تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ} (8)

{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار8 عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال9 سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار10 } .

المفردات :

تغيض الأرحام : تنقص ، ومنه : غيض الماء .

بمقدار : أي : بأجل لا يتجاوزه ولا ينقص عنه .

التفسير :

8 { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . . . } .

تأتي هذه الآية وما بعدها ؛ لبيان علم الله الشامل وقدرته الحقة ، وفي مقام الرد على من أنكر البعث والحشر والجزاء .

فهو سبحانه عالم بكل شيء : { إن الله بكل شيء عليم } . يعلم ما تحمل كل أنثى من ذكر أو أنثى ، طويل أم قصير ، تام الخلقة أو ناقصها ، صبيح أم قبيح ، صالح أم طالح ، شقي أم سعيد ، قال تعالى : { ويعلم ما في الأرحام }( لقمان : 34 ) .

{ وما تغيض الأرحام وما تزداد } .

إنه سبحانه يعلم ما يكون في داخل الأرحام من نقص في الخلقة أو زيادة فيها ، ومن نقص في مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص في العدد أو زيادة فيه ، فقد يكون واحدا وقد يكون اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة ، وقد تكون مدة الحمل أقل من تسعة أشهر ، وقد تكون تسعة إلى عشرة أشهر تقريبا ، وقد دلت البحوث : على أن الجنين لا يستقر في البطن وهو حي أكثر من 308 أيام ، أي : عشرة أشهر وبضعة أيام .

{ وكل شيء عنده بمقدار } . أي : ولكل شيء ميقات معين ، لا يعدوه زيادة ولا نقصا .

قال تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } . ( القمر : 49 ) ، كما قال سبحانه : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }( الحجر : 21 ) .

وقد روى الشيخان : أن زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه تخبره : أن ابنا لها في الموت يحتضر ، وتدعو النبي أن يحضر إليها ، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول لها : ( إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ؛ فاصبري واحتسب )vii .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ} (8)

قوله تعالى : { اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ 8 عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } { ما } ، في هذه المواضع من هذه الآية اسم موصول بمعنى الذي . وهي في موضع نصب مفعول به{[2321]} .

وهذه الجملة مستأنفة نزجي بالحقيقة الراسخة على أن الله وحده العالم بما تحمله الإناث في بطونها من ذكر وإناث ، أو طيبين أو خبيثين ، أو مليحين وقبيحين ، أو سعداء أو أشقياء ، أو أذكياء أو أغبياء وغير ذلك من الصفات الخلقية والخلقية . فذلك كله من علم الله وحده . وهو علم محيط بكل شيء ، فما يكون من خطرة ولا خلجة ولا خفقة ولا نبسة ولا همسة ولا خبر مستور ومستكن في السموات أو الأرضين إلا يعلمه الله قبل أن يكون .

وتعرض ثمة مسألة عن إمكانية الوقوف على حقيقة الجنين من حيث كونه ذكرا أو أنثى أو كونه توأمين أو أكثر . وذلك عن طريق المتخصصين من أهل الطب أو تصوير الأجنة . فما ينبغي أن تلفتنا هذه المعرفة الحديثة أيما لفت عن حقيقية الآية . وهي تفيد بعمومها أن الله لهو وحده العالم بما تكنه الأرحام من حقائق الأجنة وأخبارها . وعلم الله في ذلك يتناول كل ما يندرج في عالم الجنين المستور من ظواهر وأخبار عما يفضي إليه هذا الجنين من الصفات الكثيرة . ومن جملتها كونه ذكرا أو أنثى . لكن جل الصفات وهي الأكثر والأهم –لا جرم تظل مكنونة مجهولة لا يعيها أو يدري أحد في العالمين بها إلا عقب الاندلاق إلى الدنيا ثم اكتمال الشخصية من كل جوانبها الجسدية والنفسية والعقلية ، وما يتخرج عن ذلك من صفات . أما قبل ذلك كله فأنى للمخاليق وأهل الخبرة أن يطلعوا عليه في المخلوق وهو جنين في بطن أمه ، سواء كان بويضة ملقحة ، أو علقة ، أو مضغة ، أو أكثر من ذلك ؟ ! .

قوله : { وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ } { تغيض } ، من الغيض وهو النقصان سواء كان لازما أو متعديا . يقال : غاض الماء ، وغضته أنا .

أما تأويل الغيض والازدياد فموضع خلاف ، والراجح أن ذلك متعلق بمدة الولادة ؛ فقد قيل : غيض الأرحام أن تكون مدة الولادة دون تسعة أشهر ، أما ازدياد الأرحام ؛ فهو أن تكون مدة الولادة أكثر من تسعة أشهر إلى عشرة أو أزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة . وإلى أربع سنين عند الإمام الشافعي ، وإلى خمس عند الإمام مالك .

وقيل : غيض الأرحام معناه السقط . وما يزداد ، أي بولادته تماما ، وقيل غير ذلك .

قوله : { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } كل شيء من حدث أو واقعة أو نحوهما ، إنما يكون بقدر واحد لا يكون دونه ولا يجاوزه ؛ فهو مقدور لا يحتمل النقص أو الزيادة ولا التغيير أو التبديل إلا أن يشاء الله . سواء في ذلك ما يمكثه الولد في بطن أمه إلى خروجه ، وما كتب الله له من الرزق والأجل ، كل ذلك بقدر .


[2321]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 49.