تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1)

مقدمة السورة:

دروس من سورة هود

تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة :

هو عليه السلام : هو أول رسول إلى قوم عاد ، وعاد : أول أمة من نسل سام بن نوح1 ، وقد تحدث القرآن كثيرا عن هود فيمن تحدث عنهم من رسل الله الكرام ، وقد ذكر باسمه خمس مرات في هذه السورة سميت به .

وسورة هود : من السور المكية ، شأنها كسائر القرآن المكي : هو تقرير أصول الدين ، وإقامة الأدلة عليها ، ورد الشبه التي كان يثيرها المعارضون حول الدعوة وصاحبها ، والحديث عن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وهي نفس الموضوعات التي تحدثت عنها السورة السابقة على سورة يونس .

عناصر الدعوة الإلهية

والمتدبر لسورة هود ؛ يرى أنها قررت عناصر الدعوة الإلهية وهي : التوحيد ، والرسالة ، والبعث عن طريق الحجج العقلية ، مع الموازنة بين النفوس المستعدة للإيمان ، والنفوس النافرة منه . و قد عرضت لذلك في أربع وعشرين آية يختم بها الربع الأول منها ، ثم أخذت سورة هود تتحدث عن جملة من الرسل السابقين ؛ بيانا لوحدة الدعوة الإلهية ، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام ، وإنذارا للمكذبين .

ويستغرق قصص هؤلاء الرسل الكرام معظم سورة هود ؛ فتذكر : قصة نوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب ، وموسى . وطريقة العرض هنا تختلف عنها في سورة أخرى ، والحلقات التي تعرض من كل قصة تختلف كذلك ؛ لاختلاف السياق ؛ فيمتنع التكرار فيما يخيل للقارئ العابر للقرآن الكريم أنه تكرار .

هذا القصص الذي يستغرق معظم سورة هود : مرتبط كل الارتباط بما قبله وما بعده من السورة ، متناسق مع السياق حتى في التعبير اللفظي أحيانا ، فالفقه ، والمشهد ، والعظة ، والتعقيب ، تتناسق كلها تناسقا عجيبا ، وتكشف عن بعض وظيفة القصة في القرآن الكريم .

تبدأ سورة هود بقوله تعالى :

{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } . ( هود : 1 ، 2 ) .

وهذا المطلع يقرر أن المهمة الأولى للنبي هي : الدعوة إلى توحيد الله ، وينذر بالعذاب من يكذب بدعوة الله ، و يبشر بالنعيم من آمن بها . و قصص السورة كله يساق : لتوكيد هذين المعنيين ، فيرد في ألفاظ تكاد تكون واحدة يقولها كل رسول ، وكأنما يقولها ويمضي ، حتى يأتي أخوه فيقولها كذلك ويمضي ، والمكذبون هم المكذبون .

تبدأ قصة نوح بقوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله وإني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } . ( هود : 25 ، 26 ) .

ثم يقول هود : { يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } . ( هود : 50 ) .

ويقول صالح : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 61 ) .

ويقول شعيب : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } . ( هود : 84 ) .

ونهايات القصص كلها هلاك المكذبين وعقوبة المعتدين ، ووعيد لجميع المتكبرين عن الإيمان بالحق ، والانقياد للعقيدة الصحيحة ، قال تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } . ( هود : 102 ) .

وتتضمن سورة هود إثبات الوحي ، وتنزيل القرآن من عند الله وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وتقوية يقينه مع من آمن به من المؤمنين ؛ حتى لا يضيق صدرهم بالمكذبين والمستهزئين .

ثم يختم القصص في سورة هود بقوله تعالى :

{ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَة ٌوَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } . ( هود : 120 ) .

وهكذا نجد أن القصة في القرآن الكريم تؤدي دورا متناسقا مع موضوع السورة وسياقها ، وتعرض بالطريقة وبالعبارة اللتين تحققان هذا التناسق الجميل الدقيق .

1 العقيدة والإيمان بالله

يتضمن الدرس الأول من السورة : دعوة المشركين إلى توحيد الله واستغفاره والتوبة مما هم فيه ، ويبشروهم إن فاءوا إلى هذا بمتاع حسن وجزاء طيب ، وينذر المعرضين عن الدعوة بعذاب كبير ، ويقرر عقيدة الإيمان باليوم الآخر ، والرجعة إلى الله لتحقيق البشرى والإنذار ، ثم يعرض مشهدا لهم وهم يحاولون التخفي عن مواجهة الرسول وهو يجابههم بالبيان ، يعقب عليه بعلم الله الشامل اللطيف الذي يتابعهم وهم أخفى ما يكونون عن العيون ، ويتصل بهذا المعنى علم الله بكل دابة في الأرض حيث تكون . . كما يتصل به الحديث عن خلق السماوات والأرض .

