سورة النور مدنية ، وآياتها 64 آية ، ونزلت بعد سورة الحشر ، وسميت بهذا الاسم لكثرة ذكر النور فيها : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ . . . ( النور : 35 ) .
نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء . . . ( النور : 35 ) .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . . . ( النور : 40 ) .
هذه سورة الآداب والأخلاق والتربية الإسلامية الهادفة .
وقد ذكر النور في هذه السورة بلفظه ، كما ذكر بمظاهره وآثاره في القلوب والأرواح ، ممثلة هذه الآثار في بيان الفرائض والأحكام التي يقوم عليها بناء السورة ، وهي أحكام وآداب نفسية ، وعائلية وجماعية ، تؤدي إلى طهارة الفرد وسلامة المجتمع .
والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية ، التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود ، وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة التي تصل القلب بنور الله .
وتتداخل الآداب النفسية الفردية ، وآداب البيت والأسرة ، وآداب الجماعة والقيادة ، بوصفها : نابعة كلها من معين واحد ، هو العقيدة والاهتداء بنور الله .
نزلت سورة النور في مرحلة متأخرة من حياة المسلمين في المدينة ، بعد أن استقر الإيمان في القلوب ، واستعدت نفوس المسلمين لتقبل أحكام هذه السورة .
وأحكام الحجاب في الإسلام ، نزلت في سورتين فحسب من سور القرآن ، هما : سورة الأحزاب ، وسورة النور .
وقد اختلف العلماء في ترتيب نزولهما ، كما اختلفوا في ترتيب حدوث غزوتين شهيرتين ، ارتبطت كل غزوة منهما بإحدى السورتين .
فغزوة الأحزاب ارتبطت بسورة الأحزاب ، وغزوة بني المصطلق ارتبطت بسورة النور ، وفي إثر غزوة بني المصطلق تخلفت عائشة – رضي الله عنها – عن الجيش ، وتكلم المنافقون بحديث الإفك ، ونزلت ثلاث عشرة آية في سورة النور بشأن ذلك الموضوع .
هل كانت غزة بني المصطلق في السنة الخامسة قبل غزوة الأحزاب ، أم بعدها في السنة السادسة من الهجرة ؟ .
فإن كانت غزوة الأحزاب قبل غزوة بني المصطلق ، فمعناه أن أحكام الحجاب في الإسلام ، كان بدؤها بالتعليمات التي وردت في سورة الأحزاب ، وكمالها بالأحكام التي وردت في سورة النور . وأما إذا كانت غزوة بني المصطلق قبل غزوة الأحزاب ، انعكس الترتيب في نزول أحكام الحجاب ، وصار بدؤها بسورة النور ، وكمالها بسورة الأحزاب .
إن غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان من سنة خمس ، ووقعت بعدها غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق ، في ذي القعدة من السنة نفسها .
إن غزوة الأحزاب وقعت في شوال من سنة خمس ، وغزوة بني المصطلق في شعبان من سنة ست .
وقد جزم ابن حزم وابن القيم وغيرهما من العلماء المحققين بصحة رواية ابن إسحاق ، ورجحناها على رواية ابن سعد .
وتفيد روايات صحيح البخاري وغيره أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت قبل قصة الإفك ، أي : في سورة الأحزاب ، ومما تفيده هذه الروايات كذلك ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد نزوج زينب بنت جحش – رضي الله عنها – قبل ذلك ، في ذي القعدة من سنة خمس ، وجاء ذكره في سورة الأحزاب ، بل مما تفيده هذه الروايات كذلك أن حمنة أخت زينب بنت جحش ، إنما شاركت في رمي عائشة لأنها ضرة أختها ، والظاهر أنه لا بد من أن تمضي مدة من الزمن – ولو يسيرة – على صلة الضرارة بين امرأتين ، حتى تنشأ في القلوب مثل هذه النزعات ، فهذه الأمور كلها مما يؤكد رواية ابن إسحاق ويقويها ، وتجعلنا نختار أن سورة النور نزلت بعد سورة الأحزاب بأشهر ، في النصف الأخير من سنة ست للهجرة1 .
نزلت سورة النور في مرحلة قويت فيها سواعد المسلمين ، وارتفعت راياتهم ، وتأكدت أخوتهم ، وترابطت صفوفهم ، وأصبحوا يدا واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا .
وكان عدد المسلمين قليلا لا يزيد عل عشر العرب كلها ، وكان سلاحهم قليلا ، ويتمتع أعدائهم بتفوق في المال والسلاح ، والمكانة والتجارة .
