تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

90

المفردات :

الأنكاث : واحدها نكث ، وهو ما ينكث قتله وينقض بعد غزله .

الغزل : ما غزل من صوف و نحوه .

القوة : الأبرام والأحكام .

التفسير :

{ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } .

الدخل : المكر والخديعة والغش .

قال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن : الدخل : كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدغل ، وعن الدعوة في النسب . . ومنه قيل : شجرة مدخولة أي : ليست من جنس الأشجار التي حولها . اه .

أربى : أي : أكثر وأوفر عددا .

قال ابن كثير :

هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، تجمع جواريها وتأمرهم بالغزل أول النهار إلى الظهر ، ثم تأمرهم بنقض الغزل بعد إبرامه ، فضرب الله بها المثل في من ينقض الأيمان ويحنث فيها بعد إبرامها .

والمعنى :

لا تنقضوا عهودكم ، مشبهين لامرأة حمقاء ، تنقض غزلها من بعد إحكامه ، فالعاقل يستمر عهده وفي بنائه ، ولا ينقض عهده ولا يهدم بنيانه ، وقريب من هذا المعنى قول الشاعر :

هجوت زبان ثم جئت معتذرا *** من هجو زبان لم تهج ولم تدع

يقال : نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل إذا نقضه ونبذه ومنه قوله تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه }( الفتح : 10 ) .

أي : لا تتركوا عهودكم المبرمة منقوضة منكوثة محلولة ، فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وينكث في عهده ، ولا يفي بل يغدر وينقض .

{ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } . أي : تبرمون العقود لا بنية الوفاء ، بل بنية المكر والخديعة والغش ، فينقضون العهد إذا لاحت في الأفق مصلحة أوفر ، أو غنيمة أكثر ، أو قبيلة أوفر عددا من القبيلة التي تعاقدوا معها ، فبين الله لهم : أن الوفاء نور أبلج ، وأن التزام أمر الله بالوفاء أولى من اتباع المصلحة ، والسير وراء النزوات العارضة ، وقد نزلت هذه الآية في العرب ، الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها ، غدرت الأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فأدبهم القرآن بأدبه ؛ حتى لا ينقضوا العهود ، من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا .

وقال ابن كثير :

كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجحدون أكثر منهم وأعز ؛ فينقضون حلف هؤلاء ، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ذلك .

{ إنما يبلوكم الله به } . إنما يختبركم الله بظهور قوم أكثر أو أعز أمامكم ؛ ليظهر مدى إيمانكم وتمسككم بالعهود ، وطاعتكم لأمر الله ؟ هل توفون بالعهود امتثالا لأمر الله أم تنقضون طلبا لمغنم دنيوي ؟ .

{ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } . فيجازي أهل الحق بالثواب ، ويجازي أهل الباطل بالعقاب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

ثم ضرب الله مثلاً لنقض العهد فقال : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة } ، أي : من بعد غزله وإحكامه . قال الكلبي ، و مقاتل : هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش ، يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد ابن كعب بن زيد مناة بن تميم ، وتلقب بجعر ، وكانت بها وسوسة ، وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع ، وصنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة ، على قدرها ، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر ، وتأمر جواريها بذلك ، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار ، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها . ومعناه : أنها لم تكف عن العمل ، ولا حين عملت كفت عن النقض ، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد ، لا كففتم عن العهد ، ولا حين عاهدتم وفيتم به . { أنكاثاً } ، يعني : أنقاضاً ، واحدها نكث ، وهو ما نقض بعد الفتل ، غزلاً كان أو حبلاً . { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } ، أي : دخلاً وخيانة وخديعة ، والدخل ما يدخل في الشيء للفساد . وقيل : الدخل و الدغل : أن يظهر الوفاء ويبطن النقض . { أن تكون } ، أي : لأن تكون { أمة هي أربى } أي : أكثر وأعلى ، { من أمة } قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء ، فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر ، فمعناه : طلبتم العز بنقض العهد ، بأن كانت أمة أكثر من أمة . فنهاهم الله عن ذلك . { إنما يبلوكم الله به } ، يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، في الدنيا .