{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( 54 ) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( 57 ) } .
52 - وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
الرسول : من جاء بشرع جديد أنزله الله عليه ، وأيده بمعجزة تؤيد رسالته .
النبي : صاحب معجزة تؤيد نبوته ، وقد أمره الله أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ، ولم ينزل الله عليه كتابا بشرع جديد ، فالرسول صاحب شرع ، والنبي حافظ شرع .
تمنى : لها عدة معان ، منها : أراد ، وقرأ .
يحكم : يحفظها من التأثر بوساوس الشيطان ، ويجعلها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال .
كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هداية قومه ، حزينا من إعراضهم عن الرسالة والدعوة ، وكان إذا قرأ القرآن الكريم ، تصدى المنافقون ، وشياطين الإنس يؤولونه تأويلا بعيدا ، ويلصقون التهم بالقرآن ، فيقولون إنه سحر وشعر وكهانة ، وأساطير الأولين ، والرسول بشر يتمنى لو اتسع نطاق الدعوة ، وكثر المؤمنون ، وربما دخل عليه الشيطان من هذا الباب .
روى البخاري عن ابن عباس في ذلك : إذا حدث – أي : النبي – ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان .
والمعنى : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حدث نفسه ، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة ، فيقول : لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون . ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك ، فيبطل ما يلقي الشيطان ، أي : أن المراد حديث النفس .
قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله .
تأويل تمني بمعنى : قرأ ، وأمنيته : بمعنى قراءته ، ويدل على استعمال التمني بمعنى القراءة ، قول حسان بن ثابت في عثمان بن عفان بعد قتله :
تمنى كتاب أول ليلة *** وآخرها لاقى حمام المقادر
أي : قرأ كتاب الله في أول الليلة ، وفي آخرها قتله الثائرون عليه .
وما أرسلنا قبلك يا محمد – رسولا ولا نبيا – إلا إذا قرأ وتلا كلام الله ، ألقى الشيطان في قراءته وتلاوته ، بعض الأقاويل والأباطيل ، والشبه والتخيلات على أوليائه ، ليجادلوه بالباطل ويردوا ما جاء به ، تعجيزا لمسيرة دعوته ، قال تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . ( الأنعام : 121 ) .
فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ .
فيزيل الله ما وسوس به الشيطان ، من الكلمات والخرافات والأباطيل ، التي تعلق بها بعض الكفار ، ثم يجعل آياته محكمة محصنة مثبتة ، لا تقبل التشويه والتزييف ، أو الزيادة والنقصان .
وهو عليم بكل شيء ، له الحكمة التامة والحجة البالغة ، فيجازي المفتري بافترائه ، ويظهر الحق للمؤمنين .
ومن حكمة الله تمكين الشيطان من إلقاء الشبهات ، ليحاج أولياؤه بها ، فيتمكن المؤمنون من ردها ، ودحض المفتريات التي يتشدقون بها ، ويرجع الحق إلى نصابه ، فتظهر الحقيقة ناصعة بيضاء من بين تلك الظلماتxxxvi .
تفسير التمني بمعنى الرغبة والإرادة .
وما أرسلنا قبلك يا محمد من رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى ، وأراد هداية قومه إلى الحق ، ألقى الشيطان فيما تمناه ، الشبه في نفوس قومه ، ليصدهم عن سبيله ، ثم يبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه ، في نفوس الناس ، ثم يحكم الله آياته ، ويحميها ويمنعها من أباطيل المبطلين .
إن الصراع بين الحق والباطل أمر قديم ، عرف الأنبياء والمرسلون قبلك يا محمد ، وإن الأمر ينتهي بنصر الحق على الباطل ، بتدبير الله وحكمته ، فلا تجزع يا محمد مما يأتي به شياطين قومك من السعي بالباطل ، في آيات الله معاجزين ، بتسويل الشيطان الرجيم ، أولئك أصحاب الجحيم وأباطيلهم إلى زوالxxxvii .
قال الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسير المراغي :
هذا وقد دس بعض الزنادقة في تفسير هذه الآية أحاديث مكذوبة لم ترد في كتاب من كتب السنة الصحيحة ، وأصول الدين تكذبها ، والعقل السليم يرشد إلى بطلانها ، وأنها ليست من الحق في شيء . 1 ه .
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قرأ سورة النجم وفيها هذه الآيات : أفرأيتم اللات والعزى * ومنواة الثالثة الأخرى *ألكم الذكر وله الأنثى . ( النجم : 19 – 21 ) .
ألقى الشيطان عندها كلمات ، فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لهي التي ترجى . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وانطلقت بها ألسنتهم ، واستبشروا بها ، ثم نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته ، وحفظ القرآن من الفرية .
وقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
وقد تصدى المفسرون والعلماء لبيان بطلان قصة الغرانيق ، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول .
فالقرآن حافل بالتنديد بعبادة الأصنام ، وبيان أنها لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تجيب ، وليس لها شفاعة ، بل هي حصب جهنم ، وعبادتها احتقار للعقل ، وتقليد أحمق للآباء والأجداد .