وكان المسلمون يتميزون بسمو العقيدة ، وطهارة القلب ، ودقة النظام ، واحترام تعاليم السماء ، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم .
وإذا هزم المشركون والمنافقون في معركة السلاح والحرب ، فإنهم قد ولجوا من باب آخر هو الدس والوقيعة والفتنة ، فتحدث المنافقون عن السيدة عائشة واتهموها في طهارتها وعفتها ، وكان قصدهم إحراج النبي ، وإحداث الفتنة والبلبلة بين المسلمين ، ولكن الله أنزل أحكامه العادلة في هذه السورة ، لحفظ المجتمع وحفظ المسلمين ، وإحكام بناء الدولة الإسلامية ، والجماعة الإسلامية ، وتربية الفرد والمجتمع ، بما يحقق السمو النفسي والروحي ، ويغلق منافذ الشر ، ويقود الأمة إلى التماسك والتعاون على البر والتقوى ، والبعد عن الإثم والعدوان .
تعتبر سورة الأحزاب مقدمة وممهدة لسورة النور ، ولذلك سنذكر بعض ما اشتملت عليه سورة الأحزاب من أحكام تتصل بحماية المرأة وسد ذرائع الفتنة :
1 . أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها بغير حاجة ، ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وإذا احتجن إلى الكلام مع غير المحارم من الرجال ؛ فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض .
2 . منع الرجال أن يدخلوا بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يؤذن لهم ، وإذا أرادوا أن يسألوا أزواجه شيئا ؛ فليسألوهن من وراء حجاب .
3 . أقيم الفرق بين المحارم وغير المحارم من الرجال .
4 . قيل للمؤمنين إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهاتهم ، وإن حرمتهن عليهم أبدية ، فعلى المؤمنين جميعا أن يكونوا طاهري القلوب والنيات نحوهن .
5 . أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبناته ونساء جميع المسلمين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والمراد : تغطية الوجه من فوق الرأس إذا خرجن من بيوتهن في حاجة .
1 . اعتبار الزنا جريمة جنائية ، وجعل حد الزاني مائة جلدة .
2 . نهي المؤمنين عن أن يرتبطوا بالفاسقين والفاسقات بصلة الزواج .
3 . جعل حد من يرمي المحصن أو المحصنة بالزنا ، ثم لا يأتي عليه بأربعة شهداء ثمانين جلدة .
4 . جعل اللعان لمن يرمي زوجته بالزنا .
5 . تحريم ظن السوء بالآخرين ، والتحريض على كبت الشائعة الباطلة والافتراءات الكاذبة .
6 . وجوب الاستئناس والاستئذان قبل دخول بيوت الآخرين .
7 . أمر الرجال بالغض من أبصارهم ، وأمرت النساء بالغض من أبصارهن .
8 . أمرت النساء بأن يضربن بخمرهن على نحورهن وصدورهن ورءوسهن .
9 . أمرت النساء ألا يواجهن أحدا من غير المحارم وخدام البيت بزينتهن .
10 . إذا خرجت النساء من بيوتهن لحاجة فليسترن زينتهن ، بل لا يلبسن ما له صوت من حليهن .
11 . فيها حث الرجال والنساء على الزواج ، وحث العبيد والإماء عليه ، وتأكيد أن الرزق من عند الله ، ليقبل الجميع على الزواج ، وإشباع النفس من الطريق الشرعي السليم ، وبقاء الرجال والنساء بدون نكاح مولد للفحشاء ، وأقل ما يكون من هؤلاء الأفراد الذين لا أزواج لهم أنهم لا يتمالكون أنفسهم ، من تحسس الأخبار الفاحشة والتلذذ بنقلها في المجتمع .
12 . جعلت المكاتبة لتحرير العبيد والإماء ، وأمر السادة بأن يجيبوهم إلى طلبهم إذا أرادوا منهم المكاتبة ، وأمر عامة المسلمين بأن يساعدوا المكاتبين مساعدة مالية .
13 . نهى عن إكراه الفتيات – وهن الإماء – على البغاء ، ولما كانت مهنة البغاء في العرب مقصورة على الإماء ؛ فما كان هذا النهي عنها إلا سدا قانونيا للبغاء ، وبيع الأعراض .
14 . وجوب استئذان الخدم والأطفال دون البلوغ في ثلاثة أوقات : قبل صلاة الفجر ، عند الظهيرة ، بعد صلاة العشاء . فيجب أن يعود الإنسان أطفاله على هذه القاعدة ، ويربيهم عليها ، فإذا بلغ الأطفال سن البلوغ وجب أن يستأذنوا في جميع الأوقات .
