( سورة المطففين مكية ، وآياتها 32 آية ، وهي آخر سورة نزلت بمكة )
وهي سورة تعالج طغيان الغنى ، واستغلال الفقراء ، وتحارب تطفيف الكيل والميزان ، وتبين أن صحف أعمال الفجار في أسفل سافلين ، وأن كتاب أعمال الأبرار في أعلى عليين ، كما وصفت السورة النعيم المقيم الذي يتمتع به الأبرار في الجنة ، وبينت أن المجرمين كانوا يسخرون من المؤمنين في الدنيا ، وفي يوم القيامة يتغير الحال ، فيسخر المؤمن من الكافر ، ويتمتع المؤمن بألوان النعيم .
تتألف المطففين من أربعة مقاطع :
المقطع الأول : يبدأ بإعلان الحرب على المطففين ، وتهديدهم بالجزاء العادل ، عند البعث والحساب . ( الآيات 1-6 ) .
المقطع الثاني : يتحدث عن الفجار في شدة وردع وزجر ، وتهديد بالويل والهلاك ، ودمغ بالإثم والاعتداء ، وبيان لسبب هذا العمى ، وعلة هذا الانطماس ، وتصوير لجزائهم يوم القيامة ، وعذابهم بالحجاب عن ربهم ، كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم . ( الآيات 7-17 ) .
المقطع الثالث : يعرض الصفحة المقابلة ، صفحة الأبرار ، ورفعة مقامهم ، والنعيم المقرر لهم ونضرته التي تفيض على وجوههم ، والرحيق الذي يشربونه وهم على الأرائك ينظرون ، وهي صفحة ناعمة وضيئة . ( الآيات 18-28 ) .
المقطع الرابع : يصف ما كان الأبرار يلقونه من استهزاء الفجار وسخريتهم وسوء أدبهم في دار الغرور ، ثم يقابل ذلك بما لقيه المؤمنون من التكريم ، وما لقيه المجرمون من عذاب الجحيم في يوم الدين . ( الآيات 29-36 ) .
كان تطفيف الكيل منتشرا في مكة والمدينة ، وهو يعبر عن جشع التجار وطعمهم ، ورغبتهم في بخس حق المشتري .
روى أنه كان بالمدينة رجل يقال له ( أبو جهينة ) ، له كيلان أحدهما كبير والآخر صغير ، فكان إذا أراد أن يشتري من أصحاب الزروع والحبوب والثمار اشترى بالكيل الكبير ، وإذا باع الناس كال للمشتري بالكيل الصغير . هذا الرجل وأمثاله ممن امتلأت نفوسهم بالطمع ، واستولى عليهم الجشع والنهم ، هم المقصودون بهذا الوعيد الشديد ، وهم الذين توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم وتهددههم بقوله : ( خمس بخمس ) ، قيل : يا رسول الله ، وما خمس بخمس ؟ قال : ( ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت الفاحشة في قوم يتعامل بها علانية إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم ، ولا طفف قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور الحكام ، وما منع قوة الزكاة إلا حبس عنهم المطر ) .
1- هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء الذين يبخسون الكيل والميزان .
والتطفيف لغة ، التقليل ، فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن ، وإنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف .
2- إذا كان لهم عند الناس حق في شيء يكال أو يوزن ، وأٍرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامّا كاملا .
3- وإذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسارة .
ويلحق بالمطففين كل عامل لا يؤدي عمله ، وإنما يحرص على الأجر كاملا ، ويلحق بهم من يستلم كاملا ويبخس حق العامل أو ينقص أجره ، وكذلك كل من يقصر في أداء واجبه .
وعن ابن عباس : الكيل أمانة ، والوزن أمانة ، والصلاة أمانة ، والزكاة أمانة ، فمن وفّى وفّي له ، ومن طفف فقد علمتم ما قاله الله في المطففين .
4-6- ألا يخطر بباب هؤلاء أن هناك يوما للبعث ، تظهر فيه هذه الأعمال التي يخفونها على الناس ، وأنهم سيبعثون في هذا اليوم الشديد الأهوال ، الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للعرض على رب العالمين الذي خلقهم ويعلم سرهم وعلانيتهم .
7- 9- إن للشر سجلاّ دوّنت فيه أعمال الفجار ، وهو كتاب مسطور بيّن الكتابة ، وهذا السجل يشتمل عليه السجل الكبير المسمى بسجين ، كما تقول : إن كتاب حساب قرية كذا في السجل الفلاني المشتمل على حسابها وحساب غيرها من القرى .