وقد تكفل الله بحفظ كتابه من كل تحريف أو باطل ، قال تعالى : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . ( فصلت : 42 ) .
وقال سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . ( الحجر : 9 ) .
نقل فخر الدين الرازي كلاما طويلا ، يفيد أن قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق ، فحديث الغرانيق واهي الأصل ، لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة .
هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره ، وهو من ناحية موضوعه يصادم أصلا من أصول العقيدة ، وهو عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يدس عليه الشيطان شيئا في تبليغ رسالتهxxxviii .
وقد قال الله تعالى : وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى . ( النجم : 3 ، 4 ) .
وقال سبحانه : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ . . . ( يونس : 15 ) .
وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ سورة النجم ، فلما بلغ آية السجدة سجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق .
وروي حديث البخاري من طرق كثيرة ، وليس فيها البتة حديث الغرانيق .
وقد كان أعظم سعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفي الأوثان ، وضلال عبادتها .
ولو جوزنا زيارة شيء على القرآن لارتفع الأمان عن الشرع ، فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادةxxxix .
وقال سبحانه : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ . ( الحاقة : 44 – 47 ) .
وقد أولع المستشرقون والطاعنون في الإسلام بقصة الغرانيق ، والأمر لا يثبت للمناقشة ، فالنص القرآني يقرر أن هذه قاعدة عامة ، في الرسالات كلها مع الرسل كلهم ، من حيث تعرضها للجحود والكنود ، والإغراء والوعد والوعيد ، قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
ومن تأمل سيرة الرسل الكرام ، وسيرة الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجد التفسير واضحا ، فالعقبات في وجه الدعوة كثيرة ، والرسول بشر ، فربما حاول أن يذلل العقبات من طريق الدعوة .
وربما فكر في عمل مجلس للفقراء ، ومجلس لللأغنياء تلبية لرغبات المشركين فتنزل آيات القرآن توجب أن تكون الجلسة عامة ، وأن تفتح الأبواب للناس جميعا على السواء .
قال تعالى : وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ . . . ( الكهف : 27 – 29 ) .
وكذلك في قصة عبد الله ابن أم مكتوم حين أعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وانشغل بأغنياء مكة رجاء أن يؤمنوا ، وأن يؤمن بعدهم الأتباع والأعوان ، فنزلت سورة عبس وتولى . توضح توجيه الله العلي الكبير ، في عرض الهدى على الناس أجمعين ، فليس على الرسول إلا البلاغ ، أما الإيمان فأمره موكول إلى الله تعالى .
قال تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ . ( عبس : 1 – 16 ) .
تمنى : تمنى الشيء أراده : وحدث نفسه بما يكون وما لا يكون . وتمنى : سأل ربه : وفي الحديث : إذا تمنى أحدكم فليستكثر . وتمنى الكتابَ : قرأه .
إن أغلى أُمنية لأي رسولٍ أو نبيّ هي أن يعرف الناسُ حقيقةَ رسالته ويفهموها ويدركوا أهدافها ليهتدوا بها ، فلا تحزنْ أيها الرسول من محاولاتِ هؤلاء الكفارِ أربابِ الأطماع ، فقد جرت الحوادثُ من قبلك مع كلِّ رسولٍ ونبيّ من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئاً يدعوهم به إلى الحقّ تصدّى له شياطينُ الإنس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه . وذلك لكي يَحولوا دون تحقيق أُمنيته في إجابة دعوته ، فينسخُ الله ما يدبّرون ، ثم يثّبت شريعته وينصر رسله ، ويجعل آياتهِ محكَمةً لا تقبل الردّ . إنه عليم بأحوال الناس ومكايدهم ، حكيم في أفعاله يضع كل شيء في موضعه .
وجاء في كثير من التفاسير روايةٌ منسوبة إلى ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا على قريش سورةَ النجم ، ولما بلغ قوله تعالى : { أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى } ألقى الشيطانُ في تلاوة الرسول : « تِلك الغرانيقُ العُلى ، وإنّ شفاعتَهن لتُرتَجى » . فلمّا سمعتْ قريش ذلك فرِحوا به . ولما سجد الرسول سجد المسلمون والمشركون جميعا بسجوده . . . . فنزلت هذه الآية والآياتُ الثلاث التي بعدها .
وهذه الرواية مكذوبة لا أصل لها ولم تردْ في كتاب من الكتب الموثوقة ، وليس لها سند صحيح . بل إنها من وضع الكذّابين المشككين في الدين .
وقد كذّبها العلماء . . . قال القاضي عياض في الشفاء : إن هذا لم يُخرجه أحد من أهل الصحيح ، ولا رواه ثقةٌ بسندٍ سليم متصل . وقال أبو بكر البزّار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل . وقال الفخر الرازي في تفسيره : هذه الرواية باطلة موضوعة عند أهل التحقيق . وقال الإمام أبو بكر البَيْهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل .
وهذه السورة مدنية فكيف نوفق بينها وبين سورة النجم وهي مكية ومن أوائل ما نزل بمكة ! ولا أعتقد بصحة ما يقوله بعض المفسرين أن هذه الآيات 52 ، 53 ، 54 ، 55 من سورة الحج مكية ، فإنهم قالوا إنها مكية حتى توافقَ هذه الروايةَ الباطلة .
قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 52 ) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ( 53 ) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ( 54 ) } .
قوله : ( من رسول ولا نبي ) الواو تفيد المغايرة في المعنى بين المعطوف والمعطوف عليه ؛ فيستبين لنا أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ، وهذا يدل على الفرق بين حقيقة الرسول والنبي . فقد قيل : الرسول : الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومخاطبته له شفاها . أما النبي : فهو الذي يأتيه الوحي إلهاما أو في المنام . وقيل : الرسول : من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه . أما النبي : فهو المأمور أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب . وهما كلاهما لابد لهما من المعجزة .
قوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ( تمنى ) أي اشتهى ورغب فيما يهواه . وقال المفسرون : ( تمنى ) بمعنى تلا . و ( أمنيته ) يعني تلاوته .
وذكر أكثر المفسرين سببا لنزول هذه الآية . لكنه في الحقيقة سبب مريب لا ينبغي قبوله أو الاطمئنان . وهذه قصة معروفة هنا بقصة الغرانيق{[3133]} وهي قصة غريبة تقتضي التكذيب وعدم التصديق البتة وذلك لما نحسب أنها من وضع الزنادقة والماكرين من خصوم هذا الدين .
وجماع القول في سبب نزول هذه الآية ما روي عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ( ص ) بمكة سورة النجم فلما بلغ قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى . قالوا : ما ذكر آلهتنا قبل اليوم فسجد وسجدوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) الآية .
وفي رواية أخرى أن النبي ( ص ) جلس في ناد من أندية قومه ، كثير أهله . فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ فأنزل الله ( والنجم إذا هوى ) فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ألقى عليه الشيطان كلمتين : تلك الغرانيق العلا . وإن شفاعتهن لترتجى . ثم مضى بقراءة السورة كلها ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه . فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال : ما جئتك بهاتين . أو قال له : تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله . فحزن رسول الله ( ص ) وخاف خوفا شديدا فأنزل الله هذه الآية{[3134]} . إلى غير ذلك من مثل هذه الروايات في قصة الغرانيق المصطنعة التي ابتدعها فريق من المارقين المغرضين أولي الهوى مبتغين بذلك إشاعة الشبهة والارتياب في نبوة رسول الله ( ص ) وفي صدق كلامه الذي لا يصدر عن هوى وإنما هو وحي يوحى . إن قصة الغرانيق لا نظنها غير ضرب من ضروب الإفك المفترى على عصمة رسول الله ( ص ) . وذلك بما يشوب عامة الروايات في القصة من شوائب الضعف والاضطراب . وقد طعن فيها كثير من أئمة العلم . فقال الشوكاني : لم يصح شيء منها ، ولا ثبت بوجه من الوجوه . ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه . قال الله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) وقوله : ( وما ينطق عن الهوى ) وقوله : ( ولولا ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) فنفى المقاربة للكون فضلا عن الركون نفسه .
وقال البزار : هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ( ص ) بإسناد متصل .
وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل . ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقال الإمام ابن خزيمة : إن هذه القصة من وضع الزنادقة . وقال القاضي عياض : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا .
وقال ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح . وقال البغوي في تفسيره عن هذه القصة : كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه . ثم حكى أجوبة عن ذلك من ألطفها : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ( ص ) وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمان ( ص ) {[3135]} .
ويضاف إلى ذلك كله : أن ذكر الغرانيق في هذا الموضع المزعوم من سورة النجم لا يستقيم ولا يتفق ؛ فإذ ذكرها هنا يخالف مقتضى الآيات عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . فهذه أسماء لأصنام جيء بها في السورة بقصد الذم والتنديد بسفاهة المشركين الذين يعبدون هذه الأصنام الصماء والتي قال الله عنها موبخا مبكتا ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) .
قوله : ( إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) أي إذا تلا وقرأ كتاب الله أوقع الشيطان في مسامع المشركين مثل قصة الغرانيق من دون أن يتكلم بذلك رسول الله ( ص ) ولا جرى على لسانه البتة . وبذلك فإن هذه الآية جيء بها على سبيل التسلية لرسول الله ( ص ) . أي لا يحزنك يا محمد ، فقد أصاب من قبلك من النبيين والمرسلين مثل هذا من الشيطان ليفتن به الناس عن دينهم وليُشيع في نفوسهم الشك .
قوله : ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) النسخ معناه الإزالة والإبطال{[3136]} .
أي أن الله يبطل ما يوقعه الشيطان في مسامع الناس ( ثم يحكم الله آياته ) أي يثبتها ويرسخها في قلوب العباد ( والله عليم حكيم ) الله يعلم ما يجري في العالمين وما يدور في بواطن العباد من إنس وجن وملك . وهو كذلك حكيم في تقديره وتدبيره وتصرفه في الكائنات .