قدم صدق عند ربهم : مكانة سابقة محققة في حسن الجزاء عند ربهم في الجنة والقدم والقدمة بضم فسكون : السابقة في الآمر .
لساحر مبين : أي : لساحر بين السحر واضحه : كذا قال الكافرون وهم كاذبون .
2 { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس . . . } الآية .
أخرج ابن جرير : عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمدا رسولا ، أنكرت العرب ذلك فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فأنزل الله : { أكان للناس عجبا . . . } . الآية وأنزل : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا . . . } الآية . ( يوسف : 109 ) .
فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } . ( الزخرف : 31 ) ؛ يعنون : الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف ، فأنزل الله ردا عليهم : { أهم يقسمون رحمة ربك . . . } الآية . ( الزخرف : 32 ) .
المعنى : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ؛ أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم ، يعرفهم ويعرفونه ؛ لكي يبلغهم الدين الحق أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية ؟ !
إن الذي يدعو إلى العجب حقا ، هو ما تعجبوا منه ؛ لأن الله جل جلاله اقتضت حكمته أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس المرسل إليهم ؛ لأن كل جنس يأنس إلى جنسه وينفر من غيره ، وقد عجبوا أن يكون الرسول بشرا لا ملكا ، فقال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } . ( الأنعام : 9 ) .
كما سخروا من اليتيم الفقير ، وقالوا : أما وجد الله من يرسله رسولا سوى يتيم أبي طالب ، وقد بين الله سبحانه أنه أعلم حيث يجعل رسالته ؛ فالله يصطفي للرسالة من هو أقدر على حملها ؛ بخلقه وقوته النفسية والمعنوية ، وما يتمتع به من صبر واحتمال ، وشجاعة وإخلاص ، وهذه صفات لا يقتصر توافرها على الأغنياء والوجهاء ، بل إن نعم الله موزعة على جميع خلقه ، فرب فقير بلغ القمة في مكارم أخلاقه ، قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } . ( القلم : 4 ) ، ورب غنى ليس أهلا لتحمل أعباء الرسالة ؛ لأنه عنيد مكابر ، قال تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا . . . } ( المدثر : 1112 ) .
وقال تعالى مخاطبا رسوله الكريم : { ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى . . . } ( الضحى : 58 ) .
{ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } . أي : لا ينبغي أن يعجب الناس من اختيار الله لمحمد رسولا ؛ لينذر أهل مكة ، ويبشر المؤمنين بأن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاء عند ربهم ؛ فالنبوة للبشر لا للملائكة ، والتفاوت بين الناس ، ليس بالمال ، بل بالعقل والكمال والاستقامة .
{ قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } . أي : لا يملك الضعيف أو الخاسر المفلس ، سوى الاتهام الرخيص الكاذب الذي لا فائدة منه ؛ لذلك قال الكافرون : إن محمدا لساحر ظاهر السحر ، أو إن القرآن لسحر مبين .
ووصف القرآن بأنه سحر يدل على عظم محل القرآن عندهم ، وكونه معجزا ، وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام الذي ذكروه في معرض الذم ، على ما يظهر ، وأرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ؛ ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، أو ذكروه في معرض المدح ، وأرادوا به : أنه لكمال فصاحته ، وتعذر جار مجرى السحر .
ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيماً - موجباً لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر ، كان ذلك موضع أن يقال : ما كان حال من تلي عليهم ؟ فقيل : لم يؤمنوا ، فقيل : ماشبهتهم ؟ هل قدروا على معارضته والطعن في حكمته ؟ فقيل :لا ! بل تعجبوا من إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم وليس بأكثرهم مالاً ولا {[37538]}بأقدمهم سناً{[37539]} ، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى إنكاراً عليهم . فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك ، وهل مثل{[37540]} ذلك محل العجب ! { أكان } أي بوجه من الوجوه{[37541]} { للناس عجباً }{[37542]} أي الذين فيهم أهلية التحرك {[37543]}إلى المعالي{[37544]} ، والعجب : تغير النفس بما لا يعرف{[37545]} سببه مما خرج عن العادة ؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم " كان " فقال بعد ما حصل لهم{[37546]} شوق إليه : { أن أوحينا } أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين{[37547]} { إلى رجل } أي هو{[37548]} في غاية الرجولية ، وهو مع ذلك { منهم } بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم المُلك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء .
ولما كان في{[37549]} الإيحاء معنى القول ، فسره بقوله { أن أنذر الناس } أي عامة ، وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة ، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا أصلاً أو إيماناً خالصاً ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات { وبشر } أي خص { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقاً لدعواهم له{[37550]} الصالحات ، أي من الأعمال اللسانية وغيرها ، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع وعتاب{[37551]} العاصي ، والإنذار : الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه ، والتبشير : التعريف بما فيه السرور ، وأضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلاً لفعل{[37552]} البشارة إلى المبشر به دون حرف جر : { أن لهم } أي خاصة { قدم صدق } أي أعمالاً حقة ثابتة قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام ، وزاد في البشارة بقوله{[37553]} : { عند ربهم } ففي إضافة القدم{[37554]} تنبيه{[37555]} على أنه يجب أن يخلص{[37556]} له{[37557]} الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب ، وفي التعبير بصفة{[37558]} الإحسان إشارة إلى المضاعفة .
ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق{[37559]} العادة ، انتفى أن يكون عجباً من هذه الجهة ، فصار المحل قابلاً لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين أظهروا العجب ؟ ومن أيّ وجه رأوه عجباً ؟ فقيل : { قال الكافرون } أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم{[37560]} مؤكدين ما يحق{[37561]} لقولهم من الإنكار { إن هذا } أي القول وما تضمنه من الإخبار بما{[37562]} لا يعرف من البعث وغيره { لسحر } أي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي{[37563]} { مبين* } أي ظاهر في نفسه ، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك ، فجاؤوا{[37564]}بما هو في غاية البعد عن وصفه ، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه{[37565]} تمويهاً لا حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلاَ عن أن يمتطي{[37566]} الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمراً متناقضاً ، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر ، وأنهم عاجزون عنه ، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به ، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر{[37567]} لأن الآتي به{[37568]} منهم لم{[37569]} يفارقهم قط وما خالط عالماً لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة ، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد ،
قوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } الهمزة للاستفهام الإنكاري . والمصدر من { أن أوحينا } اسم كان . وخبرها { عجبا } {[1934]} والمراد بالناس : الكافرون من العرب ؛ فقد ذكر عن ابن عباس قوله في ذلك : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ؛ فأنزل الله الآية .
وقوله : { إلى رجل منهم } أي بشر من جنسهم ومن مشاهيرهم يعرفونه حق المعرفة في صدقه وشرفه وعظيم خلقه . والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الضالين جعلوا من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أعجوبة يتعجبون منها ويجعلونه لهم موضع استنكار واستسخار . لا جرم أنهم هم موضع الزراية والسفاهة . فهل في بعث رجل كريم من جنسهم ومشاهيرهم لإرشادهم وهدايتهم ما يثير مثل هذا الإنكار والتعجيب لولا أنهم هم الجاهلون والضالون والحمقى ؟ !
قوله : { أنا أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } { أن } ، تفسيرية ، أو مصدرية ؛ أي إنذار الناس . أي أخبر الناس بما يخوفهم عواقب الإدبار والنكول عن الإيمان . { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } أطلقت القدم على السبق على سبيل المجاز . والمراد به الشرف والتقدم نحو الرفيع من المنازل .
وقيل : المراد بقدم الصدق : شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : السعادة السابقة للمؤمنين من هذه الأمة في اللوح المحفوظ .
قوله : { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } لما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبشرهم بادر المشركون من العرب بالقول { إن هذا لساحر مبين } والإشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو في زعمهم المريض ووهمهم الباطل ساحر ظاهر ، قد فرق شملهم وجال بين القريب منهم وقريبه . وهذا إشعار بعجز العرب عن مضاهاة القرآن أو معارضته أو اصطناع شيء مثله . فما وجدوا بعد ذلك سبيلا يسلكونه أو ذريعة يستمسكون بها للنيل من القرآن والطعن فيه إلا أن قالوا : إن محمدا لساحر وأن ما جاءهم به سحر . لا جرم أن ذلك دليل أبلج على صدق هذا الكتاب الحكيم . وأنه معجز خارج عن طوق البشر بل إنه منزل من خالق الكائنات والقدر . وما دون ذلك من لغط ليس إلا الهذيان المتلجلج ، والإسفاف التافه المهين الذي ينحدر إليه الضالون المضلون من أعداء الإسلام في كل مكان وزمان{[1935]} .