تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ( 35 ) }

المفردات :

ليأكلون أموال الناس بالباطل : المراد بأكلها بالباطل : أخذها بغير حق .

يكنزون : أي : يجمعون ، والكنز لغة : الضم والجمع ، ويطلق أيضا على كل شيء مجموع بعضه على بعض في بطن الأرض أو على ظهرها .

فبشرهم بعذاب أليم : أي : فأذرهم ، والتعبير بالتبشير عن الإنذار ؛ للتهكم وتشديد الوعيد .

التفسير :

34 – { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ . . . }

تحدثت آيات سابقة عن هؤلاء الذين اتخذهم اليهود والنصارى أربابا من دون الله ، وذكرت كراهيتهم للإسلام الذي هو نور الله .

وهنا يبين سوء أخلاق أولئك الأحبار والرهبان ، الذين أفسدوا على الناس معتقدهم في الله ، فإنهم إنما فعلوا ذلك ؛ ليتسلطوا على أكل السحت والرشوة والمال الحرام ، وتغيير الأحكام والشرائع ؛ إرضاء لمن يرشونهم ، كما كانوا يأخذون من أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس وشئون الدين ، ويستولون عليها أو على بعضها لشهواته وأغراضهم ، ولا يكتفون بذلك بل يصدون أتباعهم ، ويمنعونهم عن الدخول في دين الإسلام ، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

ولقد كان الإسلام حكيما وسليما ، حين فتح باب المناجاة والتوبة والصلة بالله ، أمام الناس جميعا ، بدون وسيط فالله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، وهو يقبل التوبة ويغفر الذنب ، ويجيب الدعاء .

قال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } . ( البقرة : 186 ) .

وأكل الأحبار والرهبان أموال الناس بالباطل يتناول ما كانوا يأخذونه بغير وجه حق ، كالفتاوى الباطلة ، والرشوة والتدليس ، والتحاليل على تحليل الحرام وتحريم الحلال .

وأسند سبحانه هذه الجريمة إلى كثير من الأحبار والرهبان ، ولم يسندها إلى جميعهم ؛ إنصافا للعدد القليل منهم ، الذي لم يفعل ذلك .

هذا من دقائق التعبير ، وتحري الحق في عبارات الكتاب العزيز .

فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها ، أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر .

مثل قوله تعالى – في اليهود – { وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعداون وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون } . ( المائدة : 62 ) .

{ ويصدون عن سبيل الله } .

أي : أنهم يصرفون الناس عن الدين الحق ، وعن الطريق الموصلة إلى الله ، وهي دين الإسلام ، ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل ، كأن يصفوه لأتباعهم بأنه دين باطل ، أو بأن رسوله ليس هو الرسول الذي بشرت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية السابقة .

{ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } .

وهذه الفقرة تتحدث عن طائفة الأحبار والرهبان ، بأنه يكنزون المال ويبخلون به عن المستحقين ، كما أن معناها يتناول البخلاء من المسلمين الذين يمنعون الزكاة ، ولا ينفقون من أموالهم على المحتاجين ، أو المتضررين في الكوارث والزلازل وأشباه ذلك .

فاللفظ مطلق عام ، يشمل البلاء الكانزين المانعين للزكاة والنفقة الواجبة ؛ سواء أكانوا من الأحبار والرهبان أم من المسلمين .

وهناك من قصر هذه الفقرة على الأحبار والرهبان ، وفريق ثان ذكر أنها جملة مستأنفة تتحدث عن المسلمين وفريق ثالث ذكر أن معناها عام يشمل أهل الكتاب ويشمل المسلمين .

ولما نزلت هذه الآية ظن المسلمون أنه لا يحل لهم كنز المال ، وأنه يجب إنفاقه كله في سبيل الله ، فكبر ذلك على المسلمين ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما أدى زكاته فليس بكنز " 63 . أي : فليس بكنز معاقب عليه بما جاء في هذه الآية .

وكان أبو ذر الغفاري يرى أن الكنز ما فضل عن الحاجة وجمهور المسلمين على أن الكنز ما لم يؤد زكاته ؛ فما أدى زكاته فليس بكنز ؛ فقد جعل الله الزكاة طهرة للمال .

قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم } بها . . . ( التوبة : 103 ) .

وحمل أبو ذر على الأغنياء ؛ رغبة منه في أن يخرجوا عما زاد عن حاجتهم ونفقتهم ، وحدث خلاف بين أبي ذر ومعاوية في تفسير الآية .

فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب .

وقال أبو ذر : نزلت فينا وفيهم ، واشتد الخلاف بينهما .

فكتب معاوية إلى عثمان : يشكو من أبي ذر ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة ، فتكاثر عليه الناس ، فأخرجه عثمان إلى الربذة ؛ وعاش أبو ذر وحده بعيدا عن الناس ، ومات وحده ، ويبعث وحده يوم القيامة .

قال القرطبي :

وتفسير الكنز بأنه ما فضل عن الحاجة ، انفرد به أبو ذر وهو من شدائده المنقولة عنه . اه .

وقيل : الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة ، كفك الأسير وإطعام الجائع ، وغير ذلك من الحقوق التي تجب على الأغنياء في وقت شدة الحاجة ، ولا يكون في بيت المال ما يكفي المحتاجين ، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل تلك الحال .

وخص الذهب والفضة بالذكر ؛ لأنهما الأصل الغالب في الأموال ، ولأنهما هما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما ، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال ؛ فكان ذكر كنزهما دليلا على ما سواهما64 .

وقد سلك الإسلام منهجا معتدلا بالنسبة للمال ؛ فأباح جمعه وتثميره بلا حدود ما قد جمع من حلال ، وأنفق في حلال بالطرق المشروعة .

ومع ذلك أمر الله بالقصد في الدنيا والاعتدال في جمع المال ؛ ثقة بأن العبد عليه أن يسعى ، وأن رزقه عند الله الرازق .

وما ذهب إليه معاوية في أن الآية خاصة بأهل الكتاب رأى ضعيف ، وما ذهب إليه السدي في أن الآية في ما نعى الزكاة من المسلمين خاصة رأى ضعيف أيضا ؛ لأن سياق الآية يرشحها لأن تكون شاملة لأهل الكتاب ولما نعي الزكاة من المسلمين وهو الرأي الراجح .

وجاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر .

والمعنى : والذين يجمعون الذهب والفضة ، ولا ينفقونها في سبيل الله ، وهو ما تشتد حاجة المسلمين إليه من زكاة ، وفك أسير ، وإطعام جائع ، وتفريج ضائقة ، وغير ذلك من الحقوق التي أوجبها الشرع في المال ؛ فأنذرهم بعذاب أليم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

{ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أرباباً ، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين حتى لا يحوموا حول ذلك الحمى ولذا وجه الخطاب إليهم { إِنَّ كَثِيراً مّنَ الاحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ * أموال الناس بالباطل } يأخذونها بالارتشاء لتغيير الأحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها ، والتعبير عن الأخذ بالأكل مجاز مرسل والعلاقة العلية والمعلولية أو اللازمية والملزومية فإن الأكل ملزوم للأخذ كما قيل .

وجوز أن يكون المراد من الأموال الأطعمة التي تؤكل بها مجازاً مرسلاً ومن ذلك قوله :

يأكلن كل ليلة أكافا *** فإنه يريد علفاً يشتري بثمن أكاف . واختار هذا العلامة الطيبي وهو أحد وجهين ذكرهما الزمخشري ، وثانيهما أن يستعار الأكل للأخذ وذلك على ما قرره العلامة أن يشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق والباطل وتفرقة بين الحلال والحرام للتهالك على جمع حطامها بحالة منهمك جائع لا يميز بين طعام وطعام في التناول ، ثم ادعى أنه لا طائل تحت هذه الاستعارة وأن استشهاده بأخذ الطعام وتناوله سمج ، وأجيب بأن الاستشهاد به على أن بين الأخذ والتناول شبهاً وإلا فذاك عكس المقصود ، وفائدة الاستعارة المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأن الأكل غاية الاستيلاء على الشيء ويصير قوله تعالى : { بالباطل } على هذا زيادة مبالغة ولا كذلك لو قيل يأخذون { وَيَصُدُّونَ } الناس { عَن سَبِيلِ الله } أي دين الإسلام أو عن المسلك المقرر في كتبهم إلى ما افتروه وحرفوه بأخذ الرشا .

