56-{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين }
كان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه وذوي قرابته ، خصوصا عمه أبا طالب ، الذي بذل نفسه لحماية ابن أخيه والدفاع عنه ، حمية وعصبية لا من أجل العقيدة ، لقد كان أبو طالب صخرة تحطمت عليها أطماع قريش في النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذل الكثير من أجل حمايته والدفاع عنه ، وتحمل أبو طالب المقاطعة في شعب بني هاشم مع كبر سنه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية عمه إلى الإسلام ، ضنينا به أن يعذب في نار جهنم ، والله تعالى وحده يعلم من هو الشخص الذي سبقت له الهداية ، ومن هو الشخص الذي ختم على قلبه فلا يقبل الهداية ، فما أجل هذا الإسلام ، وما أعظم الهدف ، وما أسمى وأعدل الحكمة الإلهية ، ابن نوح عليه السلام يغرق مع الكافرين ، ويحاول أبوه أن يشفع له فيقول له الله تعالى : { قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [ هود : 46 ] .
وهنا يثوب نوح إلى الحقيقة الثابتة ، والعدالة الإلهية ، وهي أن كل إنسان بما كسب رهين ، فلا ينفع الإنسان علو درجة أقرب الناس إليه ، ولا يضره تهاوي أقرب الناس إليه ، وأمثلة ذلك كثيرة : إبراهيم عليه السلام دعا أباه للإسلام ، واعتزله واستغفر له ، ثم تبرأ منه عندما علم أنه عدو لله ، امرأة نوح وامرأة لوط خانتاهما فدخلتا النار ، امرأة فرعون أسلمت وآمنت وتحملت الآلام ، فجعلها الله مثلا أعلى للذين آمنوا .
وقد ثبت في الصحيحين : أن الآية نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الزهري : حدثني سعيد بن مسيب عن أبيه –وهو المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه- قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا عم ، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله )xxii فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعودان له بتلك المقالة ، حتى كان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك ) فأنزل الله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى . . } [ التوبة : 113 ] .
وأنزل في أبي طالب : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . . }
وروى الترمذي من حديث يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا عماه ، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة )xxiii فقال : لولا أن تعيرني بها قريش ، يقولون ما حمله عليها إلا جزع الموت ، لأقررت بها عينك ، لا أقولها إلا لأقر بها عينك ، فأنزل الله تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } .
وخالف في ذلك الشيعة ، وقالوا بإيمان أبي طالب ، وادعوا إجماع أئمة أهل البيت على ذلك .
{ إنك لا تهدي من أحببت } : أي هدايته كأبي طالب بأن يسلم ويحسن إسلامه .
قوله تعالى : { إنك لا تهدي . . . بالمهتدين } هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في إِسلامه لما له من سالفة في الوقوف إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ يحميه ويدافع عنه ؛ فلما حضرته الوفاة زاره النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الشهادتين ؛ فكان يقول له : " يا عم ؛ قل لا إله إلا الله ؛ كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة " . وكان حوله عواده من كفار قريش ومشائخها ؛ فكانوا ينهونه عن ذلك حتى قالوا له : أترغب عن دين أبائك ! أترغب عن ملة عبد المطلب أبيك ! حتى قال : هو على ملة عبد المطلب ؛ ومات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عن ذلك " ؛ فنهاه الله فلم يستغفر له بعد ، ونزلت هذه الآية كالعزاء له صلى الله عليه وسلم . فقال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت } هدايته يا نبينا { ولكن الله يهدي من يشاء } هدايته ؛ لعلمه أنه يطلب الهداية ، ولا يرغب عنها كما رغب عنها أبو طالب وأبو لهب وغيرهما . { وهو أعلم بالمهتدين } أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون .
- تقرير مبدأ لا هادي إلا الله . الهداية المنفية هي إنارة قلب العبد وتوفيق العبد للإِيمان وعمل الصالحات ، وترك الشرك والمعاصي . والهداية المثبتة : يقول الله تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } . تلك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد . ومنه : { ولكل قوم هاد } أي يدعوهم إلى الهدى .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الهداية منه وحده ، ورد على أقوال المشركين ، وبين سنة من سننه فى خلقه ، كما بين أن ما عنده - سبحانه - أفضل وأبقى من شهوات الدنيا وزينتها ؛ فقال - تعالى - : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي . . . } .
المعنى : { إِنَّكَ } - أيها الرسول الكريم - { لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } أي : لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد هدايته إليه .
{ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ } أي : ولكن الله - تعالى - وحده هو الذى يملك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان ؛ فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء ، وقلوب العباد تحت تصرفه - تعالى - يهدى من يشاء منها ويضل من يشاء ؛ على حسب مشيئته وحكمته التي تخفى على الناس .
{ وَهُوَ } - سبحانه - { أَعْلَمُ بالمهتدين } أي : بالقابلين للهداية المستعدين لها .
فبلّغ - أيها الرسول الكريم - ما كلفناك به ؛ ثم اترك بعد ذلك قلوب الناس إلى خالقهم ؛ فهو - سبحانه - الذي يصرفها كيف يشاء .
قال بعض العلماء : وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذا بصرامة هذا الدين واستقامته ؛ فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه والذائد عنه لا يكتب الله له الإيمان ؛ على شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشدة حب الرسول له أن يؤمن . ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة ؛ ولم يقصد إلى العقيدة . وقد علم الله منه ذلك فلم يقدر له ما كان يحبه له صلى الله عليه وسلم ويرجوه ؛ فأخرج هذا الأمر - أي الهداية - من خاصة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله خاصا بإرادته - سبحانه - وتقديره . وما على الرسول إلا البلاغ ، وما على الداعين بعده إلا النصيحة . والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد ، واستعدادهم للهدى والضلال .
قوله تعالى : { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } : هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني عبد مناف ؛ أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا . فقال عليه السلام : " يا عم ؛ تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك ! " . قال : " فما تريد يا ابن أخي ؟ " قال : " أريد منك كلمة واحدة ؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا : أن تقول لا إله إلا الله ؛ أشهد لك بها عند الله تعالى " . قال : يا ابن أخي ؛ قد علمت أنك صادق ؛ ولكني أكره أن يقال : جزع عند الموت . ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينك عند الفراق ؛ لما رأى من شدة وجدك ونصحك . ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ : عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف .
وفي رواية أنه لما مات ولم يؤمن اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : ما تنفع قرابة أبي طالب منك . فقال : " بلى ؛ والذي نفسي بيده إنه الساعة لفي ضحضاح من النار ؛ عليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه . وما من أهل النار من إنسان هو أهون عذابا منه " . والمراد بالآية : أنك يا محمد لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته ؛ ولكن الله يهدي من يشاء أن يهديه من خلقه بتوفيقه للإيمان . { وهو أعلم بالمهتدين } أي الله أعلم بمن سبق له في علمه أنه مهتد للحق والصواب{[3513]}