والفجار هم المتجاوزون للحد في المعصية والإثم ، ولكل فاجر من هؤلاء الفجار صحيفة ، وهذه الصحائف في السجل العظيم المسمى سجين ، وهو عظيم الشأن له أهمية كبرى ، وهو كتاب مرقوم . أي : قد أثبتت فيه العلامات الدالة على الأعمال .
10 -13- هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء المكذبين يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يؤمنون بيوم الحساب والجزاء ، الذي أخبرهم به عن رب العالمين .
وما يكذّب بهذا اليوم إلا من اعتدى على الحق ، وعمى عن الإنصاف ، واعتاد ارتكاب الآثام ، والإعراض عن الحق والهدى ، ولذلك إذا تليت عليه آيات القرآن ، أو أخبار البعث والجزاء أنكرها ، وقال : هذه أباطيل السابقين .
14- كلاّ . ليس كما يقولون ، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . أي : غطىّ على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية ، والقلب الذي يتعود على المعصية ينطمس ويظلم ، ويرين عليه غطاء كثيف ، يفقده الحساسية شيئا فشيئا حتى يتبلد ويموت .
روى الترمذيi والنسائي وابن ماجة : إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو ، فهو الرّان الذي قال الله تعالى : كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
قول الحسن البصري : هو الذنب على الذنب يعمي القلب فيموت .
ثم يذكر شيئا عن مصيرهم يوم القيامة ، فيقول :
15 -17- كلاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون* ثم إنهم لصالوا الجحيم* ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون .
فهم في يوم القيامة مطرودون من رحمة الله ، محرومون من رؤيته في الآخرة ، ثم إنهم يصلون عذاب جهنم ، مع التأنيب والتقريع على تكذيبهم الحق ، وإنكارهم البعث والجزاء ، فيقال لهم : هذا الذي كنتم به تكذبون .
18 -21- إن كتاب الأبرار محفوظ في سجل ممتاز في أعلى مكان في الجنة ، وما أعلمك ما هذا المكان ، فهو أمر فوق العلم والإدراك ، كتاب مسطورة فيه أعمالهم ، وهو موضع مشاهدة المقربين من الملائكة ، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات .
22- 28- إن الأبرار لفي نعيم . إن الأبرار المتقين الذين يؤمنون بالله ، ويعملون أنواع البر من القربات والطاعات ، هؤلاء ينعمون بنعيم الجنة ، وهم على الأسرّة في الحجال ينظرون إلى ما أعد لهم من النعيم ، وأقرب ما يمثل الأرائك عندنا ما نسميه " الناموسية أو الكلة " .
وترى على وجوههم آثار النعمة وبهجتها ، يسقون خمرا مختومة بالمسك ، وفي ذلك النعيم فليتسابق المتسابقون ، وليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة ربهم ، باتباع أوامره واجتناب نواهيه . وهذا الشراب المعد لهم ممزوج بشراب آخر ينصب عليهم من عين عالية ، يشرب منها المقربون إلى رضوان ربهم . وقد سئل ابن عباس عن هذا فقال : هذا مما قال الله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون . ( السجدة : 17 ) .
( وقصارى ما سلف : أنه سبحانه وصف النعيم الذي أعده للأبرار في دار كرامته بما تتطلع إليه النفوس ، وبما يشوقها إليه ، ليكون حضّا للذين يعملون الصالحات على الاستزادة من العمل والاستدامة عليه ، وحثا لهمم المقصرين ، واستنهاضا لعزائمهم أن يحرصوا على التزود من العمل الصالح ، ليكون لهم مثل ما لأولئك )ii .
29- 33- إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . كنوا يضحكون منهم استهزاء بهم وسخرية منهم ، إما لفقرهم ورثاثة حالهم ، وإما لضعفهم عن رد الأذى ، وإما لترفعهم عن سفاهة السفهاء ، فكل هذا مما يثير ضحك الذين أجرموا ، وهم يتخذون المؤمنين مادة لسخريتهم أو فكاهتهم المرذولة .
وإذا مرّوا بهم يتغامزون . يغمز بعضهم لبعض بعينه ، أو يشير بيده ، أو يأتي بحركة متعارف عليها بينهم للسخرية من المؤمنين ، وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم ، ورجعوا إلى بيوتهم ، رجعوا إليها فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان ، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل .
وإذا رأوهم قالوا هؤلاء لضالّون . أي : وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال ، لأنهم نبذوا العقائد الفاسدة ، وتركوا عبادة الأصنام . ولم يرسل الله الكفار رقباء على المؤمنين ، ولا كلّفهم بمحاسبتهم على أفعالهم ، فما لهم هم وهذا الوصف وهذا التقرير .
روي أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه جاء في نفر من المسلمين ، فرآه بعض هؤلاء الكفار ، فسخروا منه وممن معه ، وضحكوا منهم ، وتغامزوا بهم ، ثم رجعوا إلى بقية شيعتهم من أهل الشرك فحدثوهم بما صنعوا به وبأصحابه .
والآيات ترسم مشهدا لسخرية المجرمين من المؤمنين ، وقد يكون لنزولها سبب خاص ، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ففي الآيات تعبير واقعي عن سخرية القوي الفاجر من المؤمن الصابر ، مما يدل على أن طبيعة الفجار المجرمين واحدة متشابهة في موقفها من الأبرار في جميع البيئات والعصور .
يقول الإمام محمد عبده : ومن شأن القوي المستعزّ بكثرة أتباعه وقدرته ، أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ، ويدعوه إلى غير ما يعرفه ، وهو أضعف منه قوة وأقل عددا ، كذلك شأن جماعة من قريش-كأبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل وأتباعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع ، وتفرقت الشيع ، وخفي طريق الحق بين طرق الحق ، وجهل معنى الدين ، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه ، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطنiii .
34-36- فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . أي : في يوم القيامة –والكفار محجوبون عن ربهم ، يقاسون ألم هذا الحجاب- يضحك المؤمنون ، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسرّ به ، وينكشف للمؤمنين ما كانوا يرجون من إكرام الله لهم ، وخذلان أعدائهم ، على الأرائك ينظرون . وهم على سررهم في الجنة ينظرون إلى صنع الله بأعدائهم ، وإذلاله لمن كان يفخر عليهم ، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقا .
هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون . أي أنهم ينظرون ليتحققوا : هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون بهم في الدنيا ، وإنما سمي الجزاء على العمل ثوابا لأنه يرجع إلى صاحبه نظير ما عمل من خير أو شر .
وثوّب . مثل أثاب ، بمعنى جازي ، يقع في الخير وفي الشر ، وإن كان قد غلب على الثواب في الخير . أي : هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون ؟
2- بيان أن صحائف أعمال الفجار في أسفل سافلين .
3- بيان أن صحائف أعمال الأبرار في أعلى عليين .
4- وصف نعيم الأبرار في مآكلهم ومشاربهم ومساكنهم .
5- استهزاء المجرمين بالمؤمنين في الدنيا .
6- تضاحك المؤمنين منهم يوم القيامة .
7- نظر المؤمنين إلى المجرمين وهم يلقون جزاءهم ، وما أعدّ لهم من النكال .
{ ويل للمطفّفين 1 الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون 2 وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون 3 ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون 4 ليوم عظيم 5 يوم يقوم الناس لرب العالمين 6 }
ويل : هلاك وبوار وعذاب ، أو مقر في جهنم .
للمطففين : المنقصين في الكيل أو الوزن ، وأصله من الطفيف ، وهو الشيء اليسير ، لأنه لا يكاد يأخذ إلا الشيء اليسير .
الويل واد في جهنم ، بعيد قراره ، شديد عذابه ، ويطلق الويل على الهلاك والعذاب ، أي عذاب شديد للمطففين الذين يظلمون الناس في المعاملة ، حيث يستوفون حقهم كاملا وربما زائدا ، ولا يوفّون حقوق الناس بل يظلمونهم .
والسورة مكية ، وقيل مدنية ، وربما كانت من أواخر ما نزل بمكة ، أو أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ليرتدع الناس عن تطفيف الكيل والميزان .
كانت في مكة طائفة من الأغنياء الأقوياء يحتكرون التجارة . ويستوفون حقهم كاملا ، ويبيعون للناس كيلا ناقصا أو وزنا ناقصا ، وقد جاء الإسلام عقيدة وشريعة ، أي ينظم علاقة الناس بالله ، وينظم علاقة الناس بالناس ، فحارب تطفيف الكيل والميزان ، وتوعّد هؤلاء القساة الظالمين بعذاب شديد .
كان التطفيف موجودا في المدينة ، فلما أنزل الله سورة المطففين ارتدع أهل المدينة ، وتركوا التطفيف .
وروح القرآن توضح أن التطفيف محرّم ، وكذلك كل ظلم وغبن محرّم ، فمن يأخذ حقه كاملا ولا يؤدي عمله سليما منضبطا فهو مطفف ، ومن يؤجّر عاملا فيستوفي عمله ، ولا يعطيه أجره كاملا فهو مطفف ، وكذلك الصلاة أمانة ، والصوم أمانة ، والزكاة أمانة ، والكيل أمانة ، والوزن أمانة ، فمن وفّى وفّي له ، ومن طفف فقد رأينا ما قاله الله في المطففين .
