تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

{ 23 - 29 } { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ }

هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته ، وصبره عليها أعظم أجرا ، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة ، لوقوع الفعل ، فقدم محبة الله عليها ، وأما محنته بإخوته ، فصبره صبر اضطرار ، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها ، طائعا أو كارها ، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت العزيز ، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك ، أن { رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } أي : هو غلامها ، وتحت تدبيرها ، والمسكن واحد ، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد ، ولا إحساس بشر .

{ وَ } زادت المصيبة ، بأن { غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ } وصار المحل خاليا ، وهما آمنان من دخول أحد عليهما ، بسبب تغليق الأبواب ، وقد دعته إلى نفسها { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي : افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ ، ومع هذا فهو غريب ، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه ، وهو أسير تحت يدها ، وهي سيدته ، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك ، وهو شاب عزب ، وقد توعدته ، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن ، أو العذاب الأليم .

فصبر عن معصية الله ، مع وجود الداعي القوي فيه ، لأنه قد هم فيها هما تركه لله ، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء ، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان ، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف ، عن هذه المعصية الكبيرة ، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ } أي : أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح ، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه ، ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي .

فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة ، وهذا من أعظم الظلم ، والظالم لا يفلح ، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله ، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه ، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه ، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه ، يقتضي منه امتثال الأوامر ، واجتناب الزواجر ، والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء ، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم ، الذين أخلصهم الله واختارهم ، واختصهم لنفسه ، وأسدى عليهم من النعم ، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

{ ولقد همت به وهم بها } طمعت فيه وطمع فيها { لولا أن رأى برهان ربه } وهو أنه مثل له يعقوب عليه السلام عاضا على أصابعه يقول أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في الأنبياء فاستحيا منه وجواب لولا محذوف على معنى لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به { كذلك } أي أريناه البرهان { لنصرف عنه السوء } وهو خيانة صاحبه { والفحشاء } ركوب الفاحشة { إنه من عبادنا المخلصين } الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلاّ إذا كان عند غلبة الهوى وترامي الشهوة كما هو شأن الرجولية ، قال تعالى رداً على من يتوهم ضد ذلك : { ولقد همت به } أي أوقعت الهم ، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته ، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها { وهمَّ بها } كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب { لولا أن رءآ } أي بعين قلبه { برهان ربه{[41102]} } الذي آتاه إياه من الحكم والعلم ، أي لهمّ بها ، لكنه لما{[41103]} كان البرهان حاضراً لديه حضور من يراه بالعين ، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى ، فلم يهم أصلاً مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب ، فلولا المراقبة لهمّ بها لتوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلاً ، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء ، وأن السجن أحب إليه من ذلك ، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها{ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً }[ يوسف :25 ] - الآية{[41104]} ، من مطلق الإرادة ، ومع ما تحتم{[41105]} تقدير{[41106]} ما ذكر بعد " لولا " في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب ، فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل{[41107]} شرط من{[41108]} معنى ما دل عليه ما قبله ، وهذا مثل قوله تعالى

إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها{[41109]} }[ القصص :10 ] أي لأبدت به ، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن{[41110]} الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت{[41111]} ، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب " لولا " المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان ، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال : إن هذا قول المحققين من المفسرين ، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب{[41112]} الأسماع ، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل ، وأنه ما منعه منه إلاّ{[41113]} العلم بالله ، فكأنه قيل : إن هذا التثبيت عظيم ، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة : { كذلك } أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر { لنصرف عنه السوء } أي الهمّ بالزنا وغيره { والفحشاء } أي الزنا وغيره ، فكأنه قيل : لِمَ فعل به هذا ؟ فقيل { إنه من عبادنا } أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة { المخلصين * } أي هو في عداد الذين هم خير صرف ، لا يخالطهم غش ، ومن ذريتهم أيضاً ، وهذا مع قول إبليس{ لأغوينهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين{[41114]} }[ ص :83 ] شهادة من إبليس{[41115]} أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء من الهمّ في هذه الواقعة ؛ قال الإمام{[41116]} : فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين الله فليقبل شهادة الله ، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته ، قال : ولعلهم يقولون : كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل{[41117]} :

وكنت فتى من جند إبليس فارتقى *** من الأمر حتى صار إبليس من جندي{[41118]}

فلو مات قبلي كنت أحسن بعده *** طراييق فسق ليس يحسنها بعدي{[41119]}


[41102]:وهذه الآية قد أوسعها القدامى من المفسرين بحثا ونقاشا واستعراضا لنواحيها العديدة فليراجع على وجه المثال البحر 5/295 ولباب التأويل 3/224.
[41103]:زيد لاستقامة العبارة.
[41105]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يختم.
[41106]:في ظ: تقديره.
[41107]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: شرطين.
[41108]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: شرطين.
[41109]:آية 10.
[41110]:زيد من ظ ومد.
[41111]:في الأصل: فكاديت، وفي ظ: فسكاديت، وفي م ومد: فتكادبت- كذا، ومبنى التصحيح على البحر 5/295.
[41112]:في ظ: يضطرب.
[41113]:في ظ ومد: غير.
[41114]:سورة 15 آية 39 و40.
[41115]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد.
[41116]:أي الرازي، وقوله هذا مطرد في روح المعاني 4/36 و 37 فراجعه.
[41117]:ورد البيتان في الروح باختلاف طفيف عما هنا الإضافة إلى نسبتهما إلى الحريري.
[41118]:من م ومد والروح، وفي الأصل و ظ: جند.
[41119]:من م ومد والروح، وفي الأصل و ظ: بعد.