تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

وبعد ان أمر الله المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير وذكرهم بأهوال يوم القيامة أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده سبحانه وتعالى فبينت كمال سلطانه وشمول علمه وسابغ نعمه على خلقه استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق عز وجل بأكمل الصفات وأعظمها فيقول :

{ الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظها وهو العلي العظيم }

قال بعضهم هذه آية الكرسي أفضل آية ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتاها أكثر منه على غيرها من الآيات هذا هو التحقيق في فضل بعض الآيات القرآنية على بعض وإنما كانت أفضل أنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى ، جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة القرآن -أي أفضله- وهي آية الكرسي " ( 12 ) .

و قد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله تعالى :

255- الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

و لفظ الجلالة الله يقول العلماء إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله .

قال القرطبي : قوله تعالى هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى وأجمعها حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو- سبحانه- ( 13 ) .

و لفظ إِلَه قالوا إنه من أله نفسه يأله أي عبد فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو من أله أي تحير . . وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته سبحانه تحير فيها ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ( 14 ) .

و الحي أي الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت بعد الحياة وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والفناء .

و القيوم أي الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم والمعطي لهم ما به قوامهم وهو مبالغة في القيام " وأصله قيوم بوزن فيعول من قام بالأمر إذا حفظه ودبره " .

و المعنى : الله عز وجل هو الإله الحق المنفرد بالألوهية الذي لا يشاركه فيها سواه وهو المعبود بحق وكل معبود سواه باطل وهو ذو الحياة الكاملة وهو الدائم القيام بتدبير شؤون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم .

و الجملة الثالثة قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وهي جملة سلبية مؤكدة للوصف الإيجابي السابق فإن قيامه على كل نفس بما كسبت وعلى تدبير شؤون خلقه يقضي ألا تتعرض له غفلة ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو سبحانه مخالف لها .

و السنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك ويقال له غفوة يقال وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه سبحانه لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا ولا يحجب عمله شيء حجبا قصيرا أو طويلا ولا يدركه ما يدر ك الأجسام من الفتور أو النعاس أو النوم .

و تقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث نفي السنة يدل على نفي النوم بالأولى فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أي لا تأخذه سنة فضلا عن ان يأخذه نوم .

و في قوله : { لا تأخذه } دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذا وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهرا ولكنه سبحانه وهو القاهر فوق عباده منزه عن ذلك ومبرأ من ان يعتريه ما يعتري الحوادث .

و قوله سبحانه في الجملة الرابعة : { له ما في السموات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالالوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته وتعليل لاتصافه بالقيومية لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها .

والمراد بها فيهما ما هو اعم من جزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في الوجود من شمس وقمر وحيوان وجماد وغير ذلك من المخلوقات وصدرت الجملة بالجار والمجرور " له " لإفادة القصر أي ملك السموات والأرض له وحده وليس لأحد سواه شيء معه .

و الاستفهام في قوله في الجملة الخامسة : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } للنفي والإنكار أي لا أحد يستطيع أن يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه ورضاه قال تعالى : { و كم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم 26 ) .

و المقصود من هذه الجملة كما يقول الألوسي - بيان كبرياء شأنه- تعالى - وانه لا احد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله " ( 15 ) .

و قوله سبحانه في الجملة السادسة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود وبيان لشمول عمله على كل شيء .

و الضمير في أيديهم ، خلفهم يعود إلى ما في قوله قبل ذلك : { له ما في السموات وما في الأرض } وعبر بضمير الذكور العقلاء تغليبا جانبهم على جانب غير العقلاء .

والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يعرفونه من شؤونهم الدنيوية وما لا يعرفونه .

و قوله تعالى في الجملة السابعة : { و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } معطوف على قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } لأنه مكمل لمعناه ، والمراد بالعلم المعلوم والإحاطة بالشيء معناها العلم الكامل به .

أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته سبحانه إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله فهو كقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . . } ( الجن 26-27 ) .

فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله تعالى ولنقصان علم سواه إذ إن البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا لله رب العالمين .

ثم قال تعالى في الجملة الثامنة : { وسع كرسيه السموات والأرض } .

قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة اسم للشيء الذي يقعد عليه وهو في الأصل منسوب إلى الكرس أي الشيء المجتمع ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم . . وكل مجتمع من الشيء كرس . . " ( 16 ) .

و للعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكرسي في الجملة الكريمة .

فالسلف يقولون : إن الله تعالى كرسيا ، علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته لأن ذلك ليس في مقدور البشر .

و الخلف يقولون الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ونفوذ القدرة وسعة العلم وكمال الإحاطة .

ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك فقد قال رحمه الله وفي قوله : { وسع كرسيه } أربعة أوجه : أحدهما ان كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد . . .

و الثاني وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم .

و الثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك .

و الرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء وعن الحسن الكرسي هو العرش ( 17 ) .

هذا وقد ورى المفسرون عن ابن عباس أنه قال " كرسيه علمه " ( 18 ) ولعل تفسير الكرسي بالعلم كما قال حبر الامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال تعالى : { و لا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } يئوده معناه يثقله ويشق عليه يقال أدنى الأمر بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة .

العلي : هو المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد وعن إمارات النقص ودلالات الحدوث . وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة وعلو الشأن . . .

و المعنى ولا يثقله ولا يتبعه حفظ السموات والأرض ورعايتها وهو المتعالي عن الأشباه والنظائر المسيطر على خلقه العظيم في ذاته وصفاته ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته وعظيم رعايته لخلقه وتنزيهه سبحانه عن مشابه الحوادث .

و بعد فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل كل جملة منها تشتمل على وصف أو أثر من صفات الله الجليلة ونعوته المجيدة وألوهيته الحقة وقدرته النافذة وعمله المحيط بكل شيء قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة .

و قد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها وبلاغة تركيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد في فضلها ما ورد ؟ قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالهما على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العالمين فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار " .

و من الأحاديث التي ساقها الإمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال آية الكرسي فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم – " ليهنك العلم أبا المنذر " ( 19 ) .

و أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي " ( 20 ) .

و روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم على الناس فقال أيكم يخبرني بأعظم آية ؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . . الآية " ( 21 ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الزياتي ، أنا حميد بن زنجويه ، أنا ابن أبي شيبة ، أنا عبد الأعلى ، عن الجريري عن أبي السلسبيل عن عبد الله ابن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم ؟ قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قال : فضرب في صدري ثم قال : ليهنك العلم يا أبا المنذر ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني محتاج ولي عيال ولي حاجة شديدة قال : فخليت سبيله فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال : أما إنه قد كذبك وسيعود ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته ، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني فإني محتاج ولي عيال ولا أعود ، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال : لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله قال : أما إنه كذبك وسيعود ، فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ، ثم تعود قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت : ما هي ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال : ما هي ؟ قلت : قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وقال : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص الناس على الخير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قلت : لا قال ذاك الشيطان " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الزياتي ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا يحيى ، أخبرنا أبو معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حين يصبح آية الكرسي ، وآيتين من أول : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح " .

قوله عز وجل : " الله " رفع بالابتداء ، وخبره في " لا إله إلا هو الحي " الباقي الدائم على الأبد ، وهو من له الحياة ، والحياة صفة الله تعالى " القيوم " قرأ عمر وابن مسعود " القيام " وقرأ علقمة " القيم " وكلها لغات بمعنى واحد ، قال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء ، قال الكلبي : القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور . وقال أبو عبيدة : الذي لا يزول .

قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } . السنة : النعاس وهو النوم الخفيف ، والوسنان بين النائم واليقظان ، يقال منه وسن يسن وسناً وسنة ، والنوم : هو الثقيل المزيل للقوة والعقل ، قال المفضل الضبي : السنة في الرأس والنوم في القلب ، فالسنة أول النوم وهو النعاس ، وقيل : السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء ، نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا محمد بن جعفر ، أخبرنا علي بن حرب ، أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، ولكنه يخفض القسط ، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال : حجابه النار .

قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الأرض } . ملكاً وخلقاً .

قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } . بأمره .

قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } . قال مجاهد وعطاء والسدي : ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، وما خلفهم من أمر الآخرة ، وقال الكلبي : ما بين أيديهم يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها ، وما خلفهم من الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم ، وقال ابن جريج : { ما بين أيديهم } ما مضى أمامهم { وما خلفهم } ما يكون بعدهم ، وقال مقاتل : ( ما بين أيديهم ) ، ما كان قبل خلق الملائكة { وما خلفهم } أي ما كان بعد خلقهم ، وقيل : { ما بين أيديهم } أي ما قدموه من خير أو وشر وما خلفهم ما هم فاعلوه .

قوله تعالى : { ولا يحيطون بشيء من علمه } . أي من علم الله .

قوله تعالى : { إلا بما شاء } . أي يطلعهم عليه ، يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) .

قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والأرض } . أي ملأ وأحاط بهما ، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن : هو العرش نفسه ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله : { وسع كرسيه السماوات والأرض } أي سعته مثل سعة السماوات والأرض ، وفي الأخبار أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة ، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة .

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السماوات السبع ، والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس ، وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع ، وهو بين يدي العرش ، ويحمل الكرسي أربعة أملاك ، لكل ملك أربعة وجوه ، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام ، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الأنعام ، وهو الثور ، وهو يسأل للإنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل ، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة ، وملك على صورة سيد الطير ، وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة " .

وفي بعض الأخبار : أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة ، وسبعين حجاباً من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ، لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش . ذ

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد بالكرسي علمه ، وهو قول مجاهد ، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة ، وقيل : كرسيه ملكه وسلطانه ، والعرب تسمى الملك القديم كرسياً .

قوله تعالى : { ولا يؤوده } . أي لا يثقله ولا يشق عليه يقال : آدني الشي أي أثقلني .

قوله تعالى : { حفظهما } . أي حفظ السماوات والأرض .

قوله تعالى : { وهو العلي } . الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشباه والأنداد ، وقيل العلي بالملك والسلطنة .

قوله تعالى : { العظيم } . الكبير الذي لا شيء أعظم منه .