ثم يعرض صورا من النفس البشرية القلقة المتعجلة في السراء والضراء . ومع ذلك فهم يستعجلون العذاب إذا ما أخر عنهم إلى حين .

ثم ينتقل إلى التحدي بالقرآن الذي يقولون : إنه مفترى من دون الله ، وتهديد من لا يؤمنون بالآخرة ، ومن يفترون على الله الكذب ، ويعرض مشهدا من مشاهد القيامة يتجلى فيه مصداق هذا الوعيد ومصداق البشرى للمؤمنين .

ومن المعالم البارزة في هذا الدرس ما يأتي :

1 تقرير عقيدة التوحيد ، وسوق الأدلة على قدرة الله الذي أبدع الكون على غير مثال سابق .

وقد تتساءل عن سر عناية القرآن بعقيدة التوحيد وتكرير الدعوة إليها في كثير من آياته :

والجواب : أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض ولأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة ؛ فالتوحيد هو مفترق الطريق بين الفوضى والنظام ، وبين الخرافة والإيمان وبين الهوى واليقين .

والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة ؛ لأن الله خلق الإنسان بيده ، وأودعه نفخة مقدسة من روحه ؛ ولذلك تتجه الفطرة إلى الله خالقها وبارئها ؛ لتروي ظمأها إليه ، ولتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها .

2 عناية الآيات بأن تلفت نظر الإنسان إلى ما في الكون من آيات القدرة ، ودلائل الإعجاز ، وعجائب الصنع ، ومواطن الاعتبار فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا ، وغير منظورة ، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل ، ودقة لا تسمح بالعبث ؛ دليل على أن هذا الكون لم يوجد عن طريق صدفة عمياء ، بل إنه وجد ؛ لأن خالقا حكيما هو الذي أوجده .

3 إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون ، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح ، وتيسير الأسباب للسعي والحركة ، وعمارة الكون .

ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } . ( هود : 6 ) .

وهي تصور علم الله الشامل المحيط بكل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير ؛ فما من دابة من هذه الدواب إلا وعند الله علمها ، وعلى الله رزقها ، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن ، ومن أين تجيء وأين تذهب ، وكل فرد من أفراد ها مقيد في هذا العالم الدقيق . إنها صورة متصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق . فسبحان من أحاط بكل شيء علما ! !

2 إعجاز القرآن

يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها ، وتوالي حملاتها على الكفار حتى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود .

إنها دعت في الدرس السابق إلى التوحيد ولفت الأنظار إلى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء .

وهي هنا تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته .

ويتجلى هذا الإعجاز فيما يلي :

1 إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يعرف تاريخها ، ولم يقرأ عنها .

2 اشتماله على أصول التشريع ، وسياسة الخلق ، وقواعد الحكم ، وآداب المعاملة ، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة .

3 إخباره عن أنباء لاحقة تأكد صدقها ، وتحقق وقوعها .

لقد ادعى كفار مكة : أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اختلق القرآن من عنده ، ولم ينزل عليه من السماء ؛ فتحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات . أي : ليخلقوا كما اختلق محمد صلى الله عليه وسلم فهم عرب مثله ، وهم أرباب الفصاحة والبيان ، والقرآن مؤلف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم ، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر وليس من افتراء محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنه كلام الله العليم الخبير .

وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاءوا من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن ؛ ليشاركوهم في تأليف هذه السور ، قال تعالى :

{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . ( هود : 13 ) .

وقد سبق أن تحداهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس ، فلماذا تحداهم بعد ذلك بعشر سور .

قال المفسرون القدامى : إن التحدي كان على الترتيب : بالقرآن كله ، ثم بعشر سور ، ثم بسورة واحدة ، ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل ، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة . وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور .

وحقيقة أن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور ؛ فقد كانت الآية تنزل فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبت هذا الترتيب ، وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود . والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز .

وقد حاول صاحب تفسير المنار أن يجد لهذا العدد ( عشر سور ) علة ، فأجهد نفسه طويلا ليقول : «إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني ؛ وأنه بالاستقراء ؛ يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرا فتحداهم بعشر سور » . 2 وهو احتمال وجيه .

ويرى بعض المفسرين المحدثين : أن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول . فيقول مرة : ائتوا بمثل هذا القرآن ، أو ائتوا بسورة ، أو بعشر سور . دون ترتيب زمني ؛ لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن . كله ، أو بعضه ، أو سورة منه على السواء فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره ، والعجز كان عن هذا النوع ، لا عن المقدار ؛ وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة ، ولا يلزم ترتيب ؛ إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة . فهو الذي يجعل من المناسب أن يقول : سورة ، أو عشر سور ، أو هذا القرآن . ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن .

3 القصص في سورة هود

القصص في هذه السورة هو قوامها ؛ إذ عدد آياتها ( 123 ) مائة وثلاثة وعشرون آية ، يشتمل قصص الأنبياء منها على ( 89 ) تسع وثمانين آية .

لكن القصص لم يجيء فيها مستقلا إنما جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة ؛ لتقريرها ، وهي : التوحيد ، والبعث ، والجزاء .

وقد جال السياق جولات متعددة حول هذه الحقائق : جال في ملكوت السماوات والأرض ، وفي جنبات النفس ، وفي ساحة الحشر ، ثم أخذ يجول في جنبات الأرض ، وأطوار التاريخ مع قصص الماضين .

القصص هنا مفصل بعض الشيء ؛ لأنه يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة والتي يجيء كل رسول لتقريرها ، وكأنما المكذبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة ، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ . ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ ، فيبدأ بنوح ، ثم هود ، ثم صالح ، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ، ثم شعيب ، ثم إشارة إلى موسى ، ويشير إلى الخط التاريخي ؛ لأنه يذكر التالين بمصير السالفين .

وليس من قصدنا أن نذكر قصص هؤلاء الأنبياء الكرام ، فذلك مالا يتسع له المجال ، ولكن واجبنا نحو سورة هود ؛ يحتم علينا أن نذكر لمحات من سيرة هؤلاء الرسل .

قصة نوح

لقد ألمحت سورة يونس إلى قصة نوح فذكرت الحلقة الأخيرة منها ، وهي غرق الكافرين ونجاة المؤمنين .

ولكن سورة هود تعرضت لقصة نوح بتفصيل أكثر خلال أربع وعشرين آية من الآية 25 إلى الآية 49 . تناولت دعوة نوح إلى الله ، وجداله مع قومه ، وصنعه السفينة ، وتعرضه لسخرية قومه ، ثم فوران التنور ، واكتساح الطوفان ، وركوب السفينة تسير بأمر الله وقدرته : { بسم الله مجرياها ومرساها } . ( هود : 42 ) .

ثم تهدأ العاصفة ، وتبلع الأرض ماءها ، وتمسك السماء عن المطر ، وتعود الحياة سيرتها ؛ فيناجي نوح ربه بعد غرق ولده قائلا :

{ رب إن ابني من أهلي } .

أي : وقد وعدتني بنجاة أهلي فيجيبه الله : { إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } . ( هود : 46 ) .

والمعنى : إنه عمل عملا غير صالح ، فهو من صلب نوح وذريته إلا أنه منقطع الصلة به في نسب الإيمان ، وصلة العمل الصالح . وهنا يتنبه نوح إلى حقيقة العدل الإلهي ويرى أن عقاب الله عام لكل الكافرين ، وأن نعيمه عام لجميع المؤمنين ؛ فليس بين الله وبين أحد من عباده نسب ولا صلة ، فالخلق كلهم عباد الله يتفاضلون عنده بالتقوى ، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } . ( الحجرات : 13 ) .

ويكون التعقيب على قصة نوح معبرا عن أهداف القصص القرآني مبشرا بالنجاة والنصر للمؤمنين ، منذرا بالهلاك والعذاب للكافرين . قال تعالى : { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } . ( هود : 49 ) .

فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة ما يأتي :

1 حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون ؛ فهذا القصص غيب من الغيب ما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان معلوما لقومه ، ولا متداولا في محيطه ؛ إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير . .

2 وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني فهي هي ، والتعبير عنها يكاد يكون واحدا ، مشتملا على الدعوة إلى الإيمان بالله والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن الرذائل والمنكرات .

3 وحقيقة السنن الجارية التي تتخلف ولا تحيد { والعاقبة للمتقين } ؛ فهم الناجون وهم المتخلفون .

{ و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } . ( الأنبياء : 105 ) .

قصة هود

تناول الدرس السابق قصة نوح عليه السلام ، ونجاته ، ومن معه في الفلك ، ثم هبوطه على الأرض مستحقا لبركات الله عليه وعلى المؤمنين من ذريته ، أما المكذبون من ذريته فلهم عذاب أليم ، وقد دارت عجلة الزمن ، ومضت خطوات التاريخ وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد ، ومن بعدهم ثمود ، ممن حقت عليهم كلمة الله .

{ وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . ( هود : 48 ) .

فأما عاد : فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف ، والحقف : كثيب الرمل المائل ، في جنوب الجزيرة العربية .

وأما ثمود : فكانت قبيلة تسكن مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممن حقت عليهم كلمة الله ؛ بما عتوا عن أمر الله واختاروا الوثنية على التوحيد وكذبوا الرسل شر تكذيب ، وفي قصتهم هنا مصداق ما في مطلع السورة من بشارة للمؤمنين وإنذار للكافرين .

وقد ذكرت قصة هود في سورة الأعراف من الآية 65 72 ، وفي سورة الشعراء من الآية 123 140 ، ثم ذكرت هنا في سورة هود من الآية 50 إلى 60 .

وقد نتساءل : لماذا سميت هذه السورة بسورة هود مع أنها اشتملت على عدد كبير من قصص الأنبياء منهم : نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام .

والجواب : أن قوم هود قد حباهم الله نعما وافرة وخيرات جليلة وأرسل السماء عليهم بالمطر ؛ فزرعوا الأرض ، وأنشئوا البساتين ، وشادوا القصور ، ومنحهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم وقوة في أبدانهم . وكان الواجب عليهم أن يفكروا بعقولهم ، وأن يشكروا الله على هذه النعم ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل اتخذوا أصناما يعبدونها من دون الله ، ثم عثوا في الأرض فسادا وظلما وعدوانا ، ولما جاءهم هود يدعوهم إلى الله ويأمرهم بتقواه وطاعته و يحذرهم من البغي و العدوان لم يصيخوا لدعوته ولم يؤمنوا برسالته .

وإذا كانت السورة تسمى بأغرب شيء فيها ، فإن الغرابة في قصة هود هي أن قومه عاد كانوا أكثر فضلا ونعمة ، ولكنهم قابلوا هذه النعمة بالجحود والكنود .

وتذكر الآيات معارضتهم لهود وإنكارهم عليه ، واعتقادهم أن آلهتهم أنزلوا به الجنون والاضطراب ؛ فيتبرأ هو من آلهتهم ويتحداهم ، ويستنهض همتهم في أقصى ما يستطيعون من قوى الكيد ، وأنه سوف لا يعبأ بهم ولا بجمعهم ، قال هود : { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } . ( هود : 56 ) .

وهي صورة محسوسة للقوة الإلهية ، فالناصية : أعلى الجبهة والله تعالى وحده صاحب القهر والغلبة والتصريف في كل ناصية ، وهي صور حسية تناسب الموقف وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم حين استكبروا في الأرض بغير الحق ، { وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون } . ( فصلت : 15 ) .

وتذكر الآيات هنا خاتمة أمر هود مع قومه على حسب سنة الله في نصرة أوليائه وخزي أعدائه . قال تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ َأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْم هُودٍ } . ( هود : 5860 ) .

وتستمر سورة هود فتعرض قصة صالح مع قومه ، ودعوته لهم إلى دين الله ، وتودده إليهم بقوله : { يا قوم هذه ناقة الله لكم آية } .

وكانت ناقة ضخمة تشرب من الماء في يوم وتتركه فلا تذوقه في اليوم الآخر ، ولكنهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ؛ فنجا الله صالحا ومن معه من المؤمنين ، وأرسل صيحة عاتية أهلكت الكافرين فصاروا جثثا هامدة ، وأصبحت ديارهم خاوية خالية ، { ألا إن ثمودا كفروا بربهم ألا بعدا لثمود } . ( هود : 68 ) .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1 أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ2 } .

المفردات :

أحكمت آياته : نظمت آياته نظما محكما لا خلل فيها ولا تناقض ولا اضطراب .

فصلت : ذكرت فيها الأمور التي يحتاج إليها العباد في عقائدهم وسلوكهم ومعادهم ومعاشهم مفصلة مبينة .

من لدن حكيم : من عند إله مبدع للأمور على خير وجه .

خبير : عليم بما كان ويكون ، ظاهرا أو خفيا .

التفسير :

1 { الر . . . } الآية .

افتتح الله بعض السور القرآنية ، ببعض حروف الهجاء ، وهي للتحدي والإعجاز ، وبيان أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، مع أنه مؤلف من حروف عربية ينطقون بها ، ويؤلفون منها كلامهم ، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ؛ دل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكن تنزيل من حكيم حميد .

وذكر بعضهم : أنها حروف للتنبيه كالجرس الذي يقرع ؛ فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، كذلك هذه الأحرف تنبيه للبشر ، كألا وغيرها من أدوات الاستفتاح .

{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } .

أي : هذا كتاب عظيم الشأن ، جليل القدر ، جعلت آياته محكمة النظم والتأليف ، لا تقبل شكا ولا تأويلا ولا تبديلا ، وجعلت فصولا متفرقة في سورة ، تبين حقائق العقائد ، والأحكام والمواعظ ، وجميع ما أنزل له الكتاب من الحكم والفوائد ، فكأنها العقد المفصل بالفرائد ؛ لأنها منزلة من { حكيم } . يضع الأمور في موضعها . { خبير } بما كان وما هو كائن .

من تفسير الكشاف للزمخشري :

{ أحكمت آياته } . أي : نظمت نظما رصينا محكما ، بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف ، وقيل : منعت من الفساد من قولهم : أحكمت الدابة ؛ إذا وضعت عليها الحكمة ؛ لتمنعها من الجماح قال جرير :

أبنى حنيفة ، أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا

{ ثم فصلت } . كما تفصل القلائد بالفرائد ، ومن دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصائص ، أو جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية ، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة . 3

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1)

مقدمة السورة:

سورة هود

كما أخرج ذلك ابن النحاس في تاريخه وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مردويه عن عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ولم يستثنيا منها شيئا وإلى ذلك ذهب الجمهور واستثنى بعضهم منها ثلاث آيات ( فعلك تارك + أفمن كان على بينة من ربه + أقم الصلاة طرفي النهار ) وروي استثناء الثالثة عن قتادة قال الجلال السيوطي : ودليله من عدةطرق أنها نزلت بالمدينة في حق أبي اليسر وهي كما قال الداني في كتاب العدد مائة وإحدى وعشرون آية في المدني الأخير وإثنتان فيالمدني الأول وثلاث في الكوفي ووجه إتصالها بسورة يونس عليه السلامأنه ذكر في سورة يونس قصة نوح عليه السلام مختصرة جدا مجملةفشرحت فيهذه السورة وبسطت فيها ما لم تبسط في غيرها من السور ولا سورة الأعراف على طولها ولا سورة ( إنا أرسلنا نوحا ) التي أفردت لقصته فكانت هذه السورة شرحا لما أجمل في تلك السورة وبسطا له ثم إن مطلعها شديدالإرتباط بمطلع تلك فإن قوله تعالى هنا : ( الر كتاب أحكمت آياته ) نظير قوله سبحانه هناك : ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) بل بين مطلع هذهوختام تلك شدة إرتباط أيضا حيث ختمت بنفي الشرك وإتباع الوحي وأفتتحت هذه ببيان الوحي والتحذير من الشرك وورد في فضلها ما ورد فقد أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا هودا يوم الجمعة وأخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : قال أبو بكر رضيالله تعالى عنه : يا رسول الله قد شبت قال : شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وأخرج ابن عساكر منطريق يزيد الرقاشي عن أنس عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال : يا رسول الله أسرع إليك الشيب قال : أجل شيبتني سورة هود وأخواتهاالواقعة والقارعة والحاقة وإذا الشمس كورت وسأل سائل : : + وقد جاء في بعض الروايات أيضا أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لهعليه الصلاة والسلام : أسرع إليك الشيب يا رسول الله فأجابه بنحو ما ذكر إلا أنه ذكر من الأخوات الواقعة وعم وإذا الشمس كورت وفي روايةأخرى عن سعد بن أبي وقاص قال : قلت يا رسول الله لقد شبت فقال : شيبتني هود والواقعة إلى

آخر ما في خبر عمر وفي بعضها الإقتصار على شيبتني هود وأخواتها وفي بعض آخر بزيادة وما فعل بالأمم من قبلي وقد أخرج ذلك ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما مرفوعا + وأخرج ابن مردويه وغيره عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالله أصحابه : أسرع إليك الشيب فقال : شيبتني هود وأخواتها من المفصل والواقعة وكل ذلك يدل على خطرها وعظم ما إشتملت عليه وأشارت إليه وهو الذي صار سببا لإسراع الشيب إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وفسره بعضهم بذكر يوم القيامة وقصص الأمم ويشهد له بعض الآثار وأخرج البيهقي في شعبالإيمان عن أبي علي الشتري قال : رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المنام : فقلتيا رسول الله روي عنك أنك قلت : شيبتني هود قال : نعم فقلت : ما الذي شيبك منها قصص الأنبياء عليهم السلام وهلاك الأمم قال : لا ولكن قوله تعالى : ( فاستقم كما أمرت ) وهذا هو الذي اعتمد عليه بعض السادةالصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وبينه بما بينه والحق أن الذي شيبه صلى الله تعالى عليه وسلم ما تضمنته هذه السورة أعم من هذا الأمر وغيره مما عظم أمرهعلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمقتضى علمه الجليل ومقامه الرفيع وهذا هوالمنقدح لذهن السامع ولذلك لم يسأله صلى الله عليه وسلم أصحابه عما شيبه منها ومن أخواتها بل إكتفوا بما يتبادر من أمثال ذلك الكلام + ودعوى أن المتبادر لهم رضي الله تعالى عنهم ما خفي على أبي علي فلذلكلم يسألوا على تقدير تسليمها يبقى أنهم لم لم يسألوا عما شيبه عليهالصلاة والسلام من الأخوات مع أنه ليس فيها إلا ذكر يوم القيامة وهلاكالأمم دون ذلك الأمر وكونهم علموا أن المشيب فيها ذلك وفي أخواتها شيء آخر هو ذكر يوم القيامة وهلاك الأمم يأباه ما في خبر أبي علي من نفيه صلى الله عليه وسلم وكون ما ذكر مشيبا مفهوما ما من سورة دون أخرى لا يخفى حاله وبالجملة لا ينبغي التعويل على هذه الرواية وإن سلم أنها صحت عن أبي علي وإتهام الرائي بعدم الحفظ أو بعدم تحقيق المرئي أهون من القول بصحة الرؤية والتكلف لتوجيه ما فيها وسيأتي في آخر السورة إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام فليفهم

