تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

23

المفردات :

همت به : عزمت وقصدت مخالطته .

وهم بها : نازعته الشهوة لمخالطتها إلا أنه ضبط نفسه ، وتذكر ربه ؛ فامتنع . قال تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } . ( الأعراف : 201 ) .

وهم بها لولا أن

رأى برهان ربه : هنا جواب الشرط محذوف تقديره : لولا أن رأى برهان ربه لخالطها ، أما هذا البرهان فقيل : إنه رأى جبريل وقيل : رأى يعقوب .

كذلك : أي : مثل ذلك التثبيت ثبتناه ، وأريناه البرهان .

المخلصين : بفتح اللام أي : الذين أخلصهم الله لطاعته

التفسير :

24 { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ . . . }

كثر كلام المفسرين حول هذه الفقرة وكأنهم أرادوا أن يردوا عن مقام النبوة كل هفوة ؛ من ذلك أن السيد رشيد رضا فسرهّم المرأة هنا : بأنها أرادت ضربه ، حيث أذلها وكسر كبرياءها ؛ فصممت على ضربه ، وهم بها ليمنعها أو يضربها ؛ لولا أن أراه الله برهانا ، ويقينا يدعوه إلى الخروج من المأزق ، والهروب من أمام هذه المرأة ؛ طلبا للنجاة ، وكما أكرمه الله سابقا ، أكرمه بهذا التفكير ؛ ليصرف الله عنه ارتكاب القتل ، وارتكاب الزنا ؛ لأن الله أخلصه وقربه واصطفاه .

وإذا أمعنا النظر في الآية والسياق والأحاديث ؛ وجدنا أن الآية تشير إلى هم امرأة العزيز بيوسف .

والهم نوعان :

الأول : هم بمعنى : القصد والعزم والتصميم على التنفيذ .

والثاني : هم بمعنى حديث النفس ، وهو خطرات النفس ، وفي الحديث : " إن الله غفر لأمتي ما حدثت به نفسها " . 9

وهذا الهم الثاني : حديث النفس ، أو خطرات تعرض للنفس ، ثم يتراجع المؤمن ، ويرى أوامر الله صريحة أو برهان الله واضحا في تحريم الفعل والزنا ؛ فيكون له ثواب الكف عن المحرم ، وتلك محمدة لا مذمة .

وفي الصحيحين : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : ( إذا هم عبدي بحسنة ؛ فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها ، وإن هم بسيئة فلم يعملها ؛ فاكتبوها حسنة ؛ فإنما تركها من جرائي ، فإن عملها ؛ فاكتبوها بمثلها ) . 10

وقد ذهب إلى هذا المعنى الزمخشري في تفسير الكشاف والإمام الآلوسي ، والأستاذ محمد فريد وجدي في المصحف المفسر حيث قال :

{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } . أي : قصدت مخالطته ، وقصد مخالطتها ، والهم بالشيء ؛ قصده والعزم عليه ، والمراد بهم يوسف : منازعة الشهوة إياه ، لا القصد الاختياري ، وهذا لا يدخل تحت التكليف قط ، بل يثاب المرء على الامتناع عن مجاراته ، وهذا لا يقدح في يوسف ؛ فإنه عام في جميع الناس وإنما يتفاضلون في ضبط نفوسهم ، وكف رعونتها . 11

وقال الإمام الآلوسي :

{ ولقد همت به } . أي : بمخالطته ، والمعنى : أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما جازما ، لا يلويها عنها صارف .

{ وهم بها } . أي : مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية ، ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف ، وليس المراد : أنه قصدها قصدا اختياريا ؛ لأن ذلك أمر مذموم . . وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر ، على سبيل المشاكلة لا لشبهة به .

{ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } . أي : محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله ، والمراد برؤيته لبرهان الله : كمال إيقانه به ، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة عين اليقين . 12 ا ه .

والبرهان الذي رآه يوسف ، هو برهان الله المأخوذ على المكلفين ، من وجوب اجتناب المحارم ، أو حجة الله تعالى في تحريم الزنى ، والعلم بما على الزناة من العقاب . وقيل : هو تطهير نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة .

وقد بالغ بعض المفسرين في تفسير هذا البرهان ، فادّعى بعضهم : أن يوسف سمع هاتفا يقول : يا يوسف ، اسمك ، في ديوان الأنبياء ، وتفعل فعل السفهاء !

وادعى بعضهم : بأن يوسف حل سراويله ، وجلس من زليخا مجلس الخاتن ، ثم رأى زليخا تقوم وتغطي صورة صنم موجود ؛ فقال لزليخا : تستحين من صنم ، ولا أستحي من رب الأرض والسماء ؟ !

وادعى بعضهم : أنه رأى صورة والده يعقوب ، يعض على إصبعه ، ويحذر يوسف ؛ فاستحى يوسف من فعل الفاحشة .

وادعى بعضهم : أنه رأى جبريل عليه السلام يحذره من ارتكاب الفاحشة .

ونقول لهؤلاء ما قاله شيوخنا : لو أن أقل الناس حياء وأكثرهم وقاحة ، رأى أمثال ذلك لخجل وذهبت منه كل رغبة في الشهوة ؛ فأي فضيلة لهذا النبي الكريم ، الذي مدحه الله ، وسجل شهادة بنزاهته ، ثم قالت النسوة عنه : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء } . وقالت امرأة العزيز عنه : { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } . كل هذه الشهادات تثبت أن يوسف ، ورجوعه إلى الحق والالتزام ؛ كان سببه يقين داخلي ، ورغبة ذاتية . وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } . ( الأعراف : 201 ) .

لقد كان هم يوسف بامرأة العزيز مجرد تفكير في هذا الإغراء ، الذي يزل له عقل البشر ، ثم عصمه الله بالعقل والفكر والتأمل ، والالتجاء إلى الله ، كما قال تعالى : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } . ( يوسف : 24 ) .

والبرهان هذا هو المفتاح الذي يفتح أبواب النصر على الإغراء ، والارتقاء على حيل الشيطان ؛ قد يكون تذكر الموت أو القبر أو الحساب أو الآخرة ، أو الأب الرجل الصالح ، أو الملاك جبريل ، وهو يهبط بالوحي ، أو جلال الله وعظمته وهو مطلع وشاهد ، وكلها براهين تنبع من داخل النفس والوجدان والتصور ، لكنها تتجمع كلها على معنى واحد هو : رقابة الله والتزام أمره واجتناب نهيه ؛ لهذا عبر عنها بالمفرد فقال : { لولا أن رءا برهان ربه } . وهو معونة الله للصادقين ، ورعايته للمخلصين ، وعصمته للأنبياء والمرسلين .

{ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .

رجحنا فيما سبق أن الامتناع عن الزنى مع الخطور بالبال ؛ يدل على قوة الوازع ، وقوة الإرادة أكثر من عدم وجوده ، أي : أن يوسف لم يكن عنينا ، ولا حصورا ، وإنما كان بشرا مكتمل الجسم والقوة ، يفكر في هذا الإغراء ، أو يتخيله لأول وهلة ، ثم يعتصم ببرهان الله وتوفيقه .

كما قالت امرأة العزيز للنسوة : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } . أي : طلب العصمة وتمسك بها .

وهنا يقول الله تعالى : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } .

أي : جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك ؛ لنصرف عنه دواعي ما أرادت به من السوء ، وما راودته عليه قبله من الفحشاء ؛ بعصمة منا تحول دون تأثير دواعيهما الطبيعية في نفسه ، حتى لا يخرج من جماعة المحسنين إلى جماعة الظالمين .

رجاء في تفسير الكشاف للزمخشري . 13

{ كَذَلِكَ } . الكاف منصوب المحل أي : مثل ذلك التثبيت ثبتناه .

{ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ } . من خيانة السيد .

{ وَالْفَحْشَاء } . من الزنى .

{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } . أي : الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم .

ويجوز أن يراد بالسوء : مقدمات الفاحشة من : القبلة ، والنظر بشهوة ، ونحو ذلك .

{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } . أي : من جملة المخلصين ، أو هو ناشئ منهم ؛ لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال الله عنهم : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ } . ( ص : 4547 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ} (24)

{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } أي بمخالطته إذالهم سواء استعمل بمعنى القصد والإرادة مطلقاً أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت كما هو المراد ههنا . لا يتعلق بالأعيان .

والمعنى أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزماً جازماً لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت مما قص الله تعالى ، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما اضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب ، والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر { وَهَمَّ بِهَا } أي مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية كميل الصائم في اليوم الحار إلى الماء البارد ، ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه عليه السلام قصدها قصداً اختيارياً لأن ذلك أمر مذموم تنادي الآيات على عدم اتصافه عليه السلام به ، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل ، وقد أشير إلى تغايرهما كما قال غير واحد : حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل : ولقد هما بالمخالطة أو هم كل منهما بالآخر وأكد الأول دون الثاني .

