تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا} (79)

المفردات :

شهيدا : شاهدا على صدق رسالتك ، أو مطلعا بصيرا .

التفسير :

79- مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ . . . الآية .

قررت الآية السابقة أن كل ما يقع في الكون فهو بإرادة الله العليا ، وقضائه و قدره .

ونحن نؤمن بالقضاء والقدر ، ونؤمن بأن بيد الله الخلق والأمر ، ومع هذا فإن للعبد كسبا واختيارا ، وإرادة محدودة مسئولة . والجمع بين إرادة الله ، وإرادة العبد يحتاج إلى شيء من الانحناء والتسليم .

فبالنسبة لأحداث الكون كلها فهي من عند الله ، وبحكمته وبالنسبة لأعمال الإنسان ، فهو إذا اختار طريق الهدى ؛ أعانه الله عليه وسدد خطاه ، وإذا اختار طريق الضلال ؛ سلب الله عنه الهدى ، ووكله إلى نفسه فكان هو السبب فيما يصيبه من بلاء في الدنيا أو عذاب في الآخرة .

فالآية الثانية مختلفة عن الآية الأولى :

الآية الأولى : تشير إلى أن كل ما يقع في الكون بإذن الله ، والآية الثانية : تشير إلى أن العبد إذا أطاع الله ؛ أيده الله بتوفيقه ، وإذا عصاه وكله الله إلى نفسه .

قال الزمخشري :

ما أصابك . يا إنسان : خطابا عاما من حسنة . أي : من نعمة وإحسان فمن الله . تفضيلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا .

وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ . أي : من بلية ومصيبة فمن عندك ؛ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك ، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ . ( الشورى : 30 )وعن عائشة رضي الله عنها : ''ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ، حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر'' {[22]} .

وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً . أي : رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم أنت رسول العرب والعجم ، كقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ . ( سبأ : 28 ) وقال تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا . ( الأعراف : 158 ) .

وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا . على صدق رسالتك ، وأنك أبلغت ما أنزل الله عليك ، وأديت واجبك أكمل أداء ، بإخلاص ويقين : تبشر الناس وتنذرهم ، والله تعالى خير شهيد على ذلك .

وفي تقرير رسالته صلى الله عليه وسلم تطمين لقلبه وتقوية لعزمه ، كما أن فيه زيادة كبت لهم ، وتأكيد لجهلهم ، وعدم فقههم .


[22]:ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب: رواه البخاري في المرضى باب: ما جاء في كفارة المرضى (5317) ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (2572) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). ورواه البخاري فيما تقدم (5318) عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما يصيب المسلم،من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن وأذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). رواه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة النساء (5029) عن أبي هريرة قال: لما نزلت {من يعمل سوءا يجز به}، شق ذلك على المسلمين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قاربوا وسددوا. وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها" هذا حديث حسن غريب.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا} (79)

قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة } ، خير ونعمة .

قوله تعالى : { فمن الله وما أصابك من سيئة } ، بلية أو أمر تكرهه .

قوله تعالى : { فمن نفسك } ، أي : بذنوبك ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد غيره ، نظيره قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } [ الشورى :30 ] وتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية ، فقالوا : نفى الله تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد فقال : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ، ولا متعلق لهم فيه ، لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ، ولا سيئاته من الطاعات والمعاصي ، بل المراد منهم ما يصيبهم من النعم والمحن ، وذلك ليس من فعلهم ، بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم ، فقال :{ ما أصابك } ولا يقال في الطاعة والمعصية ( أصابني ) ، إنما يقال : " أصبتها " ، ويقال في المحن : " أصابني " ، بدليل أنه لم يذكر عليه ثواباً ولا عقاباً ، فهو كقوله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } [ الأعراف :131 ] ، فلما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه ، ووعد عليها الثواب ، والعقاب ، فقال{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [ الأنعام :16 ] . وقيل : معنى الآية : ما أصابك من حسنة من النصر ، والظفر يوم بدر فمن الله ، أي : من فضل الله ، وما أصابك من سيئة من القتل ، والهزيمة ، يوم أحد فمن نفسك ، أي : يعني : فبذنوب أصحابك ، وهو مخالفتهم لك ، فإن قيل : كيف وجه الجمع بين قوله { قل كل من عند الله } وبين قوله { فمن نفسك } قيل : قوله { قل كل من عند الله } أي : الخصب ، والجدب ، والنصر ، والهزيمة ، كلها من عند الله . وقوله : { فمن نفسك } أي : وما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك ، عقوبةً لك ، كما قال الله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } [ الشورى :30 ] يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قرأ { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وأنا كتبتها عليك . وقال بعضهم : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والقول فيه مضمر تقديره : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ، يقولون : { ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك }{ قل كل من عند الله } قوله تعالى : { وأرسلناك } ، يا محمد .

قوله تعالى : { للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً } على إرسالك ، وصدقك ، وقيل : كفى بالله شهيداً على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى .