تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

المفردات :

إسلام الوجه لله : هو الانقياد والإخلاص له في العمل بحيث لا يجعل العبد بينه وبين ربه وسطاء .

التفسير :

112- بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . أي : بلى يدخل الجنة من أخلص نفسه وذاته لله ، فآمن به ونزهه تعالى عن الولد ( وهو محسن ) في جميع أعماله التي منها الإسلام .

والإحسان أداء العمل على وجه حسن أي مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف .

ومقصود الآية ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم ، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن ، فإنه يدخل الجنة ، وينال أجره اللائق به ولا يخاف في الدارين من لحوق مكروه ولا يحزن على فوت مطلوب .

وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتي :

1- إثبات ما نفوه من دخلوا غيرهم الجنة .

2- بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة إلا إذا أسلوا وجوههم لله .

3- بيان أن العمل المقبول عند الله تعالى يجب أن يتوافر فيه أمران أولهما : أن يكون خالصا لله وحده . ثانيهما : أن يكون مطابقا الشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام .

قال ابن كثير في تفسيره :

فإن للعمل المتقبل شرطين ، أحدهما : أن يكون خالصا لله وحده والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة ، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ( 276 ) رواه مسلم من حديث عائشة .

فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم يخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، وفيهم وأمثالهم قال تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا . ( الفرقان : 23 )

وقال تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ( النور : 39 ) .

وروى عن أمير المؤمنين عمر : أنه تأولها في الرهبان ، وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله ، فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين .

كما قال تعالى : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . ( النساء 39 ) ، وقال تعالى : فويل للمصلين*الذين هم عن صلاتهم ساهون *الذين هم يراءون*ويمنعون الماعون . ( الماعون : 4-7 ) .

ولهذا قال تعالى : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( الكهف : 110 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

وقوله : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قوله : { بلى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . فهو تكذيب لقولهم فليس هذا القول إلا التخريص المفترى تطلقه يهود والنصارى بأن كلا منهما مستأثر بالجنة دون غيره . فالله سبحانه في هذه الآية يدحض ما أطلقه الفريقان . ويكذبهما تكذيبا ؛ ليبين بعد ذلك أن الوارثين للجنة والداخلين فيها هم المخلصون العاملون من العباد بغض النظر عن الجنس أو اللون أو المسميات ، فالذي يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فهو على الحق والخير ، سواء كان من بني إسرائيل أو من أتباع المسيح أو من قوم هذا النبي الخاتم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .

قوله : { من أسلم وجهه لله } أي من استسلم لله وخضع . وقيل : من أخلص نفسه لله .

وقد ذكر الوجه هنا لشرفه ، فإن الوجه يحتوي على صورة الإنسان المميزة . الصورة الحسنة المنسجمة التي تكشف عن إبداع إلهي كريم خُص به هذا الكائن المفضل وهو الإنسان الذي كرمه الله واختاره من بين الخلائق ليكون عظيمها وسيدها .

وفي الوجه كذلك ظواهر شتى من الخصائص الإنسانية التي كتبها الله لابن آدم ، منها السمع والبصر والشم والذوق والنطق . وهي أسباب تتلاقي جميعا في هذا الجزء الأهم من الإنسان وهو الوجه .

ومن خلال الوجه تتراءى للناظر البصير ملامح معبرة مستبينة تكشف عما يجيش في صدر المرء من مكنون ، وعما يعتور في أطوائه المستورة من مقاصد . ولا جرم أن تستبين مثل هذه المقاصد حتى توشك القسمات والملامح في الوجه أن تتحدث عنها فتكشفها كشفا .

وقوله : ( وهو محسن ) الواو للحال ، والجملة الإسمية بعدها في محل نصب على الحال . وفي هذه الآية : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ) تجتمع حقيقتان متكاملتان لا مناص من اجتماعهما معا وهما الإيمان والعمل . فإسلام الوجه إلى الله جزء من عقيدة الإسلام التي تفرض أن يكون الانقياد والخضوع لله وحده دون سواه . فإذا كانت هذه الحقيقة مركوزة في النفس بات الإنسان في تصوره وإحساسه مشدودا إلى الله بحبل متين وليس مشدودا أدنى شد لأي اعتبار من الاعتبارات أو جهة من الجهات . وهذا هو الأصل الأكبر الذي ينبني عليه هذا الدين . وهو دين شامل ومتسع وكبير يقوم أول ما يقوم على العقيدة المتينة الصلبة التي تضرب بجذورها في أعماق الكينونة البشرية .

أما الحقيقة المكلمة الثانية فهي العمل ، وذلك في وقوله : { وهو محسن } وذلك تعبير يتسم بالشمول والمرونة . فإنه يندرج في مفهوم الإحسان كل وجوه الخير والعمل النافع المثمر . فتلكما حقيقتان وهما الإيمان والعمل المشروع يفضيان إلى استحقاق المرء من الله أجرا كريما . وله بعد ذلك ألا يخاف وألا يحزن { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وخير ما جاء في تفسير ذلك أن المؤمن لدى مفارقته الدنيا لسوف يكون آمنا مطمئنا ؛ فهو لا يحيق به خوف مما يواجهه بعد الموت من أهوال وشدائد ، وهو كذلك لا يمسه الحزن أسفا على الحياة عند الفراق . وذلك لعمر الحق عطاء جزيل يمتنّ الله به على العبد المؤمن ، وهو عطاء لا يتصوره الإنسان إلا عند معاينته الموت ، فيدرك عظمة الخير المقدر في أحلك الساعات وأشدها عسرا . وهو كذلك يتصوره المؤمن وهو يتدبر آيات الله تتحدث عن عرصات يوم القيامة وأهوالها ، وما يستقبله بعد الموت من بلايا وثبور وعظائم الأمور .