فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

همّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه ، قال :

همَمْتُ وَلَمْ أفعل وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي*** تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكي حَلاَئِلُهْ

ومنه قولك : لا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هماً . أي ولا أكاد أن أفعله كيداً ، ولا أهم بفعله هماً ، حكاه سيبويه ، ومنه : الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه . وقوله : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } معناه . ولقد همت بمخالطته { وَهَمَّ بِهَا } وهمّ بمخالطتها { لَوْلا أَن رأى بُرْهَانَ رَبّهِ } جوابه محذوف ، تقديره : لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، فحذف ؛ لأنّ قوله : { وَهَمَّ بِهَا } يدل عليه ، كقولك : هممت بقتله لولا أني خفت الله ، معناه لولا أني خفت الله [ لقتلته ] . فإن قلت : كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصدٌ إليها ؟ قلت المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلاً يشبه الهم به والقصد إليه ، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم . وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدّته لما كان صاحبه ممدوحاً عند الله بالامتناع ؛ لأن استعظام الصبر على الابتلاء ، على حسب عظم الابتلاء وشدته . ولو كان همه كهمها عن عزيمة ، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين . ويجوز أن يريد بقوله : { وَهَمَّ بِهَا } وشارف أن يهم بها ، كما يقول الرجل : قتلته لو لم أخف الله ، يريد مشارفة القتل ومشافهته . كأنه شرع فيه فإن قلت : قوله { وَهَمَّ بِهَا } داخل تحت حكم القسم في قوله : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } أم هو خارج منه ؟ قلت : الأمران جائزان . ومن حق القارىء إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } ويبتدىء قوله : { وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ } وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين . فإن قلت : لم جعلت جواب لولا محذوفاً يدل عليه هم بها وهلا جعلته هو الجواب مقدماً فإن قلت : لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها ، من قبل أنه في حكم الشرط ، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة ، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض . وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز ، فإن قلت : فلم جعلت «لولا » متعلقة بهمّ بها وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني . فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معاً ، فكأنه قيل : ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما ؟ قلت : نعم ما قلت ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } فكان إغفاله إلغاء له ، فوجب أن يكون التقدير ، ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها ، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه ، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها { لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ } فترك التوصل إلى حظه من الشهوة ؛ فلذلك كانت «لولا » حقيقة بأن تعلق بهمّ بها وحده ، وقد فسرهمّ يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع ، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها ، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً : إياك وإياها ، فلم يكترث له ، فسمعه ثانياً فلم يعمل به ، فسمع ثالثاً : أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته .

وقيل : ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله . وقيل : كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف ، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ ، وقيل : صيح به : يا يوسف ، لا تكن كالطائر : كان له ريش ، فلما زنى قعد لا ريش له . وقيل : بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم ، مكتوب فيها { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين } [ الانفطار : 11 ] فلم ينصرف ، ثم رأى فيها { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } [ الإسراء : 32 ] فلم ينته ، ثم رأى فيها { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة : 281 ] فلم ينجع فيه ، فقال الله لجبريل عليه السلام : أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة ، فانحط جبريل وهو يقول : يا يوسف ، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء ؟ وقيل : رأى تمثال العزيز . وقيل : قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت : أستحي منه أن يرانا . فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ، ولا أستحي من السميع البصير ، العليم بذوات الصدور . وهذا ونحوه . مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه ، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل ، ولو وُجِدَت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنُعِيت عليه وذُكِرَت توبته واستغفاره ، كما نُعِيَت على آدم زلته ، وعلى داود ، وعلى نوح ، وعلى أيوب ، وعلى ذي النون ، وذُكِرت توبتهم واستغفارهم ، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً ، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض ، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أُولي القوّة والعزم ، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح ، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين ، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها ، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب صورة كاملة عليها ، ليجعل له لسان صدق في الآخرين ، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم عليه السلام ، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار ، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من أنبياء الله ، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها ، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن ، وبالتوبيخ العظيم ، وبالوعيد الشديد ، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه ، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه ، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره ، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا ، لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرّك .

فيا له من مذهب ما أفحشه ، ومن ضلال ما أبينه { كذلك } الكاف منصوب المحل ، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه . أو مرفوعه ، أي الأمر مثل ذلك { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } من خيانة السيد { والفحشاء } من الزنا { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } الذين أخلصوا دينهم لله ، وبالفتح الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم . ويجوز أن يريد بالسوء . مقدّمات الفاحشة ، من القبلة والنظر بشهوة ، ونحو ذلك . وقوله : { مّنْ عِبَادِنَا } معناه بعض عبادنا ، أي : هو مخلص من جملة المخلصين . أو هو ناشئ منهم ، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم { إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ } [ ص : 46 ] .