الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا} (79)

قوله تعالى : { مَّآ أَصَابَك } : في " ما " هذه قولان ، أحدهما : أنها شرطيةٌ وهو قول أبي البقاء وضَعَّف أن تكونَ موصولةً قال : " ولا يَحْسُن أن تكونَ بمعنى الذي ؛ لأنَّ ذلك يقتضي أن يكون المصيبُ لهم ماضياً مخصَّصاً ، والمعنى على العمومِ والشرطيةُ أشبهُ ، والمرادُ بالآيةِ الخِصْب والجَدْب ولذلك لم يَقُلْ : ما أصبت " ، انتهى . يعني أنَّ بعضَهم يقول : إنَّ المرادَ بالحسنة الطاعةُ وبالسيئةِ المعصيةُ ، ولو كان هذا مراداً لقال : " ما أصَبْتَ " لأنه الفاعلُ للحسنةِ والسيئة جميعاً ، فلا تضاف إليه إلا بفعلِه لهما . والثاني : أنها موصولةٌ بمعنى الذي وإليه ذهب مكي ، ومَنَع أن تكونَ شرطية قال : " وليسَتْ للشرطِ لأنها نزلت في شيءٍ بعينه وهو الجّدْب والخِصْب والشرطُ لا يكون إلا مبهماً ، يجوزُ أَنْ يقع وألاَّ يقعَ ، وإنما دخلت الفاءُ للإِبهام الذي في " الذي " مع أن صلتَه فعلٌ ، فدلَّ ذلك على أنَّ الآيةَ ليست في المعاصي والطاعات كما قال أهلُ الزَّيْغ ، وأيضاً فإنَّ اللفظَ " ما أصابَك " ولم يقل " ما أَصَبْتَ " انتهى . والأولُ أظهرُ ؛ لأنَّ الشرطيةَ أصلٌ في الإِبهام - كما ذكر أبو البقاء - والموصولةُ فبالحمل عليها . وقولُ مكيّ : " لأنها نَزَلَتْ في شيء بعينه " هذا يقتضي ألاَّ يُشَبَّه الموصولُ بالشرطِ ؛ لأنه لا يُشَبَّه به حتى يرادَ به الإِبهامُ لا شيءَ بعينه ، وإلاَّ فمتى أُريد به شيءٌ بعينه لم يُشَبَّه بالشرط فلم تَدْخُلِ الفاءُ في خبره ، نَصَّ النحويون على ذلك ، وفي المسألةِ خلافٌ منتشر ، ليس هذا موضعَه . فعلى الأول " أصابَك " في محلِّ جزم بالشرط ، وعلى الثاني لا مَحَلَّ له لأنه صلة .

و " من حسنةٍ " الكلامُ فيه كالكلامِ في قوله : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } [ البقرة : 106 ] وقد تقدَّم والفاءُ في " فَمِنَ الله " جوابُ الشرط على الأولِ وزائدةٌ على الثاني ، والجارُّ بعدها خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديرُه : فهو من الله ، والجملةُ : إمَّا في محلِّ جزمٍ أو رفعٍ على حَسَبِ القولين . واخُتِلفَ في كافِ الخطاب : فقيل : المرادُ كلُّ أحدٍ ، وقيل : الرسول والمرادُ أمتُه : وقيل : الفريقُ في قولِه " إذا فريقٌ " وذلك لأن " فريقاً " اسمُ جمعٍ فله لفظٌ ومعنىً ، فراعَى لفظَه فَأَفْرَدَ ، كقوله :

تفرَّق أهلانا بِبَيْنٍ فمنهمُ *** فريقٌ أقامَ واستقلَّ فريقُ

وقيل في قوله { فَمِن نَّفْسِكَ } : إنَّ همزةَ الاستفهام محذوفةٌ تقديرُه : أفمِنْ نفسِك ، وهو كثير كقوله تعالى : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا } [ الشعراء : 22 ] وقوله تعالى : { بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي } [ الأنعام : 77 ] ومنه :

رَفَوْني وقالوا : يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ *** فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ

وقوله :

أفرحُ أَنْ أُرْزَأ الكرامَ وأنْ *** أُورَثَ ذَوْدَاً شَصائِصاً نَبْلاً

تقديره : وأتلك ، وأهذا ربي ، وأهمُ هُم ، وأأفرحُ " وهذا لم يُجِزْه من النحاة إلا الأخفشُ ، وأمَّا غيره فلم يُجِزْه إلا قبل " أم " كقوله :

لَعَمْرُكَ ما أدري وإنْ كنت ؟ُ دارِياً *** بسبعِ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمانِ

وقيل : ثَمَّ قولٌ مقدر أي : لا يكادونَ يَفْقهون حديثاً يقولون : ما أصابك .

وقرأت عائشة : " فَمَنْ نفسُك " بفتح ميم " من " ورفع السين ، على الابتداء والخبر ، أي : أيُّ شيءٍ نفسُك حتى يُنْسَب إليها فِعْلٌ ؟ قوله : " رسولاً فيه وجهان ، أحدهما : أنه حال مؤكدة والثاني : أنه مصدر مؤكِّدٌ بمعنى إرسال ، ومن مجيء " رسول " مصدراً قوله :

لقد كَذَبَ الواشون ما بُحْتُ عندهم *** بِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ

أي بإرسال ، بمعنى رسالة . و " للناس " يتعلق ب " أرسلناك " واللام للعلة . وأجاز أبو البقاء أن يكونَ حالاً من " رسولاً " كأنه جَعَله في الأصل صفةً للنكرة فَقُدِّم عليها ، وفيه نظر .