{ لَّوْلاَ أَن رَّآى بُرْهَانَ رَبّهِ } أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله ، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين ، وقيل : المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق وتذكر الأحوال الرادعة عن الإقدام على المنكر ، وقيل : رؤية { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } [ الإسراء : 32 ] مكتوباً في السقف ، وجواب { لَوْلاَ } محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته البرهان لجرى على موجب ميله الجبلي لكنه حيث كان مشاهداً له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان ، هذا ما ذهب إليه بعض المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلا أنه هم غير مذموم .

وفي «البحر » أنه لم يقع منه عليه السلام هم بها ألبتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول : قارفت الذنب لولا أن عصمك الله تعالى ولا نقول : إن جواب { لَوْلاَ } متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها ، وقد ذهب إلى الجواز الكوفيون .

ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري . وأبو العباس المبرد بل نقول : إن جواب { لَوْلاَ } محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب : أنت ظالم إن فعلت كذا فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم ، ولا يدل قولهم : أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل ، وكذلك ههنا التقدير { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } لهم بها فكان يوجد الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم ، والمراد بالبرهان ما عنده عليه السلام من العلم الدال على تحريم ما همت به وأنهلا يمكن الهم فضلاً عن الوقوع فيه ، ولا التفات إلى قول الزجاج : ولو كان الكلام ولهم بها كان بعيداً فكيف مع سقوط اللام لأنه توهم أن قوله تعالى : { هُمْ * بِهَا } هو جواب { لَوْلاَ } ونحن لم نقل بذلك ، وإنما قلنا إنه دليل الجواب على أنه على تقدير أن يكون نفس الجواب قد يقال : إن اللام ليست بلازمة بل يجوز أن يأتي جواب { لَوْلاَ } إذا كانت بصيغة الماضي باللام وبدونها فيقال : لولا زيد لأكرمتك ولولا زيد أكرمتك ، فمن ذهب إلى أن المذكور هو نفس الجواب لم يبعد ، وكذا لا التفات أيضاً لقول ابن عطية : إن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } وأن جواب { لَوْلاَ } في قوله سبحانه : { وَهَمَّ بِهَا } وأن المعنى { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } لهمّ بها فلم يهم يوسف عليه السلام يرده لسان العرب ، وأقوال السلف لما في قوله : يرده لسان العرب من البحث .

وقد استدل من ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب فقد قال سبحانه : { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } [ القصص : 10 ] فقوله سبحانه : { إِن كَادَتْ } الخ إما أن يكون هو الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل ، وإما أن يكون دليل الجواب على ما قررناه ، وأما أقوال السلف فالذي نعتقده أنه لم يصح منها شيء عنهم لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة على أن ما روي لا يساعد عليه كلام العرب لأنه يقتضي كون الجواب محذوفاً لغير دليل لأنهم لم يقدروا بناءاً على ذلك لهمّ بها وكلام العرب لا يدل إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأنه الدليل عليه ، هذا وممن ذهب إلى تحقق الهمّ القبيح منه عليه السلام الواحدي فإنه قال في كتاب «البسيط » : قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم الآخذون للتأويل عمن شاهد التنزيل : هم يوسف عليه السلام أيضاً بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من ربه زال كل شهوة عنه .

قال أبو جعفر الباقر : رضي الله تعالى عنه بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «طمعت فيه وطمع فيها » وكان طمعه فيها أن هم أن يحل التكة .

وعن ابن عباس أنه حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن ، وعنه أيضاً أنها استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه ، ورووا في البرهان روايات شتى : منها ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية » عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه ، فقال عليه السلام : أي شيء تصنعين ؟ فقالت : أستحي من إلهي أن يراني على هذه السوأة فقال : تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت ؟ا ثم قال : لا تناليها مني أبداً وهو البرهان الذي رأى ، ومنها ما أخرجه ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أنه عليه السلام مثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده على صدره ، ومنها ما أخرجه عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على إصبعيه وهو يقول : يا يوسف أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء ، ومنها ما أخرجه عن القاسم بن أبي بزة قال : نودي يا ابن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ريش فلم يعرض للنداء وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضاً على إصبعه فقام مرعوباً استحياءاً من أبيه إلى غير ذلك ، وتعقب الإمام الرازي ما ذكر بأن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف وحاشاه من أقبح المعاصي وأنكرها ، ومثلها لو نسب إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسناده إلى هذا الصديق الكريم ؟ وأيضاً إن الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهية الفحشاء مصر وفتين عنه ، ومع هذه الشهادة كيف يقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء إليه عليه السلام ، وأيضاً إن هذا الهم القبيح لو كان واقعاً منه عليه السلام كما زعموا وكانت الآية متضمنة له لكان تعقيب ذلك بقوله تعالى : { كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء } خارجاً عن الحكمة لأنا لو سلمنا أنه لا يدل على نفي المعصية فلا أقل من أن يدل على المدح العظيم ، ومن المعلوم أنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح واوثنية ، وأيضاً إن الأكابر كالأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوه بإظهار الندامة والتوبة والتخضع والتنصل فلو كان يوسف عليه السلام أقدم على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بذلك ، ولو كان قد أتبعها لحكى وحيث لم يكن علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب أصلاً ، وأيضاً جميع من له تعلق بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية كما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ومن نظر في قوله سبحانه : { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } رآه أفصح شاهد على براءته عليه السلام ، ومن ضم إليه قول إبليس :

{ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 82 ، 83 ] وجد إبليس مقراً بأنه لم يغوه ولم يضله عن سبيل الهدى كيف وهو عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى ، وقد استثناهم من عموم { لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } .

وعند هذا يقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام تلك الفعلة الشنيعة : إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته عليه السلام ، وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته ، ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر من تلامذته إلى أن تخرجنا فزدنا عليه في السفاهة كما قال الحريري :

وكنت امرءاً من جند إبليس فانتهى *** بي الحال حتى صار إبليس من جندي

فلو مات قبلي كنت أحسن بعده *** طرائق فسق ليس يحسنها بعدي

ومن أمعن النظر في الحجج وأنصف جزم أنه لم يبق في يد الواحدي ومن وافقه إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ولم يجد معهم شبهة في دعواهم المخالفة لما شهد له الآيات البينات سوى روايات واهيات .

وقد ذكر الطيبي طيب الله تعالى ثراه بعد أن نقل ما حكاه محي السنة عن بعض أهل الحقائق من أن الهم همان : هم ثابت وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز . وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام أن هذا التفسير هو الذي يجب أن نذهب إليه ونتخذه مذهباً ، وإن نقل المفسرون ما نقلوا لأن متابعة النص القاطع وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه على أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئاً مرفوعاً في كتبهم ، وجل تلك الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب اه ، نعم قد صحح الحاكم بعضاً من الروايات التي استند إليها من نسب تلك الشنيعة إليه عليه السلام لكن تصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار .

وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل نبذة منها إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها ، ثم إن الإمام عليه الرحمة ذكر في تفسير الآية الكريمة بعد أن منع دلالتها على الهم ما حاصله : إنا سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول : لا بد من ءضمار فعل مخصوص يجعل متعلق الهم إذ الذوات لا تصلح له ولا يتعين ما زعموه من إيقاع الفاحشة بها بل نضمره شيئاً آخر يغاير ما أضمروه ، فنقول : المراد هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأنه الذي يستدعيه حاله عليه السلام ، وقد جاء هممت بفلان أي قصدته ودفعته ويضمر في الأول المخالطة والتمتع ونحو ذلك لأنه اللائق بحالها ، فإن قالوا : لا يبقى حينئذٍ لقوله سبحانه : { لَوْلا أَن رَّآى بُرْهَانَ رَبّهِ } فائدة ؟ قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين :

الأول : أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو هم بدفعها لفعلت معه ما يوجب هلاكه فكان في الامتناع عن ذلك صون النفس عن الهلاك ، الثاني : أنه لو اشتغل بدفعها فلربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام ؛ وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو كان متمزقاً من قدام لكان هو الجاني .

