فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} (6)

ثم ذكر سبحانه على طريق الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعضه طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيرا للكفار في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم ، وتخويفا لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال :{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} أي ألم تعلم يا محمد علما يوازي العيان في الإيقان وهو استفهام تقرير ، قرأ الجمهور بتنوين عاد على أن يكون قوله { إرم ذات العماد } عطف بيان لعاد ، والمراد بعاد اسم أبيهم وإرم اسم القبيلة أو بدلا منه ، وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث ، وقيل المراد بعاد أولاد عاد وهم عاد الأولى ، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى فيكون ذكر إرم على طريقة عطف البيان أو البدل للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى .

ولا بد من تقدير مضاف على كلا القولين أي أهل إرم أو سبط إرم فإن إرم هو جد عاد ، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وقرأ الحسن وأبو العالية بإضافة عاد إلى إرم ، وقرأ الجمهور إرم بكسر الهمزة وفتح الراء والميم ، وقرئ بفتح الهمزة والراء وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفا وقرئ بإضافة إرم إلى ذات العماد .

وقال مجاهد : من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإرم التي هي الأعلام واحدها أرم . وفي الكلام تقديم وتأخير أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد ، وهذه الرؤية رؤية القلب ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له .

وقد كان أمر عاد وثمود مشهورا عند العرب ، لأن ديارهم متصلة بديار العرب ، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون .

وقال مجاهد أيضا إرم أمة من الأمم ، وقال قتادة هي قبيلة من عاد ، وقيل هما عادان فالأولى هي إرم ، قال معمر إرم إليه مجتمع عاد وثمود وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم ، قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى إرم .

ومعنى ذات العماد ذات القوة والشدة مأخوذ من قوة الأعمدة ، كذا قال الضحاك وقال قتادة ومجاهد أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع ، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم ، وقال مقاتل ذات العماد يعني طولهم ، وكان طول الرجل منهم إثني عشر ذراعا ، يقال رجل طويل العماد أي القامة .

قال أبو عبيدة ذات العماد ذات الطول ، يقال رجل معمد إذا كان طويلا ، وقال مجاهد وقتادة أيضا كان عمادا لقومهم يقال فلان عميد القوم وعمودهم أي سيدهم ، وقال ابن زيد ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد .

قال في الصحاح : والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث ، وقال عكرمة وسعيد المقبري : هي دمشق ، وعن مالك مثله ، وقال محمد بن كعب : هي الأسكندرية ، قال ابن عباس يعني بالإرم الهالك ، ألا ترى أنك تقول إرم بنو فلان ، وذات العماد يعني طولهم مثل العماد .

وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه ذكر إرم ذات العماد فقال كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على حي أراد فيهلكهم " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وفي إسناده رجل مجهول لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدثه عن المقدام .

/خ8