فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (112)

{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ( 112 ) }

{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً } ، قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل ، ولذا عدي إلى مفعولين ، قد اختلف المفسرون هل المراد بهذا قرية معينة ، أو المراد قرية غير معينة . قال الزمخشري : بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته ، ونحوه في البيضاوي .

قال القرطبي : إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى ، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، ويجوز أن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها ، فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها .

وذهب الأكثرون إلى الأول وصرحوا بأنها مكية ، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ( اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) ( 1 ) {[1066]} ، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام ، والثاني أرجح ؛ لأن تنكير قرية يفيد بذلك ، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولا أوليا .

وأيضا يكون الوعيد أبلغ والمثل أكمل وغيره مكة مثلها ، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها . وعن ابن عباس قال : يعني مكة ، وعن عطية مثله ، وزاد فقال : ألا ترى أنه قال : { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه } ، قال الواقدي : ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين .

والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فتقدير الآية : ضرب الله مثلا لقريتكم ، أي بين الله لها شبها ، ثم وصف بأنها { كَانَتْ آمِنَةً } غير خائفة .

{ مُّطْمَئِنَّةً } ، غير منزعجة ، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ، وعن ابن شهاب قال : القرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب .

قلت ولا أدري أي دليل على هذا التعيين ، ولا أي قرينة قامت له على ذلك ، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله ، وأي وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف ، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ، كما صح ذلك عن الصادق المصدوق .

وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) . { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } ، أي : ما يرتزق به أهلها . { رَغَدًا } ، أي : واسعا ، يقال : رغد العيش بالضم رغادة : اتسع ولان ، فهو رغد ورغيد ، ورغد ورغد رغدا من باب تعب لغة ، فهو راغد ، وهو في رغد من العيش ، أي : رزق واسع ، وأرغد القوم بالألف : أخصبوا ، والرغيد : الزبد . { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها ، أي : من نواحيها من البر والبحر .

{ فَكَفَرَتْ } ، أي : كفر أهلها { بِأَنْعُمِ اللّهِ } التي أنعم بها عليهم ، وهي جمع نعمة ، كالأشد جمع شدة ، وقيل : كالأدرع جمع درع ، على ترك الاعتداد بالتاء ، وقيل : جمع نعم ، مثل بؤس وأبؤس ، ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد ، وهي بمعنى النعمة ، وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله .

{ فَأَذَاقَهَا اللّهُ } ، أي : أهلها ، { لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } ، أي : أثرهما ، فقحطوا سبع سنين ، وسمي ذلك لباسا ؛ لأنه يظهر به عليهم من الهزل وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس ، فاستعير له اسمه ، وأوقع عليه الإذاقة ، وأصلها الذوق بالفم ، ثم استعيرت لمطلق الإيصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين : إدراك اللمس والذوق .

روي أن ابن الراوندي الزنديق ، قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب : هل يذاق اللباس ؟ فقال له ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس ، هب أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ما كان نبيا أما كان عربيا ، كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال : فكساها الله لباس الجوع ، أو فأذاقها الله طعم الجوع ، فرد عليه ابن الأعرابي .

وقد أجاب علماء البيان هذا أن تجريد الاستعارة وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف ؛ لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس ، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف ؛ لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة ، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه غيره ، فكانت الاستعارة مجردة ، ولو قال : فكساها ، كانت مرشحة ، قيل : وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له ، فازداد الكلام وضوحا .

قال الرازي : والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال : فأذاقها ، والتقدير : أن الله عرفها لباس الجوع والخوف ، إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة ، وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختيار قال الشاعر :

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها

أو يحمل اللبس على المماسة ، أي : فأذاقها الله مساس الجوع { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } ، أي : فعلنا بهم ما فعلنا بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخروجه من بين أظهرهم ، ولم يقل صنعت ؛ لأنه أراد أهل القرية ، قال الفراء : كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله : " يصنعون " تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها .


[1066]:مسلم 675 – البخاري 483.