أو من كان ميتا فأحييناه : أو من كان كافرا فهديناه ؟ جعل الكفر موتا ، والهداية إحياء .
122- أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها . . . الآية .
الآية تمثيل بليغ للمؤمن والكافر ، والمقصود منها : تثبيت المؤمنين ؛ حتى لا يفكروا في متابعة المشركين .
والمعنى : لستم أيها المسلمون مثل المشركين حتى تتبعوهم في جاهليتهم ؛ فإن الله أحياكم بالهداية ، بعد موتكم الروحي بالكفر والشرك ، وأنعم عليكم بأن جعل لكم نورا تمشون به في الناس ، بما أنزل عليكم من أنوار القرآن والهدى النبوي ، فهل يصح لكم أن تتبعوا من يعيشون في الظلمات .
أو من كان في غيه وضلاله ميتا ، فأحييناه بالهدى ودين الحق ، كمن صفته أنه غارق في الظلمات ليس بخارج منها ؟ !
والنور : عبارة عن الهداية والإيمان ، وقيل : هو القرآن ، وقيل : الحكمة .
وجمهور المفسرين يرون أن المثل في الآية عام لكل مؤمن ولكل كافر ، وقيل : إن المراد بمن أحياه الله وهداه : عمر بن الخطاب ، وبمن بقي في الظلمات أبو جهل بن هشام .
قال الشوكاني : كانا ميتين في ضلالتهما ، فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه ، وأقر أبا جهل في ضلالته وموته .
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا فقال :
( اللهم ، أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام ، أو بعمر بن الخطاب ) فاستجيب له في عمر بن الخطاب .
وقيل : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل ، وقيل : في حمزة وأبي جهل وعند التأمل نرى :
أن الآية عامة في كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان كافرا ، وفي كل من بقى على ضلالته ، ويدخل في ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا .
كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . أي : مثل ذلك التزيين الذي تضمنته الآية ، وهو تزيين الهدى للمؤمنين ، وظلمات الشرك للضالين ، قد زين للكافرين ما كانوا يعلمونه من الآثام ، كعداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذبح القرابين لغير الله ، وتحريم الحلال ، وتحليل الحرام ، وغير ذلك من المنكرات .
{ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) }
أوَمن كان ميتًا في الضلالة هالكا حائرا ، فأحيينا قلبه بالإيمان ، وهديناه له ، ووفقناه لاتباع رسله ، فأصبح يعيش في أنوار الهداية ، كمن مثله في الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة ، لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص له مما هو فيه ؟ لا يستويان ، وكما خذلتُ هذا الكافر الذي يجادلكم -أيها المؤمنون- فزيَّنْتُ له سوء عمله ، فرآه حسنًا ، زيَّنْتُ للجاحدين أعمالهم السيئة ؛ ليستوجبوا بذلك العذاب .
قوله تعالى : { أو من كان ميتاً فأحييناه } ، قرأ نافع { ميتاً } ، { ولحم أخيه ميتاً } [ الحجرات :12 ] و{ الأرض الميتة أحييناها } [ يس :33 ] بالتشديد فيهن ، وقرأ الآخرون بالتخفيف { فأحييناه } ، أي : كان ضالاً فهديناه ، كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان . قوله تعالى : { وجعلنا له نوراً } ، يستضيء به .
قوله تعالى : { يمشي به في الناس } ، على قصد السبيل ، قيل : النور هو الإسلام ، لقوله تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } [ البقرة : 257 ] ، وقال قتادة : هو كتاب الله ، بينه من الله مع المؤمن ، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي .
قوله تعالى : { كمن مثله في الظلمات } ، المثل صلة ، أي : كمن هو في الظلمات .
قوله تعالى : { ليس بخارج منها } ، يعني : من ظلمة الكفر .
