فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ} (76)

ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : { فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } الفاء لترتيب النهي على ما قبله فلا بد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة ، وانعكاس الأمر عليهم بترتيب الشر على ما رتبوه لرجاء الخير ، فإن ذلك مما يهون الخطر ، ويورث السلوة ، والنهي وإن توجه بحسب الظاهر إلى قولهم لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول هو ما يفيده قوله : { واتخذوا من دون الله آلهة } فإنهم لا بد أن يقولوا : هؤلاء آلهتنا وإنها شركاء لله في المعبودية ، ونحو ذلك .

وهو نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن التأثر لذلك بطريق الكناية على أبلغ وجه وآكده ، وقيل : إنه نهي لهم عن الأسباب التي تحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب : لا أرينك ههنا ، فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور لديه لا نهي نفسه عن الرؤية ، وهذا بعيد ، والأول أولى ، والكلام من باب التسلية كما ذكرنا ، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو قولهم : إنه ساحر وشاعر ومجنون .

{ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } تعليل لما تقدم من النهي ، فإن علمه سبحانه بما يظهرون وما يضمرون مستلزم للمجازاة لهم بذلك ، وإن جميع ما صدر منهم لا يعزب عنه سواء كان خافيا أو باديا سرا أو جهرا مظهرا أو مضمرا ، وتقديم السر على الجهر للمبالغة في شمول علمه بجميع المعلومات ، وقرئ : إنا بالكسر وبالفتح على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر ، وفي كل كلام ؛ وكسرها أبو حنيفة وفتح الشافعي وكلاهما تعليل كما تقدم .