ويجوز أن يكون { يَصِدُّونَ } من الصدود على معنى أنهم يعرضون عن سبيل الله فيحرفون ويفترون بأكلهم أموال الناس بالباطل { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } أي يجمعونهما ومنه ناقة كناز اللحم أي مجتمعته ، ولا يشترط في الكنز الدفن بل يكفي مطلق الجمع والحفظ ، والمراد من الموصول إما الكثير من الأحبار والرهبان لأن الكلام في ذمهم ويكون ذلك مبالغة فيه حيث وصفوا بالحرص بعد وصفهم بما سبق من أخذ البارطيل في الأباطيل وإما المسلمون لجى ذكرهم أيضاً وهو الأنسب بقوله تعالى :

{ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } لأنه يشعر بأنهم ممن ينفق في سبيله سبحانه لأنه المتبادر من النفي عرفاً فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظاً ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب ، واختار بعض المحققين حمله على العموم ويدخل فيه الأحبار والرهبان دخولاً أولياً ، وفسر غير واحد الإنفاق في سبيل الله بالزكاة لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أنا أفرج عنكم فانطلق فقال : يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم .

وأخرج الطبراني . والبيهقي في سننه . وغيرهما عن ابن عمر قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدى زكاته فليس بكنز » أي بكنز أوعد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى أن ينفق فيه ، ولا يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها » لأن المراد بذلك ما لم يؤد حقه كما يرشد إليه ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوي بها جنبه وجبينه » وقيل : إنه كان قبل أن تفرض الزكاة وعليه حمل ما رواه الطبراني عن أبي أمامة قال توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام كيتان ، وقيل : بل هذا لأن الرجلين أظهرا الفقر ومزيد الحاجة بانتظامهما في سلك أهل الصفة الذين هم بتلك الصفة مع أن عندهما ما عندهما فكان جزاؤهما الكية والكيتين لذلك ، وأخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاق جميع المال الفاضل عن الحاجة أبو ذر رضي الله تعالى عنه وجرى بينه لذلك وبين معاوية رضي الله عنه في الشام ما شكاه له إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في المدينة فاستدعاه إليها فرآه مصراً على ذلك حتى إن كعب الأحبار رضي الله عنه قال له : يا أبا ذر أن الملة الحنيفية أسهل الملل وأعدلها وحيث لم يجب إنفاق كل المال في الملة اليهودية وهي أضيق الملل وأشدها كيف يجب فيها فغضب رضي الله تعالى عنه وكانت فيه حدة وهي التي دعته إلى تعيير بلال رضي الله عنه بأمه وشكايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله فيه : { إِنَّكَ * امرؤ فِيكَ جَاهِلِيَّة } فرفع عصاه ليضربه وقال له : يا يهودي ما ذاك من هذه المسائل فهرب كعب فتبعه حتى استعاذ بظهر عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يرجع حتى ضربه . وفي رواية أن الضربة وقعت على عثمان ، وكثر المعترضون على أبي ذر في دعواه تلك ، وكان الناس يقرؤون له آية المواريث ويقولون : لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه ، وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين حيث حل مستغربين منه ذلك فاختار العزلة فاستشار عثمان فيها فأشار إليه بالذهاب إلى الربذة فسكن فيها حسبما تريد ، وهذا ما يعول عليه في هذه القصة ، ورواها الشيعة على وجه جعلوه من مطاعن ذي النورين وغرضهم بذلك إطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره { مِنَ الناس فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } خبر الموصول ، والفاء لما مر غير مرة .

وجوز أن يكون الموصول في محل نصب بفعل يفسره { فَبَشّرْهُم } والتعبير بالبشارة للتهكم

وقوله تعالى :

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

{ 34 - 35 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ }

هذا تحذير من اللّه تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان ، أي : العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، أي : بغير حق ، ويصدون عن سبيل اللّه ، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس ، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم وعبادتهم ، ولأجل هداهم وهدايتهم ، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل اللّه ، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما ، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم .

ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق ، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل اللّه ، فهؤلاء الأحبار والرهبان ، ليحذر منهم هاتان الحالتان : أخذهم لأموال الناس بغير حق ، وصدهم الناس عن سبيل اللّه .

{ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } أي : يمسكونها { وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي : طرق الخير الموصلة إلى اللّه ، وهذا هو الكنز المحرم ، أن يمسكها عن النفقة الواجبة ، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات ، أو الأقارب ، أو النفقة في سبيل اللّه إذا وجبت .

{ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ثم فسره بقوله :