قيل : نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما ، ثم اختلفوا فيهما ، قال ابن عباس : { جعلنا له نوراً } يريد حمزة بن عبد المطلب ، { كمن مثله في الظلمات } يريد أبا جهل بن هشام ، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث ، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل ، وهو راجع من قنصه ، وبيده قوس ، وحمزة لم يؤمن بعد ، فأقبل غضبان حتى رمى أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ، ويقول : يا أبا يعلي ، أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا ، وسب آلهتنا ، وخالف آباءنا ، فقال حمزة : ومن أسفه منكم ؟ تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فأنزل الله هذه الآية . وقال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل . وقال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل .
قوله تعالى : { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } ، من الكفر والمعصية . قال ابن عباس : يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام .
قوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حمزة وأبي جهل ، إذ رمى الرسول بفرث{[1264]} فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، فغضب وعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول : سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا . فقال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم{[1265]} وقيل : نزلت في كل مؤمن وكافر .
الهمزة للاستفهام الإنكاري : وقرأ الجمهور الواو بالفتح . وقرأها بعضهم بالسكون من ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ . والكاف في قوله : { كمن } خبره{[1266]} . والمراد بالميت هنا الكافر ، فقد أحياه الله بالإسلام . وقيل : كان نطفة فأحياه الله بنفخ الروح فيه . والتأويل الأول أولى لإشعار السياق بذلك . فالمقصود التنفير من اتباع المشركين لأنهم على الكفر وهو عين الباطل . وما يتبع الباطل إلا كل عات جحود ، أو عتل مستكبر كنود . فإن الذي يعرض عن دعوة الله ويستنكف عما يهتف به النبيون والمصلحون والدعاة إلى الله الذين يبلغون الناس رسالة الله ، لا جرم أنه صنو الميت . فكللاهما يخرجان من وهدة سحيقة غائرة واحدة . تلك هي وهدة الظلام والجهالة . وهدة التبلد والموات وركود الذهن . وذلكم الموت الذي لا يسفر عن علم ولا نور ولا هداية ، والمراد به هنا الكفر حيث التخبط والظلم والمرض . والمراد بالنور : الهداية . وقيل : القرآن . والمقصود هو نور الحق من الإسلام الذي جعله الله هداية للناس .
قوله : { كمن مثله في الظلمت } مثله ، مبتدأ مرفوع . وخبره في الظلمات . والجملة صلة لمن . والظلمات جمع ظلمة . وقيل : مجاز عن الكفر . والمعنى : أنه لا يستوي من كان كافرا ثم أحياه الله بالإيمان وجعل الله له نورا وهو الإسلام يمشي به في الناس مستنيرا ومهتديا وداعيا إليه الناس – لا يستوي هو والذي في الظلمات سادرا تائها يتخبط لا يهتدي إلى الصواب ولا يعرف أين السبيل . وشأن هذا كالذي يخبط في الظلمة الحالكة ليهيم على وجهه ضائعا متعثرا . شأنه شأن الكافرين الضالين يهيمون في غياهب الكفر على اختلاف أنواعه ، لا جرم أنهما لا يستويان . لا يستوي المؤمن المهتدي والكافر المتعثر الضال . فالمؤمن مطمئن ومستيقن ومستنير . والكافر تائه وحائر وجهول . وعلى هذا فإن المؤمنين الذين أشربت نفوسهم وأذهانهم معاني الإسلام بكل قيمه وتصوراته وموازينه ، لا شك أنهم راضون وماضون في طريقهم المستنير اللاحب . لكن الكافرين على اختلاف نحلهم ومللهم وتصوراتهم أشبه بالمضللين الحيارى السادرين في الظلام الذين لا يجاوزون ضلالهم المنقطع إلا إلى المهالك والشقوة وسوء المصير .
قوله : { ليس بخارج منها } في محل نصب الحال . أي حال الكافر الضال الذي هوى الظلمات فهام على وجهه تائها سادرا لا يعرف كيف الخروج أو الخلاص .
قوله : { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة للمصدر . والتقدير : زين للكافرين مثل ذلك التزيين أي الشيطان لهؤلاء الكافرين أعمالهم من الشرك وعبادة الأصنام وهو قول ابن عباس . وقيل : زين الشيطان للكافرين الكفر فعملوا به كما زين الله الإيمان للمؤمنين فعملوه{[1267]} .