يستفتونك : الاستفتاء ، طلب الفتيا والفتيا والفتوى : اسم من أفتى العالم ؛ إذا بين الحكم .
الكلالة : الذي لا ولد له ولا والد . وقيل الكلالة : مصدر من تكلله النسب أي : تطرفه . كأنه أخذ طرفيه من جهة الوالد والولد : فليس له منهما أحد ، فسمى بالمصدر . ومن هنا أطلقت على الميت الذي لم يترك والدا ولا والد " من كل " إذا ضعف . وهذا قول على وابن مسعود . وقال سعيد بن جبير : هي الوارث الذي ليس ولدا ولا والدا ؛ لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه ، وليس في عمود نسبه . كالإكليل يحيط بالرأس ، ووسط الرأس خال منه .
176- يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ . . .
روى الشيخان عن البراء أن هذه الآية هي آخرآية نزلت من الفرائض .
وروى الترمذي عن جابر بن عبد الل ، ه يقول : " مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني " .
فقلت : يا رسول الله ، كيف أقضي في مالي ؟ أو كيف أصنع في مالي ؟ فلم يجيبني شيئا- وكان له تسع أخوات- حتى نزلت آية المواريث يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ . قال جابر : " في نزلت " .
يَسْتَفْتُونَكَ . أي : طلب الصحابة منك أن تبين لهم الحكم في ميراث الذي لم يترك ولد ولا والدا .
قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ . أي : قل لهم يا محمد : الله يبين لكم حكم ميراث الكلالة .
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ . من مات وليس له والد أو ولد وهي الكلالة .
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ . أي : وله أخت شقيقة أو أخت لأب فلها نصف ما ترك أخوها .
أما الإخوة لأم ، فقد سبق بيان ميراثهم في قوله تعالى : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ . ( النساء : 12 ) .
وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ . أي : وأخوها الشقيق أو لأب يرث جميع ما تركت إن لم يكن لها ولد .
فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ . أي : إن كانت الأختان اثنتين فأكثر فلهما الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى .
بدليل القصة التي نزلت فيها الآية ، فقد كانت لجابر بن عبد الله رضي الله عنه تسع أخوات في رواية الترمذي ، وقياسا على ميراث البنات .
وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ .
أي : وإن كان الورثة مختلطين إخوة وأخوات فللذكر منهم مثل نصيب الأختين .
يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ .
أي : يوضح الله لكم شرائع دينكم ويفصلها ؛ كراهة أن تضلوا عن الطريق السوي فتمنعوا مستحقا ، وتعطوا غير مستحق .
والآية صريحة في أن من تعدى حدود الله في أحكام الميراث ؛ فقد ضل طريق الحق ، وأخطأ سبيل الرشاد .
وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . أي : والله الذي يبين تلك الفرائض لعبادة وشرعها لهم ، قد أحاط بكل شيء علما ، فعلمه تام بما يصلح المجتمع الإسلامي من الشرائع والأحكام .
لفظة ( من ) تكون للتبعيض وقد تأتي لابتداء الغاية كما في قوله تعالى : وروح منه .
يحكي أن طبيبا نصرانيا للرشيد ناظرا الإمام الواقدى ذات يوم فقال له : إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله ، وتلا هذه الآية : وروح منه . فقال الواقدي : قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ . ( الجاثية : 13 ) فيجب إذا كان عيسى جزءا من الله أن يكون ما في السموات وما في الأرض جزءا منه ، فانقطع النصراني وأسلم . وفرح الرشيد بذلك فرحا شديدا ووصل الواقدى بصلة عظيمة {[1]} .
* بينت أحكام النساء ونظمت المجتمع الإسلامي تنظيما دقيقا حكيما .
* نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية . أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية ، فقد ساقت السورة الآداب ، والأحكام ، والتوجهات التي تكون مجتمعا فاضلا .
* مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان والمحبة والمودة والوئام .
* مجتمعنا رجاله يكرمون نساءه ويعاشروهن بالمعروف ، ونساؤه يحترمن رجاله ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب وعفة وإخلاص .
* مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل ويراقبون الله في أقوالهم وأعمالهم ، والمحكومون فيه يطيعون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير .
* مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله . . هي أمانة في أعناقهم جميعا .
* وان ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا ؛ لذلك فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى الله ، وفيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير والصلاح والفلاح .
* وأما فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية ، فإن سورة النساء قد كشفت عن رذائل المنافقين ، وعن العقائد الفاسدة التي يتشبت بها أهل الكتاب .
* ولقد ساقت السورة الكريمة جانبا من الآيات المرغبة في الجهاد والشهادة وطلب الثواب من الله .
* إنها سورة النساء الكبرى ، تحدثت عن النساء وأحكامهن وميراثيهن .
* ويلحق بهذه الأحكام سورة النساء الصغرى وهي سورة الطلاق .
* ولم يكن للنساء في الجاهلية كبير شأن ، حتى نزل القرآن الكريم فأمر بإكرامهن ، وإحسان معاملتهن ، والوفاء بحقوقهن ؛ حتى ينشأ المجتمع كريما في رجاله ونسائه .
والله ولي التوفيق وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
1 مقتبس من تفسير القرآن الكريم للإمام محمود شلتوت ، ط 3 ، ص 207 .
2 المنتخب في تفسير القرآن الكريم : 112 .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3331 وفي النكاح ح 5186 ومسلم في الرضاع ح 1468 وأحمد ح 10071 والدرامي في النكاح ح 2221 من حديث أبي هريرة .
4 تفسير الفخر الرازي : 9/161 .
6 من استعاذ بالله فأعيذوه . . . من سألكم بالله فأعطوه
أبو داود في الزكاة 1672 والنسائي في الزكاة 2567 وأحمد 2/68-96-99 كلهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه .
البخاري في البيوع 2067 ومسلم في البر والصلة 2557 وأبو داود في الزكاة 1693 كلهم عن أنس
رواه مسلم في البر والصلة ح 2555 من حديث عائشة .
9 محاضرات في التفسير لطلبة السنة الرابعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة مخطوط أملاه على الطلبة د . محمد عبد الله دراز في العام الجامعي 1954-1955 م .
10 تفسير المنار : 4/285 وانظر التراث للجميع الهيئة المصرية العامة للكتاب العدد 18 جزء 4 ص 285 طبعة ثانية مأخوذة عن الطبعة الأولى .