15 . سمح للعجائز اللاتي لا أرب لهن في الرجال ، أن يتخففن من ثيابهن ، وأن يخلعن الخمر عن رءوسهن ووجوههن .
16 . جعل من حق الأقرباء الأدنين ، والأصدقاء الذين لا كلفة بينهم ، أن يأكل بعضهم من بيت بعض من دون إذنه ، وبهذا طوى ما بين أفراد المجتمع من التباعد والتحاسد ، وأزيلت الوحشة ليحل محلها الحب والإخلاص .
17 . أماطت السورة اللثام عن علامات المؤمنين والمنافقين ، واتجهت بكل قوتها إلى تربية المسلمين وتنظيم حياتهم ، وتهذيب سلوكهم ، وغرس مفاهيم الإيمان في قلوبهم ، وسد الطريق أمام فتن المنافقين وألاعيبهم .
18 . سلكت السورة سبيل الحكمة في تشريع الأحكام ، وخلت من المرارة التي قد تنشأ في الأذهان والقلوب ، عند رد الحملات الشنيعة ، واتسمت بالرزانة والتدبير المعتدل ، في معالجة أقسى الظروف المثيرة للعواطف ، إنها تشريع الحكيم العليم ، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وهو يشاهد أحوال الناس ومعاملاتهم دقيقها وجليلها من مقام رفيع ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ( المائدة : 50 ) .
يجري سياق سورة النور في خمس فقرات :
وفيها بيان حد الزنا ، وحد القذف ، وأحكام اللعان ، ثم حديث الإفك وقصته ، وتستغرق هذه الفقرة من أول السورة إلى الآية 26 .
وفيها وسائل الوقاية من الجريمة ، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية ، وفيها آداب البيوت ، والاستئذان على أهلها ، والأمر بغض البصر ، والنهي عن إبداء الزينة لغير المحارم ، والحض على إنكاح الأيامى ، والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 27- 34 .
اشتملت على مجموعة من الآداب النفسية والقلبية ، فتحدثت عن تعمير بيوت الله ، وتسبيح الخلائق لله ، وإزجاء السحاب ، وتقليب الليل والنهار ، وخلق كل دابة من ماء ، ثم اختلاف أشكالها ووظائفها وأنواعها وأجناسها مما هو معروف في صفحة الكون للبصائر والأبصار ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 35 – 46 .
تتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الطاعة والتحاكم ، وتصور أدب المؤمنين الخالص وطاعتهم لله والرسول ، وتعدهم على هذا بالاستخلاف في الأرض ، والتمكين في الدين ، والنصر على الكافرين ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 47 – 57 .
تستأنف هذه الفقرة الحديث عن آداب الاستئذان والضيافة ، في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء ، وتتحدث عن آداب الجماعة المسلمة كلها ، كأسرة واحدة مع رئيسها ومربيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتتم السورة بإعلان ملكية الله في السماوات والأرض ، وعلمه بواقع الناس ، وما تنطوي عليه حناياهم ، ورجعتهم إليه ، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم ، وهو بكل شيء عليم ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 58 – 64 .
وبصفة عامة فهي ، سورة النور ، نور يضيء القلب بتقوى الله ، ونور يرشد الفرد والمجتمع إلى أسباب العفة والتصون ، فهي سياج للفرد والمجتمع من الانحلال والتردي في الخطيئة ، وفيها أحكام فقهية ، وأحكام كونية ، ولمسات وجدانية ، وحث على التوبة والاستقامة والطهارة ، وبيان اطلاع الله على كل خافية ، وفي ختام السورة نجد هذه الآية الكريمة :
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ( النور : 64 ) .
{ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 1 ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) } .
1-سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
يقول تعالى : هذه سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ، وفيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفى ما عداها ، وَفَرَضْنَاهَا . أي : فرضنا أحكامها التي فيها .
قال مجاهد : أي بينا الحلال والحرام ، والأمر والنهي والحدود .
وقال البخاري : فرضناها عليكم وعلى من بعدكم . ونلمح من فرضية أحكام هذه السورة إشارة إلى أن ما تحتوي عليه من الآداب والأحكام في الحلال والحرام ، والأمر والنهي والحدود ؛ ليست بمثابة التوصيات بل إنها أحكام قاطعة لا بد أن تتبعوها ، وتكيفوا شئون حياتكم الفردية والاجتماعية على حسبها ، إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر .
وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .
أي : مفسرات واضحات ليس فيها شيء من الالتباس والإبهام ، بل هي أحكام واضحة بينة لا يمكنكم أن تعتذروا عن العمل بها بأنكم لا تفهمونها .
لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . لكي تتعظوا . فهذه الآية كأنها مقدمة لمرسوم ملكي ، وفيها التنبيه على مدى اهتمام الرب – سبحانه وتعالى – بما جاء في سورة النور من الأحكام والآداب ، ولا تساويها في هذا الشأن مقدمة أي سورة أخرى .
مدنية كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم وحكى أبو حيان الإجماع على مدنيتها ولم يستثن الكثير من آيها شيئا وعن القرطبي أن آية يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الخ مكية وهي اثنتان وستون آية وقيل أربع وستون آية ووجه اتصالها بسورة المؤمنين أنه سبحانه لما قال فيها { والذين هم لفروجهم حافظون } ذكر في هذه أحكام من لم يحفظ فرجه من الزانية والزاني وما اتصل بذلك من شأن القذف وقصة الأفك والأمر بغض البصر الذي هو داعية الزنا والإستئذان الذي إنما جعل من أجل النظر وأمر فيها بالإنكاح حفظا للفرج وأمر من لم يقدر على النكاح بالإستعفاف ونهى عن إكراه الفتيات على الزنا . وقال الطبرسي في ذلك : إنه تعالى لما ذكر فيما تقدم أنه لم يخلق الخلق للعبث بل للأمر والنهي ذكر جل وعلا ههنا جملة من الأوامر والنواهي ولعل الأول أولى وجاء عن مجاهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نسائكم سورة النور وعن حارثة بن مضرب رضي الله تعالى عنه قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن تعلموا سورة المائدة النساء والأحزاب والنور .
{ سُورَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة وأشير إليها بهذه تنزيلاً لها منزلة الحاضر المشاهد ، وقوله تعالى : { أنزلناها } مع ما عطف عليه صفات لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة من حيث الذات بالفخامة من حيث الصفات على ما ذكره شيخ الإسلام ، والقول بجواز أن تكون للتخصيص احترازاً عما هو قائم بذاته تعالى ليس بشيء أصلاً كما لا يخفى .
وجوز أن تكون { سُورَةٌ } مبتدأ محذوف الخبر أي مما يتلى عليكم أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها الخ ، وذكر بعضهم أنه قصد من هذه الجملة الامتنان والمدح والترغيب لا فائدة الخبر ولا لازمها وهو كون المخبر عالماً بالحكم للعلم بكل ذلك ، والكلام فيما إذا قصد به مثل هذا إنشاء على ما اختاره في «الكشف » وهو ظاهر قول الإمام المرزوقي في قوله
: قومي هموا قتلوا أميم أخي *** هذا الكلام تحزن وتفجع .
وليس بأخبار ، واختار رخرون أن الجملة خبرية مراد بها معناها إلا أنها إنما أوردت لغرض سوى إفادة الحكم أو لازمه وإليه ذهب السالكوتي ، وأول كلام المرزوقي بأن المراد بالأخبار فيه الإعلام ، وتحقيق ذلك في موضعه . واعترض شيخ الإسلام هذا الوجه بما بحث فيه .
وجوز ابن عطية أن تكون { سُورَةٌ } مبتدأ والخبر قوله تعالى : { الزانية والزانى } [ النور : 2 ] الخ وفيه من البعد ما فيه والوجه الوجيه هو الأول ، وعندي في أمثال هذه الجملة أن الإثبات فيها متوجه إلى القيد ، وقد ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر وهو هنا إنزالها وفرضها ، وإنزال آيات بينات فيها لأجل أن يتذكر المخاطبون أو رجوا تذكرهم فتأمل .
وقرأ عمر بن عبد العزيز . ومجاهد . وعيسى بن عمر الثقفي البصري . وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي . وابن أبي عبلة . وأبو حيوة . ومحبوب عن أبي عمرو . وأم الدرداء { سُورَةٌ } بالنصب على أنها مفعول فعل محذوف أي اتل ، وقدر بعضهم اتلوا بضمير الجمع ون الخطابات الآتية بعهد كذلك وليس بلازم لأن الفعل متضمن معنى القول فيكون الكلام حينئذ نظير قوله تعالى : { قُلْ أَطِيعُواْ الله } [ آل عمران : 32 ] ولا شك في جوازه .
وجوز الزمخشري أن تكون نصباً على الإغراب أي دونك سورة ، ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء لضعفها في العمل لما أن عملها بالحمل على الفعل ، وكلام ابن مالك يقتضي جوازه وزعم إنه مذهب سيبويه وفيه بحث ، وجوز غير واحد كون ذلك من باب الاشتغال وهو ظاهر على مذهب من لا يشترط في المنصوب على الاشتغال صحة الرفع على الابتداء وأما على مذهب من يشترط ذلك فغير ظاهر لأن { سُورَةٌ } نكرة لا مسوغ لها فلا يجوز رفعها على الابتداء ، ولعل من يشترط ذلك ويقول بالنصب على الاشتغال هنا يجعل النكرة موصوفة بما يدل عليه التنوين كأنه قيل : سورة عظيمة كما قيل في شر أهر ذا ناب .