ولو كان متمزقاً من خلف لكانت هي الجانية فأعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها وفرعنها حتى صارت الشهادة حجة له على براءته عن المعصية ، وإلى تقدير الدفع( {[354]} ) ذهب بعض السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ففي «الجواهر والدرر » للشعراني : سألت شيخنا عن قوله تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } ما هذا الهم الذي أبهم فقد تكلم الناس فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام ؟ فقال : لا أعلم ، قلت : قد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن مطلق اللسان يدل على أحدية المعنى ، ولكن ذلك أكثري لا كلي فالحق أنها همت به عليه السلام لتقهره على ما أرادته منه ، وهم هو بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه فالاشتراك في طلب القهر منه ومنها والحكم مختلف ، ولهذا قالت : { أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ } [ يوسف : 51 ] وما جاء في السورة أصلاً أنه راودها عن نفسها اه ، وجوز الإمام أيضاً تفسيراً لهم بالشهوة ، وذكر أنه مستعمل في اللغة الشائعة فإنه يقول القائل فيما لا يشتهيه : لا يهمني هذا ، وفيما يشتهيه : هذا أهم الأشياء إليّ ، وهو ما أشرنا إليه أولاً إلا أنه عليه الرحمة حمل الهم في الموضعين على ذلك فقال بعد : فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لفعل وهو مما لا داعي إليه إذ لا محذور في نسبة الهم المذموم إليها ، والظاهر أن الهم بهذا المعنى مجاز كما نص عليه السيد المرتضى في درره لا حقيقة كما يوهمه ظاهر كلام الإمام ، وقد ذهب إلى هذا التأويل أبو علي الجبائي . وغيره ، وروي ذلك عن الحسن ، وبالجملة لا ينبغي التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار ، وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك بلا حجاب { كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } قيل : خيانة السيد { والفحشاء } الزنا لأنه مفرط القبح ، وقيل : { السوء } مقدمات الفحشاء من القبلة والنظر بشهوة .

وقيل : هو الأمر السيء مطلقاً فيدخل فيه الخيانة المذكورة وغيرها ، والكاف على ما قيل : في محل نصب ، والإشارة إلى التثبيت اللازم للإراءة المدلول عليها بقوله سبحانه : { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه { لِنَصْرِفَ } الخ ، وقال ابن عطية : إن الكاف متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا وأقدارنا { كذلك لِنَصْرِفَ } ، وقدر أبو البقاء نراعيه كذلك ، والحوفي أريناه البراهين كذلك ، وجوز الجميع كونه في موضع رفع فقيل : أي الأمر أو عصمته مثل ذلك لكن قال الحوفي : إن النصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها ، واختار في «البحر » كون الإشارة إلى الرؤية المفهومة من رأى أو الرأي المفهوم ، وقد جاء مصدر الرأي كالرؤية كما في قوله :

ورأى عيني الفتى أباكا *** يعطي الجزيل فعليك ذاكا

والكاف في موضع نصب بما دل عليه قوله سبحانه : { لَوْلا أَن رَّأَى } الخ ، وهو أيضاً متعلق { لِنَصْرِفَ } أي مثل الرؤية أو الرأي يرى براهيننا ( لنصرف ) الخ ، وقيل( {[355]} ) غير ذلك ، ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل : إن الجار والمجرور متعلق بهم ، وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه الخ ، ولا يخفى ما في التعبير بما في النظم الجليل دون لنصرفه عن السوء والفحشاء من الدلالة على رد من نسب إليه ما نسب والعياذ بالله تعالى .

وقرأ الأعمش ليصرف بياء الغيبة وإسناد الصرف إلى ضمير الرب سبحانه { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق ، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى واختارهم لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها ، والظاهر أن المراد الحكم عليه بأنه مختار لطاعته سبحانه ، ويحتمل على ما قيل : أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذين قال فيهم جل وعلا : { إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ } [ ص : 46 ] .

وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وابن عامر المخلصين إذا كان فيه أل حيث وقع بكسر اللام وهم الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ، ولا يخفى ما في التعبير بالجملة الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام في سلك أولئك العباد الذين هم هم من أول الأمر لا أنه حدث له ذلك بعد أن لم يكن ، وفي هذا عند دوي الألباب ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب .

( ومن باب الإشارة { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } قال ابن عطاء : هم شهوة { وَهَمَّ بِهَا } هم زجر عما همت به بضرب أو نحوه { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وهو الواعظ الإلهي في قلبه { كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } والخواطر الرديئة

{ والفحشاء } [ يوسف : 24 ] الأفعال القبيحة ، وقيل : البرهان هو أنه لم يشاهد في ذلك الوقت إلا الحق سبحانه وتعالى ، وقيل : هو مشاهدة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على سباباته ، وجعل ذلك بعض أجلة مشايخنا أحد الأدلة على أن للرابطة المشهور عند ساداتنا النقشبندية أصلاً أصيلاً وهو على فرض صحته بمراحل عن ذلك


[354]:- وجوزه من الإمامية السيد المرتضى في الدرر اهـ منه.
[355]:- ومما قيل: إن الكاف في موضع النصب والإشارة إلى الإراءة المدلول عليها بما تقدم أي مثل ذلك التبصير و التعريف عرفناه برهاننا فيما قبل اهـ منه.