11 د محمد بلتاجي : دراسات في أحكام الأسرة مكتبة الشباب بالقاهرة : 471 .
12 د محمد عبد الله دراز تفسير سورة النساء . مخطوط ، والمرأة في القرآن والسنة لمحمد عزة دروزة ص 117 .
13 على حسب الله الزواج في الشريعة الإسلامية الطبعة الأولى ص 115 .
14 راجع مطالبة بعض الأوربيات بتعدد الأزواج للرجل الواحد : 4/360 من تفسير المنار وراجع كلاما حسنا للمرحوم الشيخ أحمد شاكر في من يريد منع التعدد : 3/102-109 عمدة التفسير للحافظ ابن كثير .
15 عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير تحقيق أحمد شاكر : 102 هامش .
رواه أبو داود في النكاح ح 2134 والترمذي في النكاح ح 1140 والنسائي في عشرة من النساء ح 3943 وابن ماجه في النكاح ح 1971 . وأحمد ح 24587 والدرامي في النكاح ح 2207 من حديث عائشة واللفظ لأبي داود وأشار الترمذي إلى تضعيفه .
17 من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى
أبو داود في النكاح 2133 والترمذي في النكاح 1141 والنسائي في عشرة النساء 3942 وابن ماجه في النكاح 1969 .
18 وراه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس .
19 نداء للجنس اللطيف يوم المولد النبوي الشريف تأليف رشيد رضا ص 45 .
20 الضمير في { منه } يعود إلى الصدقات أي المهور . { نفسا } منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في قوله : { طبن } والتمييز محول عن الفاعل والأصل فإن طابت أنفسهن عن شيء منه فكلوه .
21 محاضرات في التفسير لطلبة ليسانس كلية دار العلوم سنة 1954/1955 .
22 ألا من ولي يتيما له فليتجر فيه
رواه الترمذي في الزكاة ح 641 ، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال في إسناده مقال لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث .
23 تفسير القرآن الكريم للإمام الأكبر محمود شلتوت الأجزاء العشرة الأولى ص 183 .
24 تفسير سورة النساء للدكتور محمد سيد طنطاوي . ص 51 .
25 تفسير القرآن الكريم ، الطبعة الثالثة : 184 للأستاذ محمود شلتوت .
26 تفسير الفخر الرازي : 9/190 .
27 التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حزب 8 ص 760 .
28 انظر مختصر تفسير ابن كثير : 1/360 .
رواه البخاري في تفسير القرآن ح 4576 من قول ابن عباس .
31 وهو أول من نقط المصاحف وتوفي سنة 129 ه .
32 تبصره المتذكر وتذكرة المتبصر . لأحمد بن يوسف الموصلي الكواشي تحقيق السيدةفيدة آدم محمد زين : 632 .
33 تفسير سورة النساء . للأستاذ حمد سيد طنطاوي : 67 .
34 تفسير التحرير والتنوير : 253 .
36 تفسير الفخر الرازي : 9/100 .
37 انظر اللسان : 19/201 وانظر تفسير الكواشي المسمى ( تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر ) تحقيق الأستاذة مفيدة آدم : 633 رسالة ماجستر بإشراف المؤلف .
38 رواه ابن حبان في صحيحه وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي برزة . رواه النسائي في الوصايا ح 3669 وأبو داود في الوصايا ح 2871 من حديث ابن عباس .
40 تفسير الفخر الرازي : 9/202 .
رواه البخاري في الوصايا ح 2767 ومسلم في الإيمان ح 89 والنسائي في الوصايا ح 3671 . وأبو داود في الأدب ح 2874 من حديث أبي هريرة .
رواه البخاري في الطلاق ح 5304 وفي الأدب ح 6005 والترمذي في البر والصلة ح 1918 وأبو داود في الأدب ح 5150 وأحمد ح 22313 من حديث سهل بن سعد وقال الترمذي : حسن صحيح ومالك في الجامع ح 1768 بلاغا .
43 المنتخب في تفسير القرآن الكريم . المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة : 115 .
44 قال تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلث مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } ( النساء 176 ) .
45 قال تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين } ( النساء 12 ) .
46 قال تعالى : { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين } ( النساء 12 ) .
47 قال تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف } ( النساء 11 ) .
48 قال تعالى : { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث . . . }
49 قال تعالى : ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس .
50 قال تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث . ( النساء 12 ) . والمراد بالكلالة من لا ولد له ولا والد ، والإجماع على ان المراد بالأخ والأخت في هذه الآية الإخوة لأم فقط ، . انظر الميراث في الشريعة الإسلامية للأستاذ علي حسب الله : 56 .
51 إن الرجل ليعمل ستين سنة بطاعة الله ثم لا يجور في وصيته
رواه ابن ماجه في الوصايا 2704 واللفظ له . الترمذي في الوصايا 2118 وقال : " هذا حديث حسن صحيح غريب " وأبو داود في الوصايا ح 2867 وأحمد ح 7684 من حديث أبي هريرة .
مختصر تفسير ابن كثير : 366 ونقل حديثا آخر عن ابن داود في باب الإضرار في الوصية وهو في نفس معنى هذا الحديث .
52 خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا
مسلم في الحدود 1690 وأبو داود في الحدود 4415 والترمذي في الحدود 1434 وقال : " حديث حسن صحيح " وابن ماجه في الحدود 2550 والدرامي في الحدود 2/181 كلهم عن عبادة بن الصامت وأحمد 3/476 عن سلمة بن المحبق .
53 مختصر تفسير ابن كثير : 1/366 بتصرف واختصار .
55 انظر المدونة : /6/236 . والجامع لأحكام القرآن : 1658 .
57 تفسير سورة النساء للأستاذحمد سيد طنطاوي : 106 .
58 يا عبادي " إني حرمت الظلم على نفسي
مسلم في البر والصلة والآداب 2577 ، وأحمد 5/160 كلاهما عن أبي ذر رضي الله عنه .
59 لفظ التوبة مبتدأ وقوله : { للذين يعملون السوء بجهالة } متعلق بمحذوف خبر وقوله : { على الله }متعلق بمحذوف صفة للتوبة إي إنما التوبة الكائنة على الله الكائنة للذين يعملون السوء بجهالة .
61 إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
الترمذي في الدعوات 3537 وقال : " حديث حسن غريب " وابن ماجه في الزهد 4253 وقال البوصيري في الزوائد : " في إسناده الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه وكذلك مكحول الدمشقي " وأحمد 2/132-153 كلهم عن ابن عمر .