وقال الفراء : نصب { سُورَةٌ } على أنها حال من ضمير النصب في { أنزلناها } والحال من الضمير يجوز أن يتقدم عليه انتهى ، ولعل الضمير على هذا للأحكام المفهومة من الكلام فكأنه قيل : أنزلنا الأحكام سورة أي في حال كونها سورة من سور القرآن وإلى هذا ذهب في البحر ، وربما يقال : يجوز أن يكون الضمير للسورة الموجودة في العلم من غير ملاحظة تقييدها بوصف ، و { سُورَةٌ } المذكورة موصوفة بما يدل عليه تنوينها فكأنه قيل : أنزلنا السورة حال كونها سورة عظيمة ، ولا يخفى أن كل ذلك تكلف لا داعي إليه مع وجود الوجه الذي لا غبار عليه ، وقوله تعالى : { وفرضناها } إما على تقدير مضاف أي فرضنا أحكامها وإما على اعتبار المجاز في الإسناد حيث أسند ما للمدلول للدال لملابسة بينهما . تشبه الظرفية ، ويحتمل على بعد أن يكون ف يالكلام استخدام بأن يراد بسورة معناها الحقيقي وبضميرها معناها المجازي أعني الأحكام المدلول عليها بها ، والفرض في الأصل قطع الشيء الصلب والتأثير فيه ، والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه فكأنه قيل : أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ماقيل .
وقرأ عبد الله . وعمر بن عبد العزيز . ومجاهد . وقتادة . وأبو عمرو . وابن كثير { وفرضناها } بتشديد الراء لتأكيد الإيجاب ، والإشارة إلى زيادة لزومه أو لتعدد الفرائض وكثرتها أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف . وفي «الحواشي الشهابية » قد فسر { فرضناها } بفصلناها ويجري فيه ما ذكر أيضاً { وفرضناها وَأَنزَلْنَا فِيهَا } أي في هذه السورة { ءايات بَيّنَاتٍ } يحتمل أن يراد بها الآيات التي نيطت بها الأحكام المفروضة وأمر الظرفية عليه ظاهر ، ومعنى كونها بينات وضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها مطلقاً لأنها أسوة لأكثر الآيات في ذلك ، وتكرير { أَنزَلْنَا } مع استلزام إنزال السورة إنزالها إبراز كمال العناية بشأنها ، ويحتمل أن يراد بها جميع آيات السورة والظرفية حينئذ باعتبار اشتمال الكل على كل واحد من أجزائه ، ومعنى كونها بيناته أنها لا أشكال فيها يحوج إلى تأويل كبعض الآيات ، وتكرير { أَنزَلْنَا } مع ظهور أن إنزال جميع الآيات عين إنزال السورة لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيص إنزالها بالذكر إبانة لخطرها ورفعاً لمحلها كقوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } [ هود : 58 ] بعد قوله سبحانه : { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } والاحتمال الأول أظهر ، وقال الإمام : إنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله تعالى : { فرضناها } إشارة إلى الأحكام المبينة أولاً ، وقوله سبحانه : { الرحمين سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا } إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ويؤيده قوله عز وجل : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى يتذكرونها انتهى ، وهو عندي وجه حسن ، نعم قيل فيما ذكره من التأييد نظر إذ لمن ذهب إلى الاحتمال الأول أن يقول : المراد من التذكر غايته وهو اتقاء المحارم بالعمل بموجب تلك الآيات ، ولقائل أن يقول : إن هذا محوج إلى ارتكاب المجاز في التذكرة دون ما ذكره الإمام فإن التذكر عليه على معناه المتبادر ويكفي هذا القدر في كونه مؤيداً ، وأصل { تَذَكَّرُونَ } تتذكرون حذف إحدى التاءين وقرئ بإدغام الثانية منهما في الذال .
{ 1 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
أي : هذه { سُورَةٌ ْ } عظيمة القدر { أَنْزَلْنَاهَا ْ } رحمة منا بالعباد ، وحفظناها من كل شيطان { وَفَرَضْنَاهَا ْ } أي : قدرنا فيها ما قدرنا ، من الحدود والشهادات وغيرها ، { وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ْ } أي : أحكاما جليلة ، وأوامر وزواجر ، وحكما عظيمة { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ْ } حين نبين لكم ، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون .