تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (5)

{ * وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون5 } .

المفردات :

وإن تعجب : العجب والتعجب كلاهما يستعمل على وجهين : أحدهما : فيما يستحسن ويحمد ، والثاني : فيما يكره وينكر .

الأغلال : جمع غل بضم الغين . وهو طوق من حديد ، أو غيره يوضع في العنق أو في اليد ؛ فتشد به إلى العنق .

التفسير :

5 { وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا . . . } .

أنكر الكفار البعث والحشر والجزاء والحساب ، مع ما تقدم لهم من دلائل القدرة الإلهية ، التي تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي فغفلوا عن تقدير هذه القدرة ، وظنوا أن موت الإنسان ودفنه في التراب ، يصعب معه حياة الإنسان مرة أخرى .

والمعنى : وإن تعجب من تكذيب المشركين بأمر المعاد مع ما شاهدوه من دلائل قدرة الله تعالى . فعجب أشد منه قول المشركين :

{ أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد } . أي : إذا فنيت أجسامنا ، وتفتت عظامنا ، وبليت وتحللت أجسامنا ، فإن الإعادة والبعث في صورة خلق جديد أمر بعيد مستغرب ، ولو عقلوا ؛ لأدركوا أن قدرة الله على البدء متوفرة في الإعادة ؛ بل الإعادة أهون .

قال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه }( الروم : 27 ) .

من تفسير الكشاف للزمخشري :

{ وإن تعجب } . يا محمد من قولهم في إنكار البعث ؛ فقولهم عجيب ، حقيق بأن يتعجب منه ؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد من الفطر العظيمة ، ولم يعي بخلقهن ؛ كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره ؛ فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيبiv . وقد تكرر هذا الاستفهام في أحد عشر موضعا في تسع سور من القرآن الكريم ، في الرعد والإسراء والمؤمنون والنحل والعنكبوت ، والسجدة والصافات والواقعة والنازعات ، وكلها تتضمن كمال الإنكار وعظيم الاستبعاد ، مثل قوله تعالى : { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة* أئذا كنا عظاما نخرة* قالوا تلك إذا كرة خاسرة* فإنما هي زجرة واحدة* فإذا هم بالساهرة }( النازعات10 14 ) .

ومثل قوله تعالى : { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون* أو آباؤنا الأولون* قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم }( الواقعة : 47 50 ) .

ومثل قوله تعالى : { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا }( الإسراء : 49 ) .

وجوز بعضهم : أن يكون الخطاب لكل من يصلح له ، أي : وإن تعجب أيها العاقل بشيء ؛ فازدد تعجبا ممن ينكر قدرة الله على إحياء الموتى .

{ أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم } .

أي : هؤلاء المنكرون للبعث المستعبدون له ، هم الذين كفروا بربهم وخالقهم ، وجحدوا نعمه المتعددة ، ولم يتأملوا بعقولهم في أن من أوجدهم قادر على إعادتهم بعد الموت .

{ وأولئك الأغلال في أعناقهم } .

لقد حجّروا أنفسهم ، كأنما وضعوا قيودا في أيديهم وأعناقهم من الضلال ، تصدهم عن التأمل والتفكر وإتباع الحق ، كما قال القائل :

كيف الرشاد وقد خلقت في نفر لهم عن الرشد أغلال وأقياد

وقد يكون المعنى :

أولئك الذين توضع القيود والأغلال في أيديهم وأعناقهم يوم القيامة ؛ عندما يساقون إلى النار بذلة وقهر ؛ كما يقاد الأسير الذليل في القيد والغل .

قال تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون }( غافر : 72 ، 71 ) .

{ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

أي : وأولئك الملازمون للنار ، حتى كأنهم أصحابها ؛ من طول إقامتهم فيها ، وهم ملازمون لها لا يخرجون منها أبدا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (5)

ولما ثبت قطعاً بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي{[43496]} الطبائع{[43497]} اتحاده ، كان إنكار شيء من قدرته عجباً ، فقال عطفاً على قوله :

{ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[ هود : 17 ] مشيراً إلى أنهم يقولون : إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له { وإن تعجب } أي يوماً من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث { فعجب } عظيم لا تتناهى{[43498]} درجاته في العظم { قولهم } بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة{[43499]} بعظيم القدرة على كل شيء منكرين : { أإذا كنا تراباً } واختلط التراب الذي تحولنا{[43500]} إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز ، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانياً فقالوا : { أإنا لفي خلق جديد } هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون ، وهذا الاستفهام الثاني مفسر{[43501]} لما نصب الأول بما فيه من معنى { أنبعث{[43502]} } ، والعجب : تغير النفس بما خفي سببه عن العادة ، والجديد : المهيا بالقطع إلى التكوين قبل{[43503]} التصريف في الأعمال ، وأصل الصفة القطع ؛ قال الرماني : وقد قيل : لا خير فيمن{[43504]} لا يتعجب{[43505]} من العجب ، وأرذل منه من يتعجب{[43506]} من غير عجب{[43507]} - انتهى ، يعني : فالكفار تعجبوا من غير عجب : ومن تعجبهم{[43508]} فقد تعجب من العجب .

ولما كان هذا{[43509]} إنكار المحسوس من القدرة ، استحقوا ما يستحق من يطعن في{[43510]} ملك الملك{[43511]} ، فقال : { أولئك } أي الذين{[43512]} جمعوا أنواعاً من البعد مع كل خير { الذين كفروا بربهم } أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف ، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم { وأولئك } أي{[43513]} البعداء البغضاء { الأغلال } أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم ، ويقال لها : جوامع ، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها الناس ؛ ولما كان طرفا{[43514]} العنق غليظين ، فلا تكون{[43515]} إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط ، جعل الأعناق ظروفاً باعتبار أنها على بعض منها ، وذلك كناية عن ضيقها ، فقال : { في أعناقهم } أي{[43516]} بكفرهم وإن لم تكن الأغلال مشاهدة الآن ، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة ، وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده{[43517]} ، والغل : طوق تقيد{[43518]} به اليد في العنق ، وأصله : انغل في الشيء - إذا انتشب فيه ، وغل المال{[43519]} - إذا خان بانتشابه في المال{[43520]} الحرام { و{[43521]} أولئك } أي الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم { أصحاب النار } . ولما كانت الصحبة تقتضي الملازمة ، صرح بها فقال : { هم } أي خاصة { فيها } أي متمحضة لا يخلطها نعيم { خالدون * } أي ثابت{[43522]} خلودهم دائماً .


[43496]:من ظ، وفي الأصل و م ومد: يقتضي.
[43497]:زيد بعده في ظ: مع.
[43498]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: لا يتناهى.
[43499]:في ظ: القاطعة.
[43500]:في ظ: يحولنا.
[43501]:في ظ: تفسر.
[43502]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: البعث.
[43503]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: قيل.
[43504]:في مد: ليتعجب.
[43505]:في مد: ليتعجب.
[43506]:في ظ: بغير عجيب.
[43507]:في ظ: بغير عجيب.
[43508]:في ظ: عجبهم.
[43509]:سقط من ظ.
[43510]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تلك الملل- كذا.
[43511]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تلك الملل- كذا.
[43512]:في ظ: الذي.
[43513]:زيد من ظ و م ومد.
[43514]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ظرفا.
[43515]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فلا يكون.
[43516]:سقط من مد.
[43517]:في الأصول: فائدة- كذا.
[43518]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يغل.
[43519]:سقط من مد.
[43520]:زيد من ظ و م ومد.
[43521]:سقطت الواو من ظ.
[43522]:في ظ: ثابتا.