أي أياما معينات بالعدد وهي أيام رمضان فالله لم يكن يفرض علينا صوم الدهر كله ولا أكثره تخفيفا ورحمة بالمكلفين : " ولو علم المؤمن فضل رمضان لتمنى أن يكون السنة كلها " .
{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر }
لقد شرع الله الإفطار للمريض والمسافر على سبيل الرخصة ، وهما بالخيار إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما ، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا : الصوم أفضل لمن قوي عليه .
والذي نراه أن الله تعالى قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر ، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج ، والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته وينتفي حيث تنتفي ، وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه ، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } . وإذا أيقن أو أغلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه ، واستفتاء قلبه .
والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر وأفطر ، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر .
روى الشيخان ومالك وأبو داود عن أنس ابن مالك قال : " كنا مع النبي صلى اله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلا الصائم يعيب على المفطر ولا المفطر يعيب على الصائم " ( 60 ) .
ومن صام وهو مريض أو مسافر فقد أدى الفريضة ، ومن أفطر وجب عليه القضاء .
وروى عن عائشة أن حمزة الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ، وفي رواية مسلم أنه أجابه بقوله : " هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " ( 61 ) .
وأكثر الأئمة كمالك وأبى حنيفة والشافعي على أن يصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق ، ويرى أحمد و الأوزاعي أن الفطر عملا بالرخصة .
{ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }
والذين يطيقون الصوم هم الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يجرى برء أمراضهم والعمال الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم من المناجم ، " والمجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة والحبلى والمرضع إذا خافتا على ولديهما ، فكل هؤلاء يفطرون وعليهم الفدية ، وهي إطعام مسكين من أوسط ما يطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة بقدر شبع المعتدل الأكل ، عن كل يوم يفطرونه " ( 62 ) .
ومعنى " يطيقونه " يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب ، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة ، والواسع اسم للقدرة على جهة السهولة .
قال الراغب : ( والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة ، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء ومنه : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . ( البقرة : 286 ) أي ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه : لا تحملنا مالا قدرة لنا به ) ( 3 ) .
والعرب لا تقول فلان أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر ، فلا يقال مثلا : فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد . وإنما يقال : هو يطيق حمل قنطار من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة .
وللعلماء أقوال كثيرة في المراد بقوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . أشهرها ثلاثة آراء .
الرأي الأول : أن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله تعالى بين الصوم وبين الفداء وكان ذلك في بدء لإسلام ، فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم ، فرخص لهم في الإفطار ، الفدية ثم نسخ ذلك وأوجب عليهم الصوم .
ويشهد لهذا القوم ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال :
لما نزلت هذه الآية : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . كان من أراد أن يفطر ويفتدى ، حتى نزلت الآية فنسختها( 64 ) .
الرأي الثاني : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية . . . }
ليس بمنسوخ بل هو محكم ، وأنه في شأن الشيخ الكبير الهرم والمرأة العجوز ، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطروا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون بما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا( 65 ) .
الرأي الثالث : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } .
ليس بمنسوخ أيضا بل هو محكم وأن معنى الآية عندهم : وعلى الذين يطيقونه ، أي يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا فعليهم أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا . ( بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من ثمر أو شعير أو قيمة ذلك ) ، ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز كما فعل أصحاب الرأي الثاني وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما وفي حكمهما ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية ، إذ إن الوسع اسم للمقدرة على الشيء على جهة السهولة ، والطاقة اسم للمقدر عليه مع الشدة والمشقة . كما يستدلون أيضا على ما ذهبوا إليه بقراءة ( يطيقونه )( 66 ) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية أي يتجشمونه ويتكلفونه بمشقة وتعب ، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأي بناء على أن منطوق الآية يؤيده .
كما انتصر بعضهم للرأي الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة تسانده ، وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس ، كما انتصر بعضهم للرأي الثاني الذي روى عنه أبن عباس .
أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له لأن الثواب عائد إليه ومنفعته له ، وهذا التطوع شامل لأصناف ثلاثة :
1- أن يزيد في الإطعام على مسكين واحد فيطعم بدل كل يوم مسكينين أو أكثر .
2- أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب .
{ وأن تصوموا خير لكم } أي وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه خير لكم من الفدية لما فيها من رياضة الجسد والنفس ومراقبة الله .
وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين ، لأن الله غني عن العالمين ، وما روى من قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس من البر الصوم في السفر " فقد خصص بمن يجهده الصوم ويشق عليه حتى يخاف الهلاك ،
ورد في هذه النبوة أنه " إذا جاء شهر رمضان ، فتحت أبواب الجنان ، وغلقت أبواب النيران ، ونادى منادي من قبل الله تعالى : يا طالب الخير أقبل ، ويا باغي الشر أدبر " ( 67 ) .
