تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

المتقون وجزائهم

{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون( 3 ) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون( 4 ) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون( 5 ) }

ثم يأخذ السياق في وصف المتقين فيقول :

{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } . الصفة الأولى من صفات المتقين هي الإيمان بالغيب ، أي التصديق القلبي به ، والمراد بالغيب ما غاب عن الحس من شئون الدين وقام الدليل على ثبوته ، فالله تعالى لا تدركه الأبصار والإيمان به من الإيمان بالغيب ، وما يتعلق بالملأ الأعلى أو بأحوال يوم القيامة من بعث وحشر وحساب غيب .

«قال أبو العالية : يؤمنون بالغيب : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث فهذا كله غيب » ( 13 ) .

ومن الإيمان بالغيب الإيمان بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع عدم رِؤيته بل ذلك الإيمان أيضا يضاعف لصاحبه الأجر مرتين ، لأنه تصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مشاهدته .

روى الإمام أحمد عن أبي جمعة قال : «تغذينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة ابن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد خير منا . . ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك . . ؟ قال : «نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني » ورواه ابن مردويه بأطول من هذا وفي آخره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما يمنعكم من ذلك رسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي ، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه أعظم منكم أجرا مرتين » ( 14 ) .

ويقيمون الصلاة : يؤدونها تامة الأركان مستوفية الخشوع والخضوع مخلصين فيها لله .

قال ابن عباس : إقامة الصلاة : إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع ، وقال قتادة : إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها .

ومما رزقناهم ينفقون : أي يخرجون زكاة أموالهم ويتصدقون وينفقون المال في وجوه البر ، وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة ، لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه ، «واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ، فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم في أموالهم مؤدين ، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته من أهل وعيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك لأن الله وصفهم ومدحهم بذلك وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح محمود عليه " ( 15 ) .

وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ، فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي طريق إلى الطهارة النفسية ، وإلى صدق الإيمان والتوكل على الله ؛ والإنفاق هو الإحسان إلى عباد الله وبذلك يتم للمؤمن قلب نقي موصل بالخالق ، وعمل نافع يفيد المخلوقين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

وهؤلاء المتقون هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : الذين يؤمنون بالغيب الآيات 3-5 :

الذين يصدّقون بما غاب عنهم علمُه ، كذات الله تعالى ، وملائكته ، والدار الآخرة وما فيها من بعث ، ونشور ، وحساب ، وجنة ، ونار .

ويقيمون الصلاة : يؤدون الصلاة المفروضة عليهم خاشعين لله ، وقلوبهم حاضرة لمراقبة خالقهم . وإقامة الصلاة توفية حقوقها وإدامتها . وقد أمر الله تعالى بإقامة الصلاة ، وطلب أن تكون تامة وافية الشروط ، فقال : { أَقِمِ الصلاة } ، و{ والمقيمين الصلاة } . . وهذا يعني أنهم يوفونها حقها . وعندما ذم المنافقين قال : { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } [ الماعون : 4 ] . وفي ذلك تنبيه على أن المصلّين كثير ، والمقيمين قليل .

وقد نوه القرآن كثيراً بالصلاة وحثّ على إقامتها في كثير من الآيات ، لأثرها العظيم في تهذيب النفوس ، والسموّ بها إلى الملكوت الأعلى . وسيأتي تفصيل ذلك في كثير من الآيات . . .

{ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } الرزق كل ما يُنتفع به من المال ، والثمار ، والحيوان ، وغيره . والإنفاق : العطاء . . يعطون من أموالهم التي رزقهم إياها الله إلى المحتاجين ، من الفقراء ، والمساكين ، وذوي القربى ، واليتامى ، وأمثالهم . وكذلك ينفقون في سبيل الله ، للجهاد ، وفي الدفاع عن الوطن ، ولبناء المساجد ، والمدارس ، والمستشفيات ، ومساعدة كل مشروع فيه نفع للناس . فكما أن الله يرزقهم ، يجب عليهم أن ينفقوا ، لأن الدنيا أخذ وعطاء . والواقع اليوم أن كثيراً من الناس قد بات همهم جمعَ المال وتكديسه ، فأولئك ليسوا من المتقين . وآية الإنفاق هنا أن يكون في وجه الخير ونفع الناس ، أما على الترف والمباهاة وفي طريق السفه ، فإن الإنفاق تبذير ممجوج يمقته الله ، وعلى المسلمين أن يوقفوه ، ولو كان ذلك عن طريق العنف .

إن أموال الله التي في يد المسلمين هي لكافّتهم بالخير ، لا لقلتهم بالضلالة .