تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

3 - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُون

لاهية قلوبهم : غافلة قلوبهم عن ذكر الله .

النجوى : التناجي ، والمراد : أنهم أخفوا تناجيهم ولم يتناجوا بمرأى من غيرهم .

لقد أعرضوا عن القرآن وشغلهم اللهو والمجون ، فقلوبهم لاهية عن الآخرة والمعاد والقرآن ، مشغولة بالفساد والضلال ، وترى أهل الباطل يتناجون سرًّا في تدبير الكيد لأصحاب الحق .

وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ .

أي : تفاوضوا سرًّا ، وأسروا التناجي ، وتدبير المكر السيء ، قائلين في تناجيهم :

هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ .

إن محمدًا ليس ملكا ، وإنما هو إنسان كسائر الناس ، لا فضل له ولا مزية ، وما يقدمه هو سحر .

أَفَََتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ .

أي : أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر ، وهو يعلم أنه سحر .

وخلاصة ذلك : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين :

1 – أن الرسول لا يكون إلا ملكا .

2 – أن الذي يظهر على يديه من قبيل السحر .

وقد رد القرآن الكريم عليهم في أكثر من موضع ، مبينا : أن الرسول إلى البشر يجب أن يكون بشرا مثلهم ، وأن محمدا ليس ساحرا ، وإنما عدم الإيمان بالله تعالى هو الذي يحملهم على تقوّل الأقاويل .

قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ . ( الأنعام : 9 ) .

وقال عز شأنه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى . . . . ( يوسف : 109 ) .

وقال تعالى : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً . ( الفرقان : 8 ، 9 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

( لاهية قلوبهم ) أي يستمعون وقلوبهم ذاهلة عنه ، مشغولة بزينة الحياة الدنيا وزهرتها الفانية الغرورة .

هكذا البشرية في غالبها ، لاهية تمام اللهو عن تدبر هذا الكتاب المعجز الحكيم . غافلة تمام الغفلة عن وعيه وإدراك ما حواه من جليل القيم والمبادئ وقواعد الحق والعدل ، وحميد الخصال والخلال . والقرآن بسوره المختلفة ، وآياته المثيرة ، وأسلوبه المذهب ، وروعته التي ملكت القلوب والألباب . هذا القرآن بكل ظواهره من الكمال والجمال ، يتلى في غالب الآناء ومختلف المجالات والأحوال ، لكن الناس يستمعون إليهم وهم غافلون لاهون ، مشدودون للدنيا وما حوته من إغراءات وشهوات وفتن .

قوله : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) ( الذين ) ، في موضع رفع على البدل من واو الجماعة في قوله : ( وأسروا ) وقيل : خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : هم الذين ظلموا . وقيل : فاعل أسروا . وذلك على لغة من قال : أكلوني البراغيث : وقيل : في موضع جر على أنه نعت للناس{[3016]} والمعنى : أن الذين ظلموا وهم المشركون- تناجوا فيما بينهم بالتكذيب قائلين خفية : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) يعنون بهذا رسول الله ( ص ) ؛ أي هل هذا الذي يدعوكم إلى دينه ورسالته التي جاء بها إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء . فهو يفعل ما تفعلون ، إذا يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق .

قوله : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) قالوا على سبيل الإنكار التوبيخي : أتجيئون إلى محمد وتتبعونه وأنتم تعلمون أن ما جاء به سحر ، أو تتبعونه وأنتم تعلمون أنه إنسان مثلكم{[3017]} .


[3016]:- البيان لابن الأنباري جـ 2، ص 158.
[3017]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 173، وتفسير النسفي جـ3 ص 72.