وقد أختص الله شهر رمضان بعدد من الفضائل والمزايا يمكن أن نذكر عشرا منها :
1 . فهو شهر أنزل الله فيه القرآن ، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .
2 . وهو شهر الصوم وفي الصيام صفاء النفس ، وخشوع القلب ومراقبة الله سبحانه تعالى
3 . وهو شهر الصبر والاحتمال وتربية الإرادة ، وخلق عادات إسلامية سليمة .
4 . وهو شهر الصدقة ، وصلة الرحم ، ففيه الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين . وفي الحديث : " كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل " .
5 . وفي السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى ، وهي أول معركة هامة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وكان انتصار المسلمين فيها نقطة تحول أساسية بدأت قوة المسلمين بعدها في النمو والازدياد .
6 . وفي 20 من رمضان سنة8ه تم فتح مكة وخضعت أم القرى ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ويعتبر فتح مكة من أهم الأمور التي اعتز بها الإسلام وتمكن بسببها من الصمود والانتشار .
7 . وفي رمضان ليلة القدر ، وهي ليلة مباركة يضاعف فيها الله الثواب ، ويجعل ثواب العبادة فيها خيرا من ثواب العبادة في ألف شهر ، فهي منحة إلهية ومكافأة ربانية وعطاء سماوي يكفأ به الصائمون المخلصون ، وقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يجتهد المسلمون في أواخره فيحصلوا على قدر كبير من الثواب والأجر .
8 . وفي شهر رمضان صلاة التراويح وهي عبارة عن صلاة عشرين ركعة بعد صلاة العشاء ويجوز أن تصلى ثمانية ركعات مع إطالة القراءة .
9 . وفي ختام رمضان يأتي عيد الفطر مكافأة للصائم الذي أرضى به وصام نهار رمضان وقام ليله فيكون الفرح والسرور في عيد الفطر جزاء عاجلا ، وله في الآخرة ثواب آجل
10 . وفي أعقاب رمضان يأتي صيام الأيام البيض . وهي ستة أيام من شهر شوال ، بمثابة مسك الختام لصيام رمضان .
وفي الحديث : " من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام السنة كلها " ( 68 ) . وقد ورد ذكر شهر رمضان في القرآن الكريم مرة واحدة في الآية 185 من سورة البقرة .
ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتاب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدم ، فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب { أياماً معدودات } {[7413]}أي قلائل مقدرة بعدد{[7414]} معلوم ابتداء{[7415]} ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة{[7416]} قدر انتهاء{[7417]} ، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب{[7418]} لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر ، وفي إعلامه{[7419]} إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة ، و{[7420]}في إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته{[7421]} رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع{[7422]} الفطر في ليلة {[7423]}رخصة للضعيف{[7424]} لا عزماً{[7425]} على الصائم ، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم ، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظاً من منال أوائل الأمم ثم يرقيها{[7426]} الله إلى حكم ما يخصها فتكون{[7427]} مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف . ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال ، قالوا : يا رسول الله ! إنك تواصل ! قال : " إني لست كهيئتكم{[7428]} " وقال : " من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر " قال الحرالي : فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل{[7429]} وجبة{[7430]} الفطر التي توافق{[7431]} حال أهل الكتاب ، إلى وجبة{[7432]} السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى . وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياماً ، ما{[7433]} يشهد{[7434]} لمن أباح ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . قال الحرالي : وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال{[7435]} {[7436]}كما سيأتي{[7437]} التصريح به ، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء .
ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى{[7438]} : { فمن كان منكم مريضاً } أي مرضاً يضره عاجلاً أو يزيد في علته آجلاً . قال الحرالي : فبقي على حكم التحمل بيقين مما{[7439]} يغذو المؤمن ويسقيه من{[7440]} غيب بركة{[7441]} الله سبحانه وتعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فللمؤمن{[7442]} غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله ، فعلى قدر ما تستمد{[7443]} بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة ، فكان فطر{[7444]} المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه .
ولما كان المرض وصفاً جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار يومه وليلته {[7445]}نسبة بين{[7446]} جسمانيين{[7447]} جاء بحرف الإضافة مفصولاً{[7448]} فقال : { أو على سفر } {[7449]}لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء{[7450]} لوفور نهضته{[7451]} في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ {[7452]}المسافر و{[7453]}متاعه على قلب{[7454]} إلا ما وقى الله " السفر قطعة من العذاب " وذلك لئلا يجتمع على العبد{[7455]} كلفتان فيتضاعف{[7456]} عليه المشقة ديناً ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه{[7457]} طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني { فعدة } نظمه يشعر أن المكتوب عدة { من أيام } أي متتابعة أو متفرقة{[7458]} { أخر } لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوساً وأطرافاً ، ففي{[7459]} إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم ، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير : فأفطر ، لأن المقصد{[7460]} معنى الكتب ويبقى{[7461]} ما دون الكتب على حكم تحمله ، فكأنه يقال للمريض{[7462]} والمسافر : مكتوبك أياماً أخر لا هذه الأيام ، فتبقى هذه الأيام{[7463]} خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع{[7464]} الصوم .
ولما كانوا قوماً لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة{[7465]} بهم تشريفاً لرسولهم صلى الله عليه وسلم ، قال مخيراً في أول الأمر : { وعلى الذين يطيقونه } أي الصوم ، من الطوق{[7466]} وهو ما يوضع{[7467]} في العنق حلية ، فيكون ما يستطيعه{[7468]} من{[7469]} الأفعال طوقاً{[7470]} له في المعنى { فدية{[7471]} طعام } بالإضافة أو الفصل { مسكين } بالإفراد إرجاعاً إلى اليوم الواحد ، وبالجمع{[7472]} إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد ، وهو مد أوحفنتان بالكفين هما قوت الحافن{[7473]} غداء وعشاء كفافاً لا إقتاراً{[7474]} ولا إسرافاً ، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر {[7475]}فهو ممراض بالنهمة{[7476]} كأنها حال مرض جبل عليه الطبع ، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض{[7477]} والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقاً وذينك غير مطيق أو غير متمكن ، و{[7478]} في إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه{[7479]} فحقه أن يغذو{[7480]} غيره ليقوم بذل الطعام عوضاً عن التماسك{[7481]} عن الطعام لمناسبة{[7482]} ما بين المعنيين لذلك{[7483]} ؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم { فمن تطوع خيراً{[7484]} } أي فزاد في الفدية { فهو خير له } لأنه فعل ما يدل على حبه{[7485]} لربه .
ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق{[7486]} الغيبة{[7487]} وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيراً عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذاناً بما له من الشرف على ذلك كله ترغيباً فيه وحضاً عليه فقال : { وأن تصوموا } أيها المطيقون { خير لكم } من الفدية وإن زادت
{[7488]} ، قال الحرالي : ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم{[7489]} الأجر في الآخرة ، كما أشار إليه الحديث القدسي{[7490]} : " كل عمل ابن آدم له{[7491]} إلا الصوم {[7492]}فإنه لي{[7493]} " وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالاً وإنفاقاً{[7494]} وسيراً وأحوالاً مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له ، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له ، فالصلاة مثلاً{[7495]} أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه ، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه{[7496]} أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن{[7497]} يعتدى عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل : إني صائم ، فليس{[7498]}جملة مقاصد{[7499]} الصوم من شأنه وحقيقته {[7500]}إذبال جسمه{[7501]} وإضعاف نفسه وإماتته ، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه{[7502]} بوجه ما ما{[7503]} جرى على يده خطأ من القتل ، فكان في الصوم تنقص{[7504]} ذات الصائم فلذلك قال تعالى : " فإنه لي " حين لم يكن من جنس عمل الآدمي ، قال سبحانه وتعالى : " وأنا أجزي به " ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كل ذلك في مضمون قوله{[7505]} { إن كنتم تعلمون{[7506]} * } انتهى . وجوابه {[7507]}والله سبحانه وتعالى أعلم : صمتم وتطوعتم ، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير{[7508]} لهم{[7509]} لم{[7510]} يفعلوا فلم يكن{[7511]} خيراً لهم . قال الحرالي : كان خيراً{[7512]} حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى . روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير{[7513]} ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي{[7514]} عن سلمة{[7515]} بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : لما نزلت { وعلى الذين يطيقونه } الآية كان من أراد أن{[7516]} يفطر ويفتدي حتى{[7517]} نزلت الآية {[7518]}التي بعدها فنسختها{[7519]} وفي رواية : حتى نزلت هذه الآية{[7520]}{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه }[ البقرة : 185 ] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم قالوا : أنزل { شهر رمضان } فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم من{[7521]} يطيقه {[7522]}ورخص{[7523]} لهم في ذلك فنسختها { وأن تصوموا خير لكم } فأمروا بالصوم .