تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ} (2)

1

المفردات :

الروح : الوحي والرحمة .

من أمره : بأمره ومن أجله .

على من يشاء من عباده : الذين اصطفاهم للرسالة .

أن أنذروا : أي : خوفوا عبادي سطوتي وعقوبتي لهم على كفرهم .

أنه لا إله إلا أنا : لا إله إلا هو سبحانه ، ولا تصلح الألوهية إلا له .

فاتقون : أي خافوا عقابي ؛ لمخالفة أمري وعبادتي غيري .

التفسير :

{ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } .

سبحانه وتعالى ينزل الملائكة بالوحي والقرآن ، وهو روح القلوب وحياتها ، ينزل هذا الوحي بأمره وإرادته ، على من يصطفيهم من الأنبياء والمرسلين ، وهو سبحانه يختارهم بمعرفته وهو أعلم حيث يجعل رسالته .

{ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } .

أي : أنذروا عبادي : أن إله الخلق واحد لا إله إلا هو ، وأنه لا ينبغي الألوهية إلا له ، ولا يصح أن يعبد شيء سواه ، فاحذروه وأخلصوا له العبادة .

ويطلق الروح على جبريل عليه السلام ، وهو أمين الوحي ، ويطلق أيضا على القرآن الكريم . قال تعالى : { نزل به الروح الأمين*على قلبك لتكون من المنذرين }( الشعراء : 194 ، 193 ) .

وقال عز شأنه : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) .

وفي الآية إشارة إلى أن الوحي من الله تعالى إلى أنبيائه ، لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، وفي آخر سورة البقرة آيتان من قرأهما في ليلة ؛ كفتاه ، أي : كانتا له كفاية وحفظا من كل سوء ، وفيهما يبدأ الإيمان بالله ، ثم بالملائكة الذين يحملون وحي السماء ، ثم بالكتب المنزلة من الله ، كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، ثم بالرسل الذين نزلت عليهم هذه الكتب .

قال تعالى : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير*لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } ( البقرة : 285 ، 286 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ} (2)

ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص : شرك وغيره ، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق ، ولما كان الأمر أقدم وأعلى ، بدأ به ، ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي طلبوها في قولهم ( لو ما تأتينا بالملائكة }[ الحجر :7 ] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب على إنزالهم مجتمعين ، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل ، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح ، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضاً يطلبون به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر ، وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلاً بإنزال ولا غيره ، قال تعالى مشيراً إلى ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك ، وأن النبوة عطائية لا كسبية : { ينزل الملائكة } الذين هم الملأ الأعلى { بالروح } أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح { من أمره } الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي { ألا له الخلق والأمر } وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات ، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام ! { على ما يشاء من عباده } دون بعض ، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار ، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال : { أن أنذروا } أي الناس سطواتي ، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به ، بسبب { أنه لا إله إلا أنا } وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف ؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمراً بما هو أقصى كمال القوة العملية : { فاتقون * } أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي ، فإنه لا مانع مما أريد ، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به ، ومن علمته أهلاً لتلقي الروح منحته إياه .