تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . هذا هو القرآن لا شك في نزوله من عند الله كما قال تعالى في سورة السجدة : { آلم( 1 ) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } ( السجدة : 1-2 ) . ( 10 )

هدى للمتقين : أي بيان لهم وإرشاد على ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم لما تضمنته آيات القرآن من العقائد والأحكام والأخلاق التي لا غاية وراءها » ( 11 ) .

والمتقون في هذه الآية هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم من الرشاد ، ووجدوا في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على اتقاء سخط الله تعالى ، والسعي في مرضاته بحسب ما وصل إليه علمهم وأداهم نظرهم واجتهادهم » ( 12 ) .

إن القرآن هداية لمن آمن بالله وأخلص نيته وفتح قلبه على القرآن عندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره ، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه مستقيما خائفا حساسا ، مهيأ للتلقي .

وقد عرف البعض التقوى بقولهم :

«هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل » ، وقيل التقوى هي : ذوبان الحشا لما سبق من الخطى . وورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبى بن كعب عن التقوى فقال له :

أما سلكت طريقا ذا شوك . . ؟ قال : بلى ، قال : فما عملت ؟ قال شمرت واجتهدت . قال : فذلك التقوى .

فالتقوى حساسية في الضمير ، وشفافية في الشعور ، ومراقبة لله ، واستقامة على الطريق القويم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

{ ذلك الكتاب } هو هنا القرآن ، وقيل : التوراة والإنجيل ، وقيل : اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله : { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } [ السجدة :2 ] يعني القرآن باتفاق ، وخبر { ذلك } : { لا ريب فيه } ، وقيل : خبره الكتاب فعلى هذا { ذلك الكتاب } جملة مستقلة فيوقف عليه .

{ لا ريب فيه } أي : لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق ، ولم يعتبر أهل الباطل ، وخبر لا ريب فيه ، فيوقف عليه ، وقيل : خبرها محذوف فيوقف على { لا ريب } والأول أرجح لتعينه في قوله : { لا ريب } في مواضع أخر ، فإن قيل : فهلا قدم قوله : { فيه } على { الريب } كقوله : { لا فيها غول } [ الصافات :47 ] ؟ فالجواب : أنه إنما قصد نفي الريب عنه . ولو قدم فيه : لكان إشارة إلى أن ثم كتاب آخر فيه ريب ، كما أن { لا فيها غول } إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر .

{ هدى } هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين ، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله : { هدى للناس } [ البقرة :185 ] وإعرابه خبر ابتداء أو مبتدأ وخبره فيه ، عندما يقف على { لا ريب } ، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة .

{ للمتقين } مفتعلين من التقوى ، وقد تقدم معناه في الكتاب ، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول :

الأول : في فضائلها المستنبطة من القرآن

وهي خمس عشرة : الهدى كقوله : { هدى للمتقين } .

والنصرة ، لقوله : { إن الله مع الذين اتقوا }[ النحل :128 ] .

والولاية لقوله : { الله ولي المتقين }[ الجاثية :19 ] .

والمحبة لقوله : { إن الله يحب المتقين } [ التوبة :4 ]

والمغفرة لقوله : { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا }[ الأنفال :29 ] .

والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }[ الطلاق :4 ] .

وتيسير الأمور لقوله : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }[ الطلاق :4 ] . وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله : { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا }[ الطلاق :5 ] .

وتقبل الأعمال لقوله : { إنما يتقبل الله من المتقين }[ المائدة :27 ] .

والفلاح لقوله : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } ][ البقرة :189 ] .

والبشرى لقوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }[ يونس :64 ] . ودخول الجنة لقوله : { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم }[ القلم :34 ] .

والنجاة من النار لقوله : { ثم ننجي الذين اتقوا }[ مريم :72 ] .

الفصل الثاني : في البواعث على التقوى

عشرة وهي :

خوف العقاب الأخروي .

وخوف [ العقاب ] الدنيوي .

ورجاء الثواب الدنيوي .

ورجاء الثواب الأخروي .

وخوف الحساب .

والحياء من نظر الله ، وهو مقام المراقبة .

والشكر على نعمه بطاعته .

والعلم لقوله : { إنما يخشى الله من عباده العلماء }[ فاطر :28 ] .

وتعظيم جلال الله ، وهو مقام الهيبة .

وصدق المحبة لقول القائل :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

ولله در القائل :

قالت وقد سألت عن حال عاشقها *** لله صفه ولا تنقص ولا تزد

فقلت لو كان يظن الموت من ظمأ *** وقلت قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث : في درجات التقوى

وهي خمس :

أن يتقي العبد الكفر ، وذلك مقام الإسلام .

وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة .

وأن يتقي الشبهات ، وهو مقام الورع .

وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد .

وأن يتقي حضور غير الله على قلبه ، وهو مقام المشاهدة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ} (2)

قوله : ( ذلك الكتاب( ( ذلك( اسم إشارة في موضع رفع مبتدأ ، وخبره ( الكتاب ( .

وقيل : ( الكتاب ( بدل من ذلك ، وقيل : صفته ، وخبر الإشارة ( لا ريب فيه ( يعني لاشك فيه فهو لوضوحه وسطوع برهانه لا يحتمل أيما ارتياب وأن ما يتجلى في القرآن من ظواهر في الإعجاز ينطق في يقين مكشوف أن هذا الكتاب منزل من عند الله فهو يعلو على الشبهات والظنون .

قوله : ( هدى للمتقين ( الهدى مصدر ومعناه الدلالة ، ويراد به الدلالة التي توصل إلى البغية ، وهو في مقابل الضلالة وهي الزلل والضياع ، والمتقون هم الذين ثبتت لهم التقوى ، والمتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة .

وكذا التوقي ، ومنه فرس واق أي يقي راكبه مما يؤذيه ، والتقوى في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة ، وهي في الحقيقة والواقع إحساس ذاتي رهيف ينبثق عن عقيدة التوحيد الخالص ليرسخ في القلب الوجدان كله ، لا جرم أن ذلك إحساس وجداني غامر يفيض على النفس فينمي فيها شعور الخوف من الله بما يظل للمؤمن رقيبا يحول بينه وبين الآثام والمعاصي ، أو الدنايا والخسائس وصغائر الذنوب .

والقرآن بما حواه من روائع ومناهج في العقيدة والقيم ، وفي الفكر والسلوك والنظم ، فإنه هداية للبشرية كافة ، وقد خص الله المتقين تشريفا لهم وإجلالا .

إن هذا الكتاب الحكيم يتضمن مقاليد الخير والسعادة والصلاح جميعا ، وفيه من أسباب النجاة و والسلامة والفوز ما تنجو به البشرية من كل ألوان التعثر والخطيئة والزلل وما يجعلها على أقوم محجة لتفوز وتنجو في هذه الدنيا ويوم يقوم الإشهاد .