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر } اسم للسورة على ما ذهب إليه الخليل ، وسيبويه ، وغيرهما ، أو للقرآن على ما روي عن الكلبي ، والسدى ، وقيل : إنها إشارة إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته سبحانه ، وقيل : هي إقسام منه تعالى بما هو من أصول اللغات ومبادي كتبه المنزلة ومباني أسمائه الكريمة ، وقايل وقيل ، وقد تقدم الكلام فيما ينفعك هنا على أتم تفصيل ، واختار غير واحد من المتأخرين كونها اسماً للسورة وأنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بالر وقيل : محلها الرفع على الابتداء أو النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو اقرأ ، وقوله سبحانه : { كِتَابٌ } خبر لها على تقدير ابتدائيتها أو لمبتدأ محذوف على غيره من الوجوه ، والتنوين فيه للتعظيم أي كتاب عظيم الشأن جليل القدر { أُحْكِمَتْ ءاياته } أي نظمت نظماً محكماً لا يطرأ عليه اختلال فلا يكون فيه تناقض أو مخالفة للواقع والحكمة أو شيء مما يخل بفصاحته وبلاغته فالأحكام مستعار من إحكام البناء بمعنى اتقانه أو منعت من النسخ لبعضها أو لكلها بكتاب آخر كما وقع للكتب السالفة فالأحكام من أحكمه إذا منعه ؛ ويقال : أحكمت السفيه إذا منعته من السفاهة ، ومنه قول جرير

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم إن أغضبا

وقيل : المراد منعت من الفساد أخذاً من أحكمت الدابة إذا جعلت في فمها الحكمة وهي حديدة تجعل في فم الدابة تمنعها من الجماح ، فكأن ما فيها من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابة منعها الدلائل من الجماح ، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مكنية . وتعقب بأن تشبيهها بالدابة مستهجن لا داعي إليه ، ولعل الذوف يفرق بين ذلك وبين تشبيهها بالجمل الأنوف الوارد في بعض الآثار لانقيادها مع المتأولين لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم .

واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع ، فالأول إذ يراد معنى المنع أن يراد المنع من النسخ ويراد من الكتاب القرآن وعدم نسخه كلا أو بعضاً على حسب ما أشرنا إليه ؛ وكون ذلك خلاف الظاهر في حيز المنع .

وادعى بعضهم أن المراد بالآيات آيات هذه السورة وكلها محكمة غير منسوخة بشيء أصلاً ، وروي ذلك عن ابن زيد وخولف فيه . وادعى أن فيها من المنسوخ أربع آيات قوله سبحانه : { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } [ هود : 12 ] { وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ } [ هود : 121 ] والتي تليها ونسخت جميعا بآية السيف و { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } [ هود : 51 ] الآية ونسخت بقوله سبحانه

{ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] ولا يخلو عن نظر ، ويجوز أن يكون المعنى منعت من الشبه بالحجج الباهرة وأيدت بالأدلة الظاهرة أو جعلت حكمية أي ذات حكمة لاشتمالها على أصول العقائد والأعمال الصالحة والنصائح والحكم ، والفعل على هذا منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً ، ومنه قول نمر بن تولب :