رواه البخاري في الزكاة 1419 وفي الوصايا ح 2748 ومسلم في الزكاة ح 1032 والنسائي في الزكاة ح 2542 وفي الوصايا 3611 وأبو داود في الوصايا ح 2865 ، وابن ماجه في الوصايا ح 2706 وأحمد ح 7119-9476 من حديث أبي هريرة .
63 أي : أفضل الصدقة وأفضل الأعمال الصالحة ما عمله الإنسان في صحته وقوته والدنيا مقبلة عليه وهو قادر على الطاعة والمعصية ولا تؤخر الصدقة إلى ان يهجم الموت فتوصي بالمال لفلان وفلان ، ممن لهم عليك ديون أو صدقات واجبة أو صلة للرحم أو أي عمل صالح توصي به . ( وقد صار المال إلى فلان ) أي : أصبح المال ملكا لورثتك
64 كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه
رواه البخاري في تفسير القرآن ح 4579 موقوفا على ابن عباس .
65 رواه الطبراني عن ابن عباس .
تقدم تخريجه رواه الترمذي وقال : حسن صحيح ورواه مسلم في صحيح عن جابر في خطبة حجة الوداع .
ذكر أبو داود في النكاح تحت حديث رقم 2117 تعليقا من حديث عمر بن الخطاب وهو بلفظ خير النكاح أيسره . أخرجه أبو داود في باب " من تزوج ولم يسم صداقا حتى مات " من كتاب النكاح : 2/221 .
71 إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة
أحمد 6/82-145 والبيهقي في السنن الكبرى في الصداق 7/235 .
72 انظر تفسير ابن كثير : 1/468 : ومختصر تفسير ابن كثير : 1/370 وتفسير القرطبي : 1674 . وأسباب النزول للواحدي : 98
73مختصر تفسير ابن كثير : 1/370 .
75 يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
رواه البخاري في الشهادات ح 2645 وفي النكاح ح 5239 ومسلم في الرضاع ح 1444-1445-1447 والنسائي في النكاح ح 3301 ، 3302 ، 3306 . وأبو داود في النكاح ح 2055 ، وابن ماجة في النكاح ح 1937 ، 1938 . وأحمد ح 2486-2628-2365-23722 ومالك في الرضاع ح 1278-1291 والدرامي في النكاح 2247-2248-2249 .
رواه مسلم في الرضاع ح 1450 . والترمذي في الرضاع ح 1150 ، ةالنسائي في النكاح ح 3309 ، 3310 . وأبو داود في النكاح ح 2063 . وابن ماجه في النكاح ح 1941 وأحمد ح 15689 ، 23506 ، 24123 . والدارمي في النكاح ح 2250 .
77 لا تحرم الرضعة رواه مسلم في الرضاع ح 1451 . وابن ماجة في النكاح ح 1940 من حديث أم الفضل .
مختصر تفسير ابن كثير : 1/373 .
أبو داود في الطلاق 2243 والترمذي في النكاح 1129 . وابن ماجه في النكاح 1950 وأحمد 3//232 كلهم من فيروز الدليمي .
79 مختصر تفسير ابن كثير : 374/1 .
80 لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها
البخاري في النكاح 5108-5110 ، ومسلم في النكاح 1408 ، وأبو داود في النكاح 2065 ، والترمذي في النكاح 1126 ، وأحمد 2/401-423 .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يستفتونك}، نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري وفي أخواته، {قل الله يفتيكم في الكلالة}، يعني به الميت الذي يموت وليس له ولد ولا والد، فهو الكلالة، وذلك أن جابر بن عبد الله الأنصاري، رحمه الله، مرض بالمدينة، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني كلالة لا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي، فأنزل الله عز وجل: {إن امرؤ هلك}: مات، {ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} الميت من الميراث، {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} إذا ماتت قبله، {فإن كانتا اثنتين}: أختين {فلهما الثلثان مما ترك، {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا}: لئلا تخطئوا قسمة المواريث. {والله بكل شيء} من قسمة المواريث، {عليم}، نظيرها في الأنفال.
هذه الآي في المواريث كلها تدل على أن الله عز وجل انتهى بمن سَمَّى له فريضة إلى شيء، فلا ينبغي لأحد أن يزيد من انتهى الله به إلى شيء غير ما انتهى به ولا ينقصه، فبذلك قلنا: لا يجوز رد المواريث... وإذا ترك الرجل أخته أعطيتها نصف ما ترك، وكان ما بقي للعَصَبَةِ. فإن لم تكن عصبة فلمواليه الذين أعتقوه، فإن لم يكن له موال أعتقوه كان النصف مردودا على جماعة المسلمين من أهل بلده. ولا تزاد أخته على النصف، وكذلك لا يرد على وارث ذي قرابة، ولا زوج، ولا زوجة له فريضة، ولا تجاوز بذي فريضة فريضته، والقرآن ـ إن شاء الله تعالى ـ يدل على هذا، وهو قول زيد بن ثابت، وقول الأكثر ممن لقيت من أصحابنا. (الأم: 4/76. ون الأم: 4/77. والأم: 4/81. والرسالة: 586-588.)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"يَسْتَفْتُونَكَ": يسألونك يا محمد أن تفتيهم في الكلالة. وقد بينا معنى الكلالة فيما مضى بالشواهد الدالة على صحته، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيه فأغنى ذلك عن إعادته، وبينا أن الكلالة عندنا ما عدا الولد والوالد. "إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ": إن إنسان من الناس مات.
"لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ذكر ولا أنثى وَلَهُ أُخْتٌ": وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه. "فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ": فلأخته التي تركها بعده بالصفة التي وصفنا نصف تركته ميراثا عنه دون سائر عصبته، وما بقي فلعصبته.
وذُكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هَمّهُم شأن الكلالة، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها هذه الآية... وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذه الآية هي آخر آية أنزلت من القرآن.
واختلف في المكان الذي نزلت فيه الآية، فقال جابر بن عبد الله: نزلت في المدينة. وقال آخرون: بل أنزلت في مسير كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه... فإن قال قائل: فما وجه قوله جلّ ثناؤه: "إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ "ولقد علمت اتفاق جميع أهل القبلة ما خلا ابن عباس وابن الزبير، على أن الميت لو ترك ابنة وأختا، أن لابنته النصف، وما بقي فلأخته إذا كانت أخته لأبيه وأمه أو لأبيه؟ وأين ذلك من قوله: إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وقد ورّثوها النصف مع الولد؟ قيل: إن الأمر في ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، إنما جعل الله جلّ ثناؤه بقوله: إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى وكان موروثا كلالة، النصف من تركته فريضة لها مسماة فأما إذا كان للميت ولد أنثى فهي مع عصبة يصير لها ما كان يصير للعصبة غيرها لو لم تكن، وذلك غير محدود بحدّ، ولا مفروض لها فرض سهام أهل الميراث بميراثهم عن ميتهم. ولم يقل الله في كتابه: فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه، فيكون لما رُوي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجه يوجه إليه، وإنما بين جلّ ثناؤه مبلغ حقها إذا ورث الميت كلالة وترك بيان مالها من حقّ إذا لم يورث كلالة في كتابه وبينه بوحيه على لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت، وذلك معنى غير معنى وراثتها الميت إذا كان موروثا كلالة.
"وَهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ": وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله إذا وُرثت كلالة ولم يكن لها ولد ولا والد.
"فإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ": فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه اثنتين، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت إذا لم يكن له ولد وورث كلالة. "وَإنْ كانُوا إخْوَةً": وإن كان المتروكون من إخوته رجالاً ونساء، فللذّكَرِ منهم بميراثهم عنه من تركته "مِثْلَ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ": مثل نصيب اثنتين من أخواته، وذلك إذا ورث كلالة، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو لأبيه.
"يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا": يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم "أنْ تَضِلّوا": لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها: أي لئلا تجوروا عن الحقّ في ذلك، وتخطئوا الحكم فيه، فتضلوا عن قصد السبيل. "وَاللّهُ بِكُلّ شَيّءٍ عَلِيمٌ": وَاللّهُ بكُلّ شَيْءٍ من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها وجميع الأشياء "عَلِيمٌ "يقول: هو بذلك كله ذو علم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
روي عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: (ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر مما سألته عن الكلالة، ثم طعن في صدري بإصبعه، فقال:"ألا تكفيك آية النصف التي في آخر سورة النساء" (مسلم 1617). وفيه دلالة أن قد ينزل بيان ما يدرك بالاجتهاد والنظر، ولا يتبين (إلا بأن يجتهد) ويدرك بالنظر لأن عمر رضي الله عنه سأل غير مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه، وأشار إلى الآية التي فيها ذكر (ما) سأل عنه لينظر، ويجتهد ليدرك. وفيه دليل جاوز تأخير البيان لأن عمر سأله غير مرة، ولم يبينه حتى أمره بالنظر في الآية، وعمر رضي الله عنه لم يكن عرف قبل ذلك، فدل جوازا تأخير البيان...
وقوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} ذكر للاثنتين الثلثين، ولم يذكر للثلاث فصاعدا منهن، وذكر في الابنة الواحدة النصف في أول السورة بقوله: {وإن كانت واحدة فلها النصف} ولم يذكر الثلاث فصاعدا بقوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} (الآية: 11) فترك بيان الحق في الابنتين لبيانه في الأختين، وترك البيان للأخوات لبيانه في البنات. ففيه دليل القياس حين اكتفى ببيان البعض عن الآخر...
وقوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} وعيد.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قطع الخصومة بينهم في قسمة الميراث فيما أظهر لهم من النصِّ على الحكم، فإن المال محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبِلَت النفوس على الشحِّ؛ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق لقابلة الأشباه في الاجتهاد، فكان يؤدي ذلك إلى التجاذب والتواثب؛ فَحَسَمَ تلك الجملة بما نصَّ على المقادير في الميراث قطعاً للخصام.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
تقدم القول في تفسير {الكلالة} في صدر السورة، وأن المترجح أنها الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَعْنَى الْآيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى فَكَانَ مَوْرُوثًا كَلَالَةً، فَلِأُخْتِهِ النِّصْفُ فَرِيضَةً مُسَمَّاةً. فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أُنْثَى فَهِيَ مَعَ الْأُنْثَى عَصَبَةٌ يَصِيرُ لَهَا مَا كَانَ يَصِيرُ لِلْعَصَبَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَحْدُودٍ بِحَدٍّ، وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهِ مَعَهُ؛ فَيَكُونُ لِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَجْهٌ؛ إذْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الْمَيِّتَ إذَا تَرَكَ بِنْتًا فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَخٌ ذَكَرٌ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَقَّهَا إذَا وَرِثَتْ الْمَيِّتَ كَلَالَةً، وَتَرَكَ بَيَان مَا لَهَا مِنْ حَقٍّ إذَا لَمْ يُورَثْ كَلَالَةً؛ فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيِ رَبِّهِ، فَجَعَلَهَا عَصَبَةً مَعَ إنَاثِ وَلَدِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ وِرَاثَتَهَا فِي الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَوْرُوثًا عَنْ كَلَالَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}:
مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي "مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ "فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَهُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَإِنْ قِيلَ: وَأَيُّ ضَلَالٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا؟ وَلَمْ يَعْلَمْهَا عُمَرُ وَلَا اتَّفَقَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَمَا زَالَ الْخِلَافُ إلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ.
قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا ضَلَالًا، وَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الْمَوْعُودُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ نَصًّا يُدْرِكُهُ الْجَفْلَى، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَظْنُونًا يَخْتَصُّ بِهِ الْعُلَمَاءُ لِيَرْفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، وَيَتَصَرَّف الْمُجْتَهِدُونَ فِي مَسَالِكِ النَّظَرِ، فَيَدْرِك بَعْضُهُمْ الصَّوَابَ فَيُؤْجَرُ عَشَرَةَ أُجُورٍ، وَيُقَصِّرُ آخَرُ فَيُدْرِكُ أَجْرًا وَاحِدًا، وَتَنْفُذُ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَاوِيَّةُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
وسئل الأخفش ما فائدة قوله {اثنتين} و {كانتا} لا يفسر إلا باثنتين؟ فقال: أفادت العدد العاري عن الصفة، لأنه يجوز في {كانتا} صغيرتين، أو حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، فلما قال: {اثنتين} فإذا إطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه.
قال تعالى: {والله بكل شيء عليم} فيكون بيانه حقا وتعريفه صدقا. واعلم أن في هذه السورة لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله {والله بكل شيء عليم} وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يستفتونك} أي يسألونك أن تفتيهم، أي أن تبين لهم بما عندك من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة، وللاعتناء بأمر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره: {قل الله} أي الملك الأعظم {يفتيكم في الكلالة} وهو من لا ولد له؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}؛ ثم استأنف قوله: {إن امرؤ هلك} أي وهو موصوف بأنه، أو حال كونه {ليس له ولد} أي وإن سفل سواء كان ذكراً أو أنثى عند إرث النصف، وليس له أيضاً والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة؛ قال الأصبهاني: وليسا بأول حكمين بُينَ أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر، والأب أولى من الأخ" {و} الحال أنه {له أخت} أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا، لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها، فلو كان ولد أم لم يعصب {فلها نصف ما ترك وهو} أي وهذا الأخ الميت {يرثها} أي إن ماتت هي وبقي هو، جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} أي ذكراً كان أو أنثى -كما مر في عكسه، هذا إن أريد بالإرث جميع المال، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضاً ترث مع الأنثى- كما يرشد إليه السياق أيضاً -دون النصف.
ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع، وقدم أقله فقال: {فإن كانتا} أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما؛ ولما أضمر ما دل عليه السياق، وكان الخبر صالحاً لأن يكون: صالحتين، أو صغيرتين، أو غير ذلك؛ بين أن المراد- كما يرشد إليه السياق أيضاً -مطلق العدد على أي وصف اتفق فقال: {اثنتين} أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا {فلهما الثلثان مما ترك} فإن كانت شقيقتين كان لكل منهما ثلث، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين.
ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال: {وإن كانوا} أي الوارث {إخوة} أي مختلطين {رجالاً ونساء فللذكر} أي منهم {مثل حظ الأنثيين} وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع أحوال ما أراد من الإرث، وهو على وجازته كما ترى- يحتمل مجلدات -والله الهادي، ووضع هذه الآية هنا- كما تقدم -إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقاً، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، الحاسدين لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله:
يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} [النساء: 26] وقوله:
{ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} [النساء: 27] ثم المصرح بهم في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم} [النساء: 44] ولذلك- والله أعلم -ختم هذه الآية بقوله: {يبين الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {لكم} أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً: {أن} أي كراهة أن {تضلوا "والله "أي الذي له الكمال كله {بكل شيء عليم} أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محيا ومماتاً دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئاً فشيئاً باللطف والتدريج أدعى لقبوله، وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها، والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم، ومضت عليه أوائلهم، وأشربته قلوبهم، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر، لأن الدين لا يتجزأ، بل من كفر بشيء منه كفر به جميعه، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها، لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء، فكأنه قيل: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر- ولو عن حكم من أحكامه -فسيجازيه يوم الحشر، ولا يجد له من دون الله ناصراً؛ ولا يخفى عليه شيء من حاله، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه أولها من تمام القدرة، فكان آخرها دليلاً على أولها لأن تمام العلم مستلزم لشمول القدرة، قال الإمام: وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت الربوية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاًَ للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف- انتهى. ولختام أول آية فيها بقوله:
{إن الله كان عليكم رقيباً} [النساء: 1] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم، فلا تظنوا أنه يخفى عليه شيء وإن دقَّ، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له، وذلك أشد شيء مناسبة لأول المائدة -والله الموفق بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
وجملة القول: إن الكلالة من الوارثين من كل وأعيا عن أن يصل إلى الميت المورث بنفسه فهو يصل إليه بواسطة من يتصل نسبه به بالذات، وإنما النسب المتصل بالذات الأصل والفرع، وما علا من الأصول وسفل من الفروع هو عمود النسب فلا يكون كلالة، فالكلالة من الوارثين إذا هم الحواشي الذين يدلون إلى الميت بواسطة الأبوين أحدهما أو كليهما من الأطراف. والكلالة من المورثين هو الذي يرثه غير الولد والوالد فهذا ما كان يفهمه الصحابة لأنه المعروف في العربية ولا صحة لغيره،...
. والنكتة في الاكتفاء بنفي الولد وعد اشتراط نفي الوالد تظهر بوجوده:
- أنه داخل في مفهوم الكلالة لغة.
- أن الأكثر أن الإنسان يموت عن تركه بعد موت والده لأن المال الذي يتركه إما أن يكون ورثه منهما وإما أن يكون اكتسبه وإما يكون الكسب في سن الشباب والكهولة ويقل في هذا الحال بقاء الوالدين فلم يراع في الذكر إيجازا.
- وهو العمدة أن عدم إرث الإخوة والأخوات مع الوالد الذي يدلون به قد علم من آيات الفرائض التي أنزلت أولا وتقدمت في أوائل السورة، ومضت السنة في بيانها والعمل بها على ذلك – وعلم أيضا من القاعدة القياسية المأخوذة من تلك الآيات ومن هذه الآية، وهي كون الأصل في الإرث أن يكون للذكر من كل صنف مثل حظ الأنثيين، ومن قاعدة حجب الوالد لأولاده. قال تعالى في الآيات الأولى {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء:11] أي والباقي وهو الثلثان لأبيه عملا بالقاعدة. {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء:11] لأن أولادها يحجبونها حجب نقصان فيكون ثلثها سدسا، والسدس الآخر يكون لهم عند ابن عباس وأما الجمهور فيقول إن الباقي كله لأن الآية بينت أن وجودهما ينقص فرضا ولم تفرض لهم شيئا، وعلى كل قول ليس لهم فرض مع وجود الأب الذي يحجبهم حجب حرمان لأنهم لا يصلون إلى أخيهم إلا به وما يتركه من هذا المال وغيره يعود إليهم، فلهذه الوجوه لم يكن لاشتراط عدم الأب فائدة فترك إيجازا للعلم به من لفظ الكلالة ومن الآيات السابقة والقواعد الثابتة، وكذا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المبني على ما ذكر والمبين له وهو ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)، وليس الاستغناء عن نفي الوالد هنا مع إرادته إلا مثل الاستغناء عن اشتراط ن يكون هذا الفرض من بعد وصية يوصي بها أو دين، كل منهما علم مما قبله، فاستغني عن إعادة ذكره، بل الاستغناء عن ذكر نفي الوالد أقوى لما ذكرناه من العلم به من اللفظ، وكون الغالب أنه لا يوجد، وكونه إن وجد يكون حجبه لأولاده معلوما قطعيا لأنه منصوص ومقيس. وإنما أطلت في هذه المسألة وكررت بعض المعاني لاضطراب المتقدمين والمتأخرين في الكلالة وعدم الاطلاع على بيان تام في التوفيق بين ما جرى عليه جمهور الصحابة واتفق عليه المتأخرون وبين عبارة القرآن المجيد، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وتختم آية الميراث، وتختم معها السورة، بذلك التعقيب القرآني الذي يرد الأمور كلها لله، ويربط تنظيم الحقوق والواجبات، والأموال وغير الأموال بشريعة الله: (يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم).. صيغة جامعة شاملة (بكل شيء) من الميراث وغير الميراث. من علاقات الأسر وعلاقات الجماعات. من الأحكام والتشريعات.. فإما اتباع بيان الله في كل شيء، وإما الضلال.. طريقان اثنان لحياة الناس لا ثالث لهما: طريق بيان الله فهو الهدى. وطريق من عداه فهو الضلال. وصدق الله: فماذا بعد الحق إلا الضلال.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لا مناسبة بين هذه الآية وبين اللاّتي قبلها، فوقوعها عقبها لا يكون إلاّ لأجْل نزولها عقب نزول ما تقدّمها من هذه السورة مع مناسبتها لآية الكلالة السابقة في أثناء ذكر الفرائض؛ لأنّ في هذه الآية بياناً لحقيقة الكلالة أشار إليه قوله تعالى: {ليس له ولد}، وقد تقدّم في أوّل السّورة أنَّه ألحق بالكلالة المالك الّذي ليس له والد، وهو قول الجمهور ومالك بن أنس.
فحكُم الكلالة قد بيّن بعضه في آية أول هذه السورة، ثمّ إنّ النّاس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صورة أخرى من صور الكلالة. وثبت في الصحيح أنّ الذي سأله هو جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله وأبُو بكر ماشيين في بني سَلِمة فوجداني مغمى عليّ فتوضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبّ عليّ وَضوءه فأفقتُ وقلت: كيف أصنع في مالي فإنَّما يرثني كلالة. فنزل قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية. وقد قيل: إنّها نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متجهّز لحجّة الوداع في قضية جابر بن عبد الله.
فضمير الجماعة في قوله: {يستفتونك} غير مقصود به جمع، بل أريد به جنس السائلين، على نحو: « ما بال أقوام يشترطون شروطاً» وهذا كثير في الكلام. ويجوز أن يكون السؤال قد تكرّر وكان آخرُ السائلين جابرَ بن عبد الله فتأخّر الجواب لمن سأل قبله، وعُجّل البيان له لأنّه وقتُ الحاجة لأنّه كان يظنّ نفسه ميّتاً من ذلك المرض وأراد أن يوصي بماله، فيكون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة، نحو: {يسألونك عن الأهلّة} [البقرة: 189]، {ويسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 219]. لأنّ شأن السؤال يتكرّر، فشاع إيراده بصيغة المضارع، وقد يغلب استعمال بعض صيغ الفعل في بعض المواقع، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في مقام الإنكار: كقول عائشة « يرحم الله أبا عبد الرحمن» (تعني ابن عمر). وقولهم: « يغفر الله له». ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تكرّر لا؛ نحو « فَلا رَجَع». على أنّ الكلالة قد تكرّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدها. وقد قال عمر بن الخطّاب: ما راجعتُ رسول الله في شيء مراجعتي إيَّاه في الكلالة، وما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها حتّى طعن في نحري، وقال:"يكفيك آية الصيف الّتي في آخر سورة النساء" وقوله: {في الكلالة} يتنازعه في التعلّق كلّ من فعل (يستفتونك) وفعل (يفتيكم).
وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف، وعُرِفت بذلك، كما عُرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء، وهذا يدلّنا على أنّ سورة النّساء نزلت في مدّة متفرّقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدّم هذا في افتتاح السورة...
وأمَره بأن يجيب بقوله: {الله يفتيكم} للتنويه بشأن الفريضة، فتقديم المسند إليه للاهتمام لا للقصر، إذ قد علم المستفتون أنّ الرسول لا ينطق إلاّ عن وحي، فهي لمّا استفتوه فإنّما طلبوا حكم الله، فإسناد الإفتاء إلى الله تنويه بهذه الفريضة.
والمراد بالأخت هنا الأخت الشقيقة أو الَّتي للأب في عدم الشقيقة بقرينة مخالفة نصيبها لنصيب الأخت للأمّ المقصودة في آية الكلالة الأولى، وبقرينة قوله: {وهو يرثها} لأنّ الأخ للأمّ لا يرث جميع المال إن لم يكن لأخته للأمّ ولد إذ ليس له إلاّ السدس.
وقوله: {إن امرؤ هلك} تقديره: إن هلك امرؤ، فامرؤ مخبَر عنه ب (هلَكَ) في سياق الشرط، وليس (هَلَك) بوصف ل (امرؤ) فلذلك كان الامرؤ المفروض هنا جنساً عامّاً.
وقوله: {وهو يرثها} يعود الضمير فيه على لفظ (امرؤ) الواقع في سياق الشرط، المفيد للعموم: ذلك أنَّه وقع في سياق الشرط لفظ (امرؤ) ولفظ (أخ) أو (أخت)، وكلّها نكرات واقعة في سياق الشرط، فهي عامّة مقصود منها أجناس مدلولاتها، وليس مقصوداً بها شخص معيّن قد هلك، ولا أخت معيّنة قد ورثت، فلمّا قال {وهو يرثها} كان الضمير المرفوع راجعاً إلى (امرؤ) لا إلى شخص معيّن قَد هلك، إذ ليس لمفهوم اللفظ هنا فرد معيّن فلا يشكل عليك بأنّ قوله: {امرؤ هلك} يتأكّد بقوله: {وهو يرثها} إذ كيف يصير الهالك وارثاً. وأيضاً كان الضمير المنصوب في « يرثها» عائداً إلى مفهوم لفظ أخت لا إلى أخت معيّنة، إذ ليس لمفهوم اللّفظ هنا فرد معيّن، وعلم من قوله: {يرثها} أنّ الأخت إن توفّيت ولا ولد لها يرثها أخوها، والأخ هو الوارث في هذه الصورة، وهي عكس التي قبلها. فالتقدير: ويرث الأختَ امرؤ إن هلكت أخته ولم يكن لها ولد. وعلم معنى الإخوة من قوله: {وله أخت}، وهذا إيجاز بديع، ومَع غاية إيجازه فهو في غاية الوضوح، فلا يشكل بأنّ الأخت كانت وارثة لأخيها فكيف عاد عليها الضمير بأن يرثها أخوها الموروث، وتصير هي موروثة، لأنّ هذا لا يفرضه عالم بالعربية، وأنَّما يُتوهّم ذلك لو وقع الهلك وصفاً لامرئ؛ بأن قيل: المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه إن مَات وارثه قبله. والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية.
وقوله: {يبيّن الله لكم أن تضلّوا} امتنان، و {أن تضلّوا} تعليل ل (يبيّنُ) حذفت منه اللام، وحذفُ الجار مع (أن) شائع. والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه؛ لأنّ البيان ينافي التضليل، فحُذفت لا النافية، وحذفها مَوجود في مواقع من كلامهم إذا اتّضح المعنى...
وقد جعل بعض المفسّرين {أن تضلّوا} مفعولاً به ل (يبيّن) وقال: المعنى أنّ الله فيما بيّنه من الفرائض قد بيّن لكم ضَلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية، وهذا بعيد؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالاً قبل مجيء الشريعة، لأنّ قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بيّنه إلاّ إذا كان فيها حرمَان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرّة، ولأنّ المصدر مع (أن) يتعيّن أن يكون بمعنى المستقبل، فكيف يصحّ أن يراد ب {أن تضلّوا} ضلالاً قد مضى، وسيجيئ زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى: {أن تقولوا إنَّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} في سورة الأنعام (156).
وقوله: {والله بكلّ شيء عليم} تذييل. وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام، كقوله: {هذا بلاغ للنّاس وليُنذروا به} [إبراهيم: 52] الآية، وكقوله تعالى في حكاية كلام صاحب موسى {ذلك تأويل ما لم تسْطِع عليه صبراً} [الكهف: 82]. فتُؤذن بختام السورة.
وتؤذن بختام التنزيل إن صح أنها آخر آية نزلت كما ذلك في بعض الروايات، وإذا صح ذلك فلا أرى اصطلاح علماء بلدنا على أن يختموا تقرير دروسهم بقولهم « والله أعلم» إلا تيمنا بمحاكاة ختم التنزيل.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}. وكان ختام السورة ببعض أحكام الميراث تذكيرا بأمرين: أولهما: أن الأسرة هي الخلية الأولى التي يتربى فيها النزع الاجتماعي بكل ضروبه وكل شعبه وأنه لا يوجد مجتمع صالح إلا بأسر صالحة، وفساد الأسرة فيه فساد المجتمع. ثانيهما: أن أحكام الأسرة مستمدة من الله تعالى من غير توسط أحد كبيرا كان أو صغيرا، وأن مخالفة أحكام الله تعالى ضلال ليس بعده ضلال، ولذا ختمت السورة بأن بيان الله تعالى لمنع الضلال،... والاستفتاء طلب الفتيا، أو الإفتاء والإفتاء الإجابة السريعة التي تكون جديدة بالنسبة للسائل الطالب لها، وأصل الفتيا من الفتاء والفتى والفتاة الطري الشباب المقبل على الجديد فيها، وأطلق على العبد فتى، وعلى الأمة فتاة لسرعة استجابتها لحاجة مولاها...
وقد ذيل الله تعالى الآية بقوله {والله بكل شيء عليم} وفي هذا إشارة إلى أن شرعه أحكم شرع، لأنه شرع من يعلم كل شيء، من يعلم الماضي والقابل والعدل على أتم وجوهه والمصلحة المستقرة الثابتة التي لا تعبث بها الأهواء ثم هو عليم بمن يخالفه ويعصيه ومن يطيعه ويرضى حكمه. وتجب الإشارة هنا إلى أمر بياني يقتضي التفسير ذكره هو أن الله تعالى يقول: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وهنا لم يبين في السؤال موضع الاستفتاء ولكن الإجابة بينته فاستبان، ويلاحظ أنهم سألوا النبي ولكن الله تول الإجابة هو، فقال: {قل الله يفتيكم} ونجد في مثل هذا المقام يقول الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير (220)} (البقرة). ولم يسند الأمر إلى ذاته العلية كما أسنده هنا فما السر؟ السر في ذلك هو تأكيد أن شرع الميراث منسوب للذات العلية وهو الذي يتولى الشرح، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى الشرح عنه في كثير، فهنا قد تولى هو توثيقا للحكم وتأكيدا له وتربية للمهابة. ويلاحظ أن أحكام الميراث كلها أسندها العلي الحكيم، العليم الخبير لنفسه، فابتدأ آياتها في أول السورة بقوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (11)} (النساء) وختمها بأن الميراث كله وصية الله تعالى، فقال تعالت كلماته: {...وصية من الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) (النساء).
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
خلاصة السورة: افتتحت السورة بالأمر بالتقوى وذكر بدء خلق الناس وتناسلهم، ثم بالأحكام المتعلقة بالبيوت (الأهل والعشيرة) وحقوق اليتامى والنساء المالية والأدبية، ومنها فرائض المواريث وإرث النساء وعضلهن وعقاب من يأتي الفاحشة من الجنسين، ومحرمات النكاح ومحللاته، وغير ذلك من أحكام الأزواج وحقوق الزوجية. فهذا نسق واحد في خمس وثلاثين آية تتخللها على سنة القرآن الوصية بالتقوى والترغيب في الطاعة عليها والوعيد على المعاصي وغير ذلك من المواعظ التي تغذي الإيمان بالله وتزكي النفس. يلي ذلك محاجة أهل الكتاب من اليهود ممهدا لها بالأمر بعبادة الله وحده والنهي عن الشرك والأمر بالإحسان بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجيران، وتشنيع البخل وكتمان نعم الله ووعيد الكفر وعصيان الرسول. وذلك في بضع آيات ليس فيها من آيات الأحكام شيء إلا ما ختمت به من آية التيمم المفتتحة بالنهي عن الصلاة في حال السكر. ثم صرح بعدها بحكاية أحوال اليهود في دينهم وأخلاقهم، وبين ما في ذلك من العبر، وما يستحقون عليه من الوعيد، ليعلم منه سنة الله وحكمه فيمن يعمل مثل عملهم، وتكون حاله كحالهم، كما وعد من كان على ضد ذلك وهو الإيمان والصلاح لأجل العبرة والقدوة. وذلك من آية 43 إلى 56.
ولما كان في بيان أحوال اليهود ذكر لحالهم في الملك لو كان لهم نصيب منه وهو الأثر وحرمان غيرهم من أقل منفعة، بين عقبه ما يجب أن تؤسس عليه الحكومة الإسلامية وهو أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس كلهم بالعدل بلا محاباة، وإطاعة الله فيما جاء في الكتاب من الأحكام، وإطاعة رسوله فيما مضت به سنته: مِن بيانها والقضاء بها أو باجتهاده صلى الله عليه و سلم، وأولي الأمر وهم أهل الحل والعقد فيما يضعون للناس من النظام المدني والسياسي مما يحتاجون إليه بحسب المصالح العامة في كل عصر، فيكون ما يضعونه مطاعا في الدرجة الثالثة.
ثم شرع في بيان أحوال المنافقين وأخلاقهم وما يجب أن يعاملوا به وأهم ذلك أحوالهم ومعاملتهم في وقت القتل، وبهذه المناسبة ذكرت أحكام وحكم ومواعظ كثيرة تتعلق بالقتال والهجرة والأمان وقتل الخطأ والعمد وصلاة الخوف والسفر، وقد أكد في أثناء هذه الآيات أمر طاعة الله ورسوله، فهذا سياق بدئ به من آية 57 وانتهى إلى 103.
بعد هذا جاءت آيات في خطاب الرسول بالحكم بين الناس بما أراه الله في كتابه والإشارة إلى واقعة أراد بعضهم أن يحابي الرسول فيها بعض المسلمين على أهل الكتاب، وعقبها هذا المقام من الوعظ والوعد والوعيد ولاسيما وعيد من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ثم مسألة جواز المغفرة لما عدا الشرك يتبعها بيان شيء من ضلال مشركي العرب ثم بيان أن أمر النجاة في الآخرة منوط بالإيمان والعمل لا بالأماني والانتساب إلى دين شريف ونبي مرسل. فكانت أحكام هذه الآيات موعظها في شؤون أهل الكتاب والمشركين والمؤمنين جميعا ومزايا الإسلام ولذلك ختمها ببيان حسن ملة إبراهيم الحنيفية وهو المتفق على فضله عند هذا الطوائف كلها. ويمتد هذا السياق إلى آية 125.
تلا ذلك آيات في أحكام النساء واليتامى والمستضعفين من الولدان ونشوز النساء والعدل بينهن، والإصلاح بين الأزواج وتفرقهم، دعمت بآيات في الوصية بالتقوى والتذكير بالله تعالى ووعده ووعيده والأمر بالمبالغة في القيام بالقسط والشهادة بالحق ولو على الأقربين والأغنياء والفقراء من غير محاباة ولا شفقة. وذلك في نحو من عشر آيات.
ثم عاد إلى الكلام في أحوال المنافقين بعد التمهيد له بالأمر بالإيمان وذكر أركانه ووعيد الذين يتقلبون ويتذبذبون فيه، فذكر موالاتهم للكافرين وسببها ومنشأها من نفوسهم ومخادعتهم لله ووعيدهم وجزاءهم وجزاء من تاب وأصلح منهم وجزاء المؤمنين الصادقين. وقد انتهى ذلك بآية 146وهي آخر الجزء الخامس.
ثم انتقل منه إلى أحوال أهل الكتاب في الإيمان والكفر، عودا على بدء، فافتتح بحكم الجهر بالسوء من القول، وكون الأصل فيه القبح والذم، وحسن مقابلِهِ وهو إبداء الخير في القول والعمل.
وبعد هذا ذكر الذين يفرقون بين الله ورسله بدعوى الإيمان ببعض والكفر ببعض، وبيان عراقة هذا في الكفر، وما يقابله من الإيمان بالجميع، وقفى على ذلك ببيان مشاغبة اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحجته تعالى عليهم بمعاندة موسى وعبادة العجل ونقض ميثاق الله وقتل الأنبياء وإيذاء المسيح وأمه والافتخار بدعوى قتله. وختم ذلك ببيان حال الراسخين في العلم منهم والمؤمنين وذلك في نصف حزب ينتهي بآية 161.
بعد هذا أقام الله حجته على صحة نبوة خاتم رسله بكون وحيه إليه كوحيه إلى من قبله منهم، وكونه بعث الرسل إلى كل أمم، أي فلم يجعله خاصا ببني إسرائيل، وكونه تعالى يشهد بما أوحاه إلى رسوله إذ جعله مقرونا بالعلم الأعلى، منزلا على الأمي الذي لم يتعلم شيئا، وختم هذا ببيان حال من يكفر به وغايته التي يؤول إليها، ودعوة الناس كافة إلى الإيمان به. فتم هذا السياق ببضع آيات.
ثم انتقل الكلام إلى إقامة الحجة على النصارى وإبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية وبيان ما هو المسيح، وختمها بالوعد والوعيد وبيان أن محمدا رسوله تعالى برهان، وكتابه نور، ودعوة الناس كافة إلى الاهتداء بهما، ووعد من اعتصم بهذا الكتاب بالرحمة والفضل الإلهيين، وهداية الصراط المستقيم الذي يصل سالكه إلى سعادة الدارين.
وهذا هو ختم هذه السورة الحكيمة التي بين الله فيها أصول الحكومة الإسلامية وأهم فرائضها وأحكامها وناهيك بأحكام النساء والأهل والمواريث والنكاح وحقوق الزوجية والإيمان والشرك والتوبة والقتال، وشؤون المنافقين وأهل الكتاب ودحض شبهاتهم، فهي أعظم السور الطوال فوائد وأحكاما وحججا وأما الآية الأخيرة منها فهي ذيل للسورة في فتوى متممة لأحكام الفرائض التي في أوائلها وقد بينا غير مرة الحكمة في أسلوب المزج في القرآن. وأما فائدة الأحكام أو المسائل التي تجعل ذيلا أو محلقا لكتاب أو قانون فهي أن الذهن يتنبه إليها فضل تنبه فلا يغفل عنها كما يغفل عما يكون مندمجا في أثناء أحكام أو مسائل كثيرة من ذلك النوع. فكان جعل هذه الآية مفردة على غير فواصل السورة يراد به توجيه النفوس إليها، لئلا تغفل عنها.