تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (112)

{ 112 - 113 } { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } ،

وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد ، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه ، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم ، والنعرة العربية فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها ، وكذلك الرزق الواسع .

كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر ، ولكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (112)

ثم أنزل الله تعالى في أهل مكة وما امتحنوا به من القحط والجوع قوله تعالى : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة } ، ذات أمن لا يغار على أهلها ، { مطمئنة } ، قارة بأهلها لا يحتاجون الى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } ، يجلب إليها من كل بلد ، كما قال : { يجبى إليه ثمرات كل شيء } . { فكفرت بأنعم الله } ، حين كذبوا رسوله ، { فأذاقها الله لباس الجوع } ، عذبهم الله بالجوع سبع سنين ، { والخوف } من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يبعثهم إليهم فيطوفون بهم ، { بما كانوا يصنعون } من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإخراجه من مكة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (112)

ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى : { ورزقكم من الطيبات } ، وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى : { وما أمر الساعة } إلى آخره ، واستمر فيما مضت مناسباته آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها ، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء ، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلاً محسوساً موجوداً ، مبيناً أن الأعمال في هذه الدار أيضاً مناط الجزاء ، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى : { وضرب الله } ، أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لكم أيها المعاندون ! { مثلاً قرية } ، من قرى الماضين التي تعرفونها ، كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام ، كان حالها كحالهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة . { كانت ءامنة } ، أي : ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف . { مطمئنة } ، أي : تارة بأهلها ، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد ، وكف الله الناس عنها ، ووجود ما يحتاج إليه أهلها . { يأتيها } ، أي : على سبيل التجدد والاستمرار ، { رزقها رغداً } ، أي : واسعاً طيباً ، { من كل مكان } ، براً وبحراً بتيسير الله تعالى لهم ذلك .

ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً ، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى : { فكفرت } ، ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضله عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال : { بأنعم الله } ، أي : الذي له الكمال كله كما كفرتم . { فأذاقها الله } ، أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً . { لباس الجوع } ، بعد رغد العيش ، { والخوف } ، بعد الأمن والطمأنينة ، حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً ، وبشدة عركهم ذواقاً ، فكأن النظر إلى المستعار له ، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق ، ولو نظر إلى المستعار لقال : فكساها ، فكان يفوت الذوق ، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله :

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً *** غلقت لضحكته رقاب المال

استعار الرداء للمعروف ؛ لأنه يصون العرض صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا وصف الرداء الذي هو المستعار ، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة ، أو الطول مثلاً ، كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه :

ينازعني ردائي عبد عمرو *** رويدك يا أخا بكر بن عمرو

لي الشطر الذي ملكت يميني *** ودونك فاعتجر منه بشطر

فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار ، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته ؛ إذ قال لابن الأعرابي : هل يذاق اللباس ؟ فقال له : لا بأس يا أيها النسناس ! هب أن محمداً ما كان نبياً ، أما كان عربياً ؟ { بما كانوا } ، أي : بجبلاتهم ، { يصنعون * } ، من الكفر والكبر ، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته .