تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (6)

اللعان :

{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( 7 ) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) } .

التفسير :

6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ . . . الآيات .

يرمون أزواجهم : يقذفونهن بالريبة وتهمة الزنا .

لعنة الله : الطرد من رحمته .

يدرأ : يدفع .

غضب الله : سخطه والبعد عن فضله وإحسانه .

سبب النزول :

تعددت روايات أسباب نزول آيات اللعان ، ويمكن أن يجمع بينها بتعدد السبب والنازل واحد .

1 – أخرج البخاري من طريق عكرمة ، عن ابن عباس : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك ابن سمحاء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : البينة أو حد في ظهرك )55 . فقال : يا رسول الله ، إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ، ينطلق يلتمس البينة ؟ وفي رواية أنه قال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل – عليه السلام – وأنزل عليه : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ . حتى بلغ : إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 1 ه . وهي الآيات : 6 – 10 من سورة النور .

2 – وأخرج الشيخان ( واللفظ للبخاري ) عن سهل بن سعد : أن عويمرا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان ، فقال : كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يصنع ؟ سل لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ، فقال عويمر : والله ، لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فجاءه عويمر ، فقال : يا رسول الله ، رجل وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبك ) ، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها56 . فهاتان الروايتان صحيحتان ، ولهما شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة ، وتفيدان تأخر الجواب إلى وقت الحاجة إليه .

كيفية اللعان :

1 – روى أصحاب الصحاح الستة ، والإمام أحمد في مسنده ، وابن جرير الطبري في تفسيره ، عن ابن عباس ، وأنس بن مالك – رضي الله عنهما – أن هلال بن أمية وزوجته57 ، أرسل إليهما بعد نزول هذه الآية ، فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، فقال هلال : والله ، يا رسول الله ، لقد صدقت عليها . فقالت : كذب . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لاعنوا بينهما ) . فقيل لهلال : اشهد . فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، فلما كانت الخامسة قيل له : يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . وأيضا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرارا : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ) ؟ فقال هلال : والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها . فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين58 .

ثم قيل للمرأة : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، وقيل لها عند الخامسة : اتقي الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ، ثم قالت : والله لا أفضح قومي . فشهدت في الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقضى ألا يدعى ولدها لأب ، ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد ، وقضى أن لا بيت لها عليه ، ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها .

ثم قال للناس : ( إن جاءت به أصيهب59 أريشح60 حمش الساقين61 فهو لهلال ، وإن جاءت به أورق62 جعدا63 حماليا64 خدلج الساقين65 سابغ الإليتين66 فهو الذي رميت به ) . فجاءت به أوراق ، حماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين ، فهو للذي رميت به ) . فجاءت به أورق حماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لولا الأيمان – وفي رواية أخرى – لولا ما مضى من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن )67 .

2 – جاءت قصة عويمر العجلاني التي سبق ذكرها في الصحيحين68 وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عويمرا وزوجته فذكرهما ، وقال لهما ثلاثا : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب . . . فهل منكما تائب ) ؟ فلما لم يتب أحدهما لاعن بينهما .

قال عويمر : إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ، فطلقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال سهل بن سعد فنفذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرق بينهما ، وقال : ( لا يجتمعان أبدا ) وزاد سهل بن سعد : وكانت حاملا فأنكر حملها ، وكان ابنها يدعى إليها ، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لهما .

3 – ولهاتين القضيتين شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة . وليس فيها التصريح بأسماء المتلاعنين ، فقد تكون بعضها متعلقة بهاتين القضيتين ، ولكن قد جاء في بعضها ذكر قضايا أخرى ، فهذه التفاصيل تزودنا بكثير من الأمور الموضحة لأحكام اللعان :

( أ ) روى الجماعة عن ابن عمر ، أن رجلا رمى امرأته فانتفى من ولدها ، في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلاعنا كما قال الله ، ثم قضى بالولد للمرأة وفرق بينهما .

( ب ) روى البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتلاعنين : ( حسابكما على الله ، أحدكما كاذب ولا سبيل لك عليها ) . قال : يا رسول الله مالي ؟ قال : ( لا مال لك ، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت فذلك أبعد لك منها ) .

( ج ) روى البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، وأبو داود ، عن أبي هريرة : أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن امرأتي ولدت غلاما أسود . فقال : ( هل لك من إبل ) ؟ قال : نعم . قال : ( ما لونها ) ؟ قال : حمر . قال : ( فهل فيها أورق ) ؟ قال : نعم . قال : ( فكيف ذاك ) ؟ قال : نزعة عرق . قال : ( فلعل هذا نزعة عرق )69 .

فلم يقبل نفيه لولده ، ولم يحمل قوله على الرمي بالزنا .

( د ) روى أبو داود ، والنسائي ، والدارمي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ؛ فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ؛ احتجب الله منه يوم القيامة ، وفضحه على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين ) .

فآيات اللعان ؛ وهذه الروايات والشواهد ، ومبادئ الشرع العامة هي المصادر لقانون اللعان في الإسلام ، وهي التي على ضوئها وضع الفقهاء ضوابط مفصلة للعان .

ومن أهم هذه الضوابط يأتي :

1 – أجمع الفقهاء على أن اللعان كالشهادة ، فلا يثبت إلا في المحكمة .

2 – ليس الحق في المطالبة باللعان للرجل فحسب ، بل هو للمرأة أيضا ، إذا اتهمها زوجها بالفاحشة أو أنكر ولدها .

3 – اختلف العلماء من السلف في من وجد مع امرأته رجلا فقتله ، هل يقتل به أم لا ؟ فقال بعضهم : يقتل به ، لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير إذن من الحاكم ، وقال بعضهم : لا يقتل ، ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه ، وشرط أحمد وإسحاق رحمهما الله ، أن يأتي بشاهدين على أنه قتله بسبب ذلك وقد وافقهما على هذا الشرط ابن القاسم وابن حبيب من المالكية ، ولكن زاد عليه أن يكون المقتول محصنا ، وإلا فإن القاتل عليه القصاص إن كان بكرا ، أما الجمهور فذهبوا إلى أنه لا يعفى من القصاص ، إلا أن يأتي بأربعة يشهدون على الزنا ، أو يعترف به المقتول قبل موته بشرط أن يكون محصنا .

4 – أن اللعان لا يجب بمجرد الكناية أو إظهار الشبهة ، وإنما يجب بأن يرمي الزوج زوجته بالزنا صراحة ، أو ينكر أن ولدها منه بألفاظ واضحة ، وقد زاد مالك ، والليث بن سعد – رحمهما الله – أن الزوج عليه أن يصرح عند اللعان بأنه قد رأى بعينيه زوجته تزني ، ولكن لا أصل لهذه الزيادة في القرآن ولا في السنة .

5 – أخذ العلماء من أحاديث اللعان ، أنه يندب أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة ، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد ، وأن يعظهما القاضي أو نائبه ، بمثل قوله لكل منهما عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب : اتق الله فإنها موجبة ، ولعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، كما يستحب التغليظ بالزمان والمكان ، وحضور جمع من عدول المسلمين ، على خلاف في ذلك بين الفقهاء ومحله كتب الفروع .

6 - قال القرطبي :

اللعان يفتقر إلى أربة أشياء :

عدد الألفاظ : وهو أربع شهادات ، والمكان : وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان ، إن كان بمكة فعند الركن والمقام ، وإن كان بالمدينة فعند المنبر ، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة ، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها .

والوقت : وذلك بعد صلاة العصر .

وجمع الناس : وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا ، فاللفظ وجمع الناس مشروطان ، والزمان والمكان مستحبان70 .

7 – من نتائج اللعان ما يأتي :

( أ ) أن الرجل والمرأة لا يستحق أحدهما شيئا من العقوبة .

( ب ) إن كان الرجل منكرا لولد المرأة ، ألحق الولد بها ، ولا يدعى إليه ولا يرثه ، وإنما يرث أمه وترث منه .

( ج ) لا يجوز لأحد أن يقول للمرأة زانية ، ولولدها ولد الزنا ، ولو كانت عند اللعان حيث لا يشك أحد في زناها .

( د ) من أعاد إليها الاتهام السابق ، وجب عليه حد القذف .

( ه ) لا يسقط عن الرجل صداق المرأة .

( و ) لا نفقة ولا بيت للمرأة على الرجل .

( ز ) تحرم المرأة على الرجل .

8 – ذكر القرطبي في تفسيره أن آيات اللعان فيها ثلاثون مسألة ، منها كيفية وقوع الفرقة في اللعان :

قال مالك وأصحابه : وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين ، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان ، ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا بعده ، وهو قول الليث بن سعد ، وزفر بن الهذيل ، والأوزاعي .

وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : لا تقع الفرقة بعد فراغها من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما ، وهو قول الثوري ، لقول ابن عمر : فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المتلاعنين . فأضاف الفرقة إليه ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا سبيل لك عليها ) . وقال الشافعي : إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان ، فقد زال فراش امرأته ، التعنت أو لم تلتعن ، قال : وأما التعانها فإنما هو لدرء الحد عنها لا غير71 .

( والذي تقتضيه حكمة اللعان أن يكون التحريم مؤبدا ، فإن لعنة الله وغضبه قد حلا بأحدهما لا محالة ، ولا يعلم على من حل به ذلك منهما يقينا ، فوجب التفريق بينهما ، خشية أن يكون الزوج هو الذي قد وجبت عليه لعنة الله وباء بها ، فيعلو امرأة غير ملعونة ، وحكمة الشرع تأبى ذلك ، كما تأبى أن يعلو الكافر المسلمة ، وأيضا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا )72 .

9 – قال العلماء : لا يحل للرجل قذف زوجته ، إلا إذا علم زناها ، أو ظنه ظنا مؤكدا ، كأن شاع زناها بفلان وصدقت القرائن بذلك ، والأولى به تطليقها سترا عليها ما لم يترتب على فراقها مفسدة ، هذا إذا لم يكن هناك ولد ، فإن أتت بولد علم أنه ليس منه ، أو ظنه ظنا مؤكدا ، وجب عليه نفيه ، وإلا لكان بسكوته مستلحقا لمن ليس منه وهو حرام ، كما يحرم عليه نفي من هو منه ، وإنما يعلم أن الولد ليس منه ، إذا لم يطأها أصلا ، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من الوطء73 .

10 – قال تعالى في آخر آيات اللعان : وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ .

وهي تعقيب على هذا التخفيف والتيسير ، ومراعاة الأحوال والظروف ، فقد بين الله أحكام اللعان عند الحاجة إليها ، ليعلم المؤمنين التزام أحكام الوحي ، وليثق المؤمن برعاية الله ، واستجابته لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، كما قال هلال بن أمية : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا ، والله يعلم أني لصادق .

قال النسفي : وجواب لولا محذوف ، أي : لعاجلكم بالعقوبة أو لفضحكم .

والحكمة في حذفه أن تذهب النفس في تصوره كل مذهب . أي : ولكن الله ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان ، إذ لو لم يشرع لكم ذلك لوجب على الزوج حد القذف ، مع أن قرائن الأحوال تدل على صدقه ، لأنه أعرف بحا زوجه ، وأنه لا يفتري عليها ، لاشتراكهما في الفضيحة ، ولو جعل شهادته موجبة لحد الزنا عليها ، لأهمل أمرها وكثر افتراء الزوج عليها ، لضغينة قد تكون في نفسه من أهلها ، وفي كل هذا خروج من سبق الحكمة والفضل والرحمة .

ومن ثم جعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما ، دارئة عنه العقوبة الدنيوية ، وإن كان قد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهادته ، بأشد مما درأه عن نفسه ، وهو العقاب الأخروي74 .

صيغة اللعان في كتب الفقه .

جاء في كتاب الاختيار ( فقه حنفي ) ما يأتي :

( وصف اللعان أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات ، يقول في كل مرة : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا . ويقول في الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، فيما رميتك به من الزنا .

وإن كان القذف بولد يقول : فيما رميتك به من نفي الولد ، وإن كان بهما يقول : فيما رميتك به من الزنا ومن نفي الولد ، لأنه المقصود باليمين .

ثم تشهد المرأة أربع شهادات ، تقول في كل مرة : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ، وتقول في الخامسة : غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، فيما رماني به من الزنا ، وفي نفي الولد تذكره كما تقدم .

فإذا التعنا فرق الحاكم بينهما ، فإذا فرق بينهما كانت تطليقة بائنة .

فإن كان القذف بولد نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم نفى ولد امرأة هلال وألحقه بأمه .

ويصبح نفي الولد عقب الولادة ، وفي حالة التهنئة ، وابتياع آلة الولادة فيلاعن وينفيه القاضي .

ومعلوم أن الإنسان لا يشهد عليه بنسب ولده ، وإنما يستدل على ذلك بقبوله التهنئة ، وابتياع متاع الولادة ، وقبول هدية الأصدقاء ، فإذا فعل ذلك أو مضى مدة يفعل فيه ذلك عادة ، وهو ممسك كان اعترافا ظاهرا ، فلا يصح نفيه بعده ، وإن كان غائبا فعلم فكأنها ولدت حال علمه )75 .

خاتمة :

ألا ليت قومي يعلمون أحكام دينهم ، وتشريع ربهم ، فيخلعون عن أنفسهم أوضار الجاهلية ، ونظام القوانين الوضعية ، ويستعدون لقبول نظام الخالق ، وأحكام الإله العادل .

فهو العليم بحال عباده ، الحكيم فيما شرع لهم ، ولو أن المسلمين عادوا لأحكام الإسلام ، ونفذوا أوامره ، وحكموا مبادئه لعادت لهم وحدة الصف ، وقوة الكلمة ، وجلال الهيبة ، ولصاروا بنعمة الله إخوانا تباركهم السماء ، وتخشاهم قوى الشر والشرك .

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ . ( المائدة : 66 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (6)

{ والذين يَرْمُونَ أزواجهم } بيان لحكم الرامين لأزواجهم خاصة وهو ناسخ لعموم المحصنات وكانوا قبل نزول هذه الآية يفهمون من آية { والذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] الخ أن حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء فقد أخرج أبو داود وجماعة عن ابن عباس قال : لما نزلت و { الذين يَرْمُونَ المحصنات } الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار : أهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا معشر الأنصار ألا تسمعوا ما يقول سيدكم ؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال : سعد والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله تعالى ولكني تعجبت إني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال : فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فقال : هلال والله إني لأرجو أن يجعل الله تعالى لي منها مخرجاً فقال : يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله تعالى يعلم إني لصادق فوالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام الوحي وكان إذا نزل عليه عليه الصلاة والسلام الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت { والذين يَرْمُونَ أزواجهم } الآية فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي ، وقال عليه الصلاة والسلام أرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال : هلال والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت : كذب فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاعنوا بينهما " الحديث ، ومنه وكذا من رواية أخرى ذكرها البخاري في «صحيحه » .

والترمذي ؛ وابن ماجه يعلم أن قصة هلال سبب نزول الآية ، وقيل : نزلت في عاصم بن عدي ، وقيل : في عويمر بن نصر العجلاني ؛ وفي «صحيح البخاري » ما يشهد له بل قال السهيلي إن هذا هو الصحيح ونسب غيره للخطأ ، والمشهور كما في «البحر » أن نازلة هلال قبل نازلة عويمر ، وأخرج أبو يعلى . وابن مردويه عن أنس أنه قال : لأول لعان كان في الإسلام ما وقع بين هلال بن أمية وزوجته ، ونقل الخفاجي هنا عن السبكي إشكالاً وأنه قال : إنه إشكال صعب وارد على آية اللعان والسرقة والزنا وهو أن ما تضمن الشرط نص في العلية مع الفاء ومحتمل لها بدونها ولتنزيله منزلة الشرط يكون ما تضمنه من الحدث مستقبلاً لا ماضياً فلا ينسحب حكمه على ما قبله ولا يشمل ما قبله من سبب النزول ، وتعقبه بأنه لا صعوبة فيه بل هو أسهل من شرب الماء البارد في حر الصيف لأن هذا وأمثاله معناه إن أردتم معرفة هذا الحكم فهو كذا فالمستقبل معرفة حكمه وتنفيذه وهو مستقبل في سبب النزول وغيره ، والقرينة على أن المراد . هذا أنها نزلت في أمر ماض أريد بيان حكمه ولذا قالوا : دخول سبب النزول قطعي .

ولا حاجة إلى القول بأن الشرط قد يدخل على الماضي ولا أن ما تضمن الشرط لا يلزمه مساواته لصريحه من كل وجه ولا أن دخول ما ذكر بدلالة النص لفساده هنا انتهى ، ثم أن المراد هنا نظير ما مر والذين يرمون بالزنا أزواجهم المدخول بهن وغير المدخول بهن وكذا المعتدات في طلاق رجعي { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء } أربعة يشهدون بما رموهن به من الزنا . وقرئ { تَكُنْ } بالتاء الفوقية وقراءة الجمهور أفصح { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } بدل من { شُهَدَاء } لأن الكلام غير موجب والمختار فيه الإبدال أو إلا بمعنى غير صفة لشهداء ظهر إعرابها على ما بعدها لكونها على صورة الحرف كما قالوا في أل الموصولة الداخلة على أسماء الفاعلين مثلاً ، وفي جعلهم من جملة الشهداء إيذان كما قيل من أول الأمر بعدم إلغاء قولهم بالمرة ونظمه في سلك الشهادة وبذلك ازداد حسن إضافة الشهادة إليهم في قوله تعالى : { فشهادة أَحَدِهِمْ } أي شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ وقوله سبحانه : { أَرْبَعُ شهادات } خبره أي فشهادتهم المشروعة أربع شهادات { بالله } متعلق بشهادات ، وجوز بعضهم تعلقه بشهادة .

وتعقب بأنه يلزم حينئذٍ الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو الخبر ، وأنت تعلم أن في كون الخبر أجنبياً كلاماً وأن بعض النحويين أجاز الفصل مطلقاً وبعضهم أجاز فيما إذا كان المعمول ظرفاً كما هنا .

وقرأ الأكثر { أَرْبَعُ } بالنصب على المصدرية والعامل فيه { شَهَادَةً } وهي خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليهم شهادة أو فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله واجبة أو كافية ، ولا خلاف في جواز تعلق الجار على هذه القراءة بكل من الشهادة والشهادات وإنما الخلاف في الأولى { إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } أي فيما رماها به من الزنا ، والأصل على أنه الخ فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها باللام للتأكيد ، ولا يختص التعليق بأفعال القلوب بل يكون فيما يجري مجراها ومنه الشهادة لإفادتها العلم ، وجوز أن تكون الجملة جواباً للقسم بناءً على أن الشهادة هنا بمعنى القسم حتى قال الراغب . إنه يفهم منها ذلك وإن لم يذكر { بالله } وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (6)

وإنما يجلد القاذف ، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا ، فإن كان زوجا ، فقد ذكر بقوله : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } .

وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته ، دارئة عنه الحد ، لأن الغالب ، أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته ، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا ، ولأن له في ذلك حقا ، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به ، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ْ } أي : الحرائر{[558]} لا المملوكات .

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ْ } على رميهم بذلك { شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ْ } بأن لم يقيموا شهداء ، على ما رموهم به { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ْ } سماها شهادة ، لأنها نائبة مناب الشهود ، بأن يقول : " أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به " .


[558]:- في النسختين: الأحرار ولعل الصواب ما أثبت.