اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الملك

مكية ، وتسمى الواقية ، والمنجية ، وتدعى في التوراة المانعة ؛ لأنها تقي وتنجي من عذاب القبر .

وعن ابن شهاب : أنه كان يسميها المجادلة ؛ لأنها تجادل عن صاحبها في القبر .

وهي ثلاثون آية ، وثلاثمائة كلمة ، وألف وثلاثمائة حرف .

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : { تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك } .

«تبارك » تفاعل من البركة وقد تقدم .

وقال الحسنُ : تقدّس{[57298]} .

وقيل : دام ، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ، ولا آخر لدوامه . { الذي بِيَدِهِ الملك } أي : ملكُ السماوات والأرض في الدنيا والآخرة .

وقال ابن عبَّاس : { بِيَدِهِ الملك } : يعزّ من يشاء ، ويذل من يشاء ، ويُحيي ويميت ، ويغني ويفقر ، ويعطي ويمنع{[57299]} .

قال ابن الخطيب{[57300]} : هذه اللفظة تستعمل لتأكيد كونه - تعالى - ملكاً ومالكاً كما يقال : بيد فلان الأمر والنهي ، والحل والعقد ، ولا مدخل للجارحة .

قال الزمخشريُّ{[57301]} : { بِيَدِهِ الملك } كل موجود ، وهو على كل ما لم يوجد قدير :

قوله : { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . يدل على أن المعدوم شيء ؛ لأن قدرة الله لا تتعلق بالموجود ؛ لأن القدرة مؤثرة ، والعدم نفي محض ، فلا يكون أثراً لها ، فوجب أن يكون المعدوم شيئاً .

فصل في أنه لا مؤثر إلا قدرة الله

احتج أهل السنة{[57302]} بهذه الآية على أنه لا مؤثر إلا قدرة الله ، وأبطلوا القول بالطَّبائع كقول الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالمتولدات كقول المعتزلة ، وأبطلوا القول بكون العبد موجوداً لأفعالٍ نفسيةٍ ، لقوله : { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

فصل في وحدانية الله

دلّت هذه الآية على الوحدانية{[57303]} ؛ لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً ، فإما أن يقدر على إيجاد الشيء أولاً ، فإن لم يقدر على إيجاد شيء لم يكن إلهاً ، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً ، فيلزم كون ذلك للإله الأول لقوله { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيلزم وقوع مخلوق من خالقين ، وهو محال ؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد ، ويلزم أن يستغنى بكلّ واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال .

فصل في الرد على جهم

احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، فقال{[57304]} : لو كان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله تعالى : { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . لكن كونه قادراً على نفسه محال ، فيمتنع كونه شيئاً .

والجواب : لما دلّ قوله تعالى : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله }[ الأنعام : 109 ] على أنه - تعالى - شيء وجب تخصيص هذا العموم ، فإذن دلّت هذه الآيةُ على أنَّ العامَّ المخصوص واردٌ في كتاب الله تعالى ، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز ، بل واقع .


[57298]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (18/134).
[57299]:ينظر المصدر السابق.
[57300]:ينظر: الفخر الرازي 30/46.
[57301]:ينظر الكشاف 4/574.
[57302]:ينظر الفخر الرازي 30/47.
[57303]:ينظر السابق.
[57304]:ينظر السابق نفسه.