وأبغض بغيضك بغضاً رويدا *** إذا أنت حاولت أن تحكما

فقد قال الأصمعي : إن المعنى إذا حاولت أن تكون حكيماً ، وفي إسناد الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه لا سيما إذا أريد ما يشمل كل آية آية من حسن الموقع والدلالة على كونه في أقصى غاياته ما لا يخفى { ثُمَّ فُصّلَتْ } أي جعلت مفصلة كالعقد المفصل بالفرائد التي تجعل بين اللاالىء ، ووجه جعلها كذلك اشتمالها على دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش والمعاد على الإسناد المجازي أو جعلت فصلاً فصلاً من السورو يراد بالكتاب القرآن ، وقيل : يصح أن يراد به هذه السورة أيضاً على أن المعنى جعلت معاني آياتها في سور ولا يخفى أنه تكلف لا حاجة إليه . أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة بل نزلت نجماً نجماً على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، و { ثُمَّ } على هذا ظاهرة في التراخي الزماني لما أن المتبادر من التنزيل المنجم فيه التنزيل المنجم بالفعل ، وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجماً حسب الحكمة فهو رتبي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق بأن يرتب على وصف أحكامها ، وهي على الأوجه الأول للتراخي الرتبي لا غير ، وقيل : للتراخي بين الأخبارين . واعترض بأنه لا تراخي هناك إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازاً أو يقال بوجوده باعتبار ابتداء الخير الأول وانتهاء الثاني .

وأنت تعلم أن القول بالتراخي في الرتبة أولى خلا أن تراخى رتبة التفصيل بأحد المعنيين الأولين عن رتبة الأحكام أمر ظاهر وبالمعنى الثالث فيه نوع خفاء ، ولا يخفى عليك أن الاحتمالات في الآية الحاصلة من ضرب معاني الأحكام الأربعة في معاني التفصيل كذلك وضرب المجموع في احتمالات المراد بثم تبلغ اثنين وثلاثين أو ثمانية وأربعين احتمالاً ولا حجر . والزمخشري ذكر للأحكام على ما في الكشف ثلاثة أوجه . أخذه من أحكام البناء نظراً إلى التركب البالغ حد الإعجاز . أو من الأحكام جعلها حكيمة . أو جعلها ذات حكمة فيفيد معنى المنع من الفساد ، وللتفصيل أربعة . جعلها كالقلائد المفصلة بالفرائد لما فيها من دلائل التوحيد وأخواتها ، وجعلها فصولاً سورة سورة وآية آية . وتفريقها في التنزيل . وتفصيل ما يحتاج إليه العباد وبيانه فيها روي هذا عن مجاهد ، وقال : إن معنى { ثُمَّ } ليس التراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل .

والظاهر أنه أراد أنها في جميع الاحتمالات كذلك ، وفيه أيضاً أنه إذا أريد بالإحكام أحد الأولين وبالتفصيل أحد الطرفين فالتراخي رتبي لأن الأحكام بالمعنى الأول راجع إلى اللفظ والتفصيل إلى المعنى ، وبالمعنى الثاني وإن كان معنوياً لكن التفصيل اكمال لما فيه من الإجمال ، وان أريد أحد الأوسطين فالتراخي على الحقيقة لأن الأحكام بالنظر إلى كل آية في نفسها وجعلها فصولاً بالنظر إلى بعضها مع بعض أو لأن كل آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصفة وهذا تراخ وجودي ، ولما كان الكلام من السائلات كان زمانياً أيضاً ، ولكن الزمخشري آثر التراخي في الحال مطلقاً حملا على التراخي في الأخبار في هذين الوجهين ليطابق اللفظ الوضع وليظهر وجه العدول من الفاء إلى ثم ، وإن أريد الثالث وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبي وإلا فأخباري ، والأحسن أن يراد بالأحكام الأول وبالتفصيل أحد الطرفين وعليه ينطبق المطابقة بين { *حيكم } و { خبير } و { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ } و { فُصّلَتْ } ثم قال : ومنه ظهر أن التراخي في الحال يشمل التراخي الرتبي والأخباري انتهى فليتأمل ، وقرىء { أحْكمَتْ } بالبناء للفاعل المتكلم و { فصلَتْ } بفتحتين مع التخفيف وروي هذا عن ابن كثير ، والمعنى ثم فرقت بين الحق والباطل ، وقيل : { فُصّلَتْ } هنا مثلها في قوله تعالى : { وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } [ يوسف : 94 ] أي انفصلت وصدرت { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة لكتاب وصف بها بعد ما وصف بأحكام آياته وتفصيلها الداليت على علو مرتبته من حيث الذات إبانة لجلالة شأنه من حيث الإضافة أو خبر ثان للمبتدأ الملفوظ أو المقدر أو هو معمول لأحد الفعلين على التنازع مع تعلقه بهما معنى أي من عنده أحكامها وتفصيلها واختار هذا في الكشف . وفي الكشاف أن فيه طباقاً حسناً لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور ففي الآية اللف والنشر ، وأصل الكلام على ما قال الطيبي : أحكم آياته الحكيم وفصلت الخبير ثم عدل عنه إلى أحكمت حكيم وفصلت خبير على حد قوله تعالى : { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال * رِجَالٌ } [ النور : 36-37 ] على قراءة البناء للمفعول ، وقوله :

