتدأ وخبره فيه ، عندما يقف على { لا ريب } ، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة .

{ للمتقين } مفتعلين من التقوى ، وقد تقدم معناه في الكتاب ، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول :

الأول : في فضائلها المستنبطة من القرآن

وهي خمس عشرة : الهدى كقوله : { هدى للمتقين } .

والنصرة ، لقوله : { إن الله مع الذين اتقوا }[ النحل :128 ] .

والولاية لقوله : { الله ولي المتقين }[ الجاثية :19 ] .

والمحبة لقوله : { إن الله يحب المتقين } [ التوبة :4 ]

والمغفرة لقوله : { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا }[ الأنفال :29 ] .

والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }[ الطلاق :4 ] .

وتيسير الأمور لقوله : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }[ الطلاق :4 ] . وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله : { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا }[ الطلاق :5 ] .

وتقبل الأعمال لقوله : { إنما يتقبل الله من المتقين }[ المائدة :27 ] .

والفلاح لقوله : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } ][ البقرة :189 ] .

والبشرى لقوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }[ يونس :64 ] . ودخول الجنة لقوله : { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم }[ القلم :34 ] .

والنجاة من النار لقوله : { ثم ننجي الذين اتقوا }[ مريم :72 ] .

الفصل الثاني : في البواعث على التقوى

عشرة وهي :

خوف العقاب الأخروي .

وخوف [ العقاب ] الدنيوي .

ورجاء الثواب الدنيوي .

ورجاء الثواب الأخروي .

وخوف الحساب .

والحياء من نظر الله ، وهو مقام المراقبة .

والشكر على نعمه بطاعته .

والعلم لقوله : { إنما يخشى الله من عباده العلماء }[ فاطر :28 ] .

وتعظيم جلال الله ، وهو مقام الهيبة .

وصدق المحبة لقول القائل :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

ولله در القائل :

قالت وقد سألت عن حال عاشقها *** لله صفه ولا تنقص ولا تزد

فقلت لو كان يظن الموت من ظمأ *** وقلت قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث : في درجات التقوى

وهي خمس :

أن يتقي العبد الكفر ، وذلك مقام الإسلام .

وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة .

وأن يتقي الشبهات ، وهو مقام الورع .

وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد .

وأن يتقي حضور غير الله على قلبه ، وهو مقام المشاهدة .