ويقال لها سورة المطففين واختلف في كونها مكية أو مدنية فعن ابن مسعود والضحاك أنها مكية وعن الحسن وعكرمة أنها مدنية وعليه السدي قال بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت وعن ابن عباس روايات فأخرج ابن الضريس عنه أنه قال آخر ما نزل بمكة سورة المطففين وأخرج ابن مردويه والبيهقي عنه أنه قال أول ما نزل بالمدينة ويل للمطففين ويؤيد هذه الرواية ما أخرجه النسائي وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح وغيرهم عنه قال لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى ويل للمطففين فأحسنوا الكيل بعد ذلك وفي رواية عنه أيضا وعن قتادة أنها مكية الأثمان آيات من آخرها إن الذين أجرموا الخ وقيل إنها مدنية إلا ست آيات من أولها وبعض من يثبت الواسطة بين المكي والمدني يقول إنها ليست أحدهما بل نزلت بين مكة والمدينة ليصلح الله تعالى أمر أهل المدينة قبل ورود رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليهم وآيها ست وثلاثون بلا خلاف والمناسبة بينها وبين ما قبلها أنه سبحانه لما ذكر فيما قبل السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأنه ذكر عز وجل هنا ما أعد جل وعلا لبعض العصاة وذكره سبحانه بأخس ما يقع من المعصية وهو التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئا في تثمير المال وتنميته مع اشتمال هذه السورة من شرح حال المكذبين المذكورين هناك على زيادة تفصيل كما لا يخفى وقال الجلال السيوطي الفصل بهذه السورة بين الأنفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من أوجه لنكتة لطيفة ألهمنيها الله تعالى وذلك أن السور الأربع هذه والسورتان قبلها والانشقاق لما كانت في صفة حال يوم القيامة ذكرت على ترتيب ما يقع فيه فغالب ما وقع في التكوير وجميع ما وقع في الأنفطار يقع في صدر يوم القيامة ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل ومقاساة الأهوال فذكره في هذه السورة بقوله تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى فتنشر الصحف فآخذ باليمين وآخذ بالشمال وآخذ من وراء ظهوره ثم بعد ذلك يقع الحساب كما ورد بذلك الآثار فناسب تأخر سورة الأنشقاق التي فيها إيتاء الكتب والحساب على السورة التي فيها ذكر الموقف والسورة التي فيها ذكره عن السورة التي فيها ذكر مبادي أحوال اليوم ووجه آخر وهو أنه جل جلاله لما قال في الأنفطار وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين وذلك في الدنيا ذكر سبحانه في هذه حال ما يكتبه الحافظون وهو مرقوم يجعل في عليين أو سجين وذلك أيضا في الدنيا كما تدل عليه الآثار فهذه حالة ثانية للكتاب ذكرت في السورة الثانية وله حالة ثالثة متأخرة عنهما وهي إيتاؤه صاحبه باليمين أو غيرها وذلك يوم القيامة فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك عن السورة التي فيها الحالة الثانية انتهى وهو وإن لم يخل عن لطافة للبحث فيه مجال فتذكر
{ وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } قيل الويل شدة الشر وقيل الحزن والهلاك وقيل العذاب الأليم وقيل جبل في جهنم وأخرج ذلك عن عثمان مرفوعاً ابن جرير بسند فيه نظر وذهب كثير إلى أنه واد في جهنم فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويل واد في جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره " وفي «صحيحي » ابن حبان والحاكم بلفظ " واد بين جبلين يهوى فيه الكافر " الخ وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله أنه واد في جهنم من قبح وفي كتاب المفردات للراغب قال الأصمعي ويل قنوح وقد يستعمل للتحسر ومن قال ويل واد في جهنم لم يرد أن يولاً في اللغة موضوع لهذا وإنما أراد من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقراً من النار وثبت ذلك له انتهى والظاهر إن إطلاقه على ذلك كإطلاق جهنم على ما هو المعروف فيها فلينظر من أي نوع ذلك الإطلاق وأياً ما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرة لوقوعه في موقع الدعاء وللمطففين خبره والتطفيف البخس في الكيل والوزن لما أن ما يبخس في كيل أو وزن واحد شيء طفيف أي نزر حقير والتفعيل فيه للتعدية أو للتكثير ولا ينافي كونه من الطفيف بالمعنى المذكور لأن كثرة الفعل بكثرة وقوعه وهو بتكراره لا بكثرة متعلقه وعن الزجاج أنه من طف الشيء جانبه .
{ 1 - 6 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }
{ وَيْلٌ } كلمة عذاب ، ووعيد{[1373]} { لِلْمُطَفِّفِينَ }