لبيك يزيد ضارع لخصومة *** ومختبط مما تطيح الطوائح

ثم إلى ما في النظم الجليل لما في الكناية من الحسن مع إفادة التعظيم البالغ الذي لا يصل إلى كنهه وصف الواصف لا سيما وقد جيء بالاسمين الجليلين منكرين بالتنكير التفخيمي ، و { لَّدُنْ } من الظروف المبنية وهي لأول غاية زمان أو مكان ، والراد هنا الأخير مجازاً ، وينبت لشبهها بالحرف في لزومها استعمالاً واحداً وهي كونها مبدأ غاية وامتناع الأخبار بها وعنها ولا يينى عليها المبتدأ بخلاف عند و لدي فانهما لا يلزمان استعمالاً واحداً بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها ويبنى عليهما المبتدأ كما في قوله سبحانه :

{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } [ الأنعام : 59 ] { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق : 35 ] قيل : ولقوة شبهها بالحرف وخروجها عن نظائرها لا تعرب إذا أضيفت . نعم جاء عن قيس اعرابها تشبيهاً بعند وعلى ذلك خرجت قراءة عاصم { بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } [ الكهف : 2 ] بالجر واشمام الدال الساكنة الضم واقترانها بمن كما في الآية ، وكذا إضافتها إلى مفرد كيفما كان هو الغالب وقد تتجرد عن من وقد تضاف إلى جملة اسمية كقوله :

وتذكر نعماه لدن أنت يافع *** وفعلية كقوله :

صريح غوان راقهن ورقنه *** لدن شب حتى شاب سود الذوائب

ومنع ابن الدهان من إضافتها إلى الجملة وأول ما ورد من ذلك على تقدير أن المصدرية بدليل ظهورها معها في قوله :

وليت فلم تقطع لدن ان وليتنا *** قرابة ذي قربى ولاحق مسلم

ولا يخفى ما في التزام ذلك من التكلف لا سيما في مثل لدن أنت يافع وتتمحض للزمان إذا أضيفت إلى الجملة ، وجاء نصب غدوة بعدها في قوله :

لدن غدوة حتى دنت لغروب *** وخرج على التمييز ، وحكى الكوفيون رفعها بعدها وخرج على إضماء كان ، وفيها ثمان لغات . فمنهم من يقول { لَّدُنْ } بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وهي اللغة المشهورة ، وتخفف بحذف الضمة كما في عضد وحينئذ يتلقى ساكنان . فمنهم من يحذف النون لذلك فيبقى لد بفتح اللام وسكون الدال . ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال فتحا فيقول { لَّدُنْ } بفتح اللام والدال وسكون النون . ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسرا فيقول { لَّدُنْ } بفتح اللام وكسر الدال وسكون النون ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول { لَّدُنْ } بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون ، وقد يخفف بنقل ضمة الدال إلى اللام كما يقال في عضد عضد بضم العين وسكون الضاد على قلة ، وحينئذ يلتقي ساكنان أيضاً . فمنهم من يحذف النون لذلك فيقول لد بضم اللام وسكون الدال . ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول { لَّدُنْ } بضم اللام وسكون الدال وكسر النون فهذه سبع لغات . وجاء لد بحذف نون { لَّدُنْ } التي هي أم الجميع وبذلك تتم الثمانية ، ويدل على أن أصل لد لدن إنك إذا أضفته لمضمر جئت بالنون فقتول : من لدنك ولا يجوز من لدك كما نبه عليه سيبويه ، وذكر لها في همع الهوامع عشر لغات ما عدا اللغة القيسية فليراجع .

( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { الر } إشارة إلى ما مرت الإشارة إليه { الر كِتَابٌ } أي حقائقه وأعيانه في العالم الكلي فلا تتبدل ولا تتغير { ثُمَّ فُصّلَتْ } في العالم الجزئي وجعلت مبنية معينة بقدر معلوم { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ } فلذا أحكمت { خَبِير } [ هود : 1 ] فلذا فصلت ، وقد يقال : الإشارة إلى آيات القرآن قد أحكمت في قلوب العارفين { ثُمَّ فُصّلَتْ } أحكامها على أبدان العاملين ، وقيل : { أُحْكِمَتْ } بالكرامات { ثُمَّ فُصّلَتْ } بالبينات