فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (90)

و«ما » في قوله : { بِئْسَمَا } موصولة ، أو موصوفة ، أي : بئس الشيء ، أو شيئاً { اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } قاله سيبويه . وقال الأخفش «ما » في موضع نصب على التمييز كقولك : بئس رجلاً زيد . وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد رُكب كحبذا . وقال الكسائي : «ما » ، و«اشتروا » بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه ، والتقدير : بئس اشتراؤهم أن يكفروا . وقوله : { أَن يَكْفُرُوا } في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه ، وخبره ما قبله . وقال الفراء ، والكسائي : إن شئت كان في موضع خفض بدلاً من الهاء في به ، أي : اشتروا أنفسهم بأن يكفروا ، وقال في الكشاف : إن «ما » نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس ، بمعنى شيئاً اشتروا به أنفسهم ، والمخصوص بالذم أن يكفروا ، واشتروا بمعنى باعوا . وقوله : { بَغِيّاً } أي : حسداً . قال الأصمعي : البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح : إذا فسد ، وقيل أصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بغياً . وهو علة لقوله : { اشتروا } وقوله : { أَن يُنَزِّلَ } علة لقوله : { بَغِيّاً } أي : لأن ينزل . والمعنى : أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً ، ومنافسة { أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، وابن محيصن : «أن ينزل » بالتخفيف . { فباءوا } أي : رجعوا ، وصاروا أحقاء { بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } وقد تقدّم معنى باءوا ، ومعنى الغضب . قيل الغضب ، الأول : لعبادتهم العجل ، والثاني لكفرهم بمحمد . وقيل : كفرهم بعيسى ، ثم كفرهم بمحمد . وقيل كفرهم بمحمد ، ثم البغي عليه وقيل غير ذلك . والمهين مأخوذ من الهوان ، قيل وهو : ما اقتضى الخلود في النار .

/خ92