تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

مقدمة سورة البقرة

سورة البقرة : سورة البقرة مدنية وآياتها286 آية وهي أول سورة نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه سلم إلى المدينة .

قصة التسمية :

سميت سورة البقرة بهذا الاسم لأنها انفردت بذكر حادثة قتل وقعت في بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام .

واختلف الناس بشأن قاتله ، ثم رفعوا الأمر إلى موسى عليه السلام ليحكم في هذه الجناية التي خفي مرتكبها .

وسأل موسى ربه ؛ فأمرهم أن يذبحوا بقرة وأن يضربوا القتيل بلسانها فيحيا فيخبر عن قاتله .

وقد أكثر بنو إسرائيل من السؤال عن صفة البقرة وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ولو ذبحوا أي بقرة في أول الأمر لكفتهم .

قال تعالى : فقلنا اضربوه ببغضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون . ( البقرة : 73 ) .

الأهداف العامة لسورة البقرة

اشتملت سورة البقرة على الأهداف الآتية :

1- بيان أصناف الخلائق أمام هداية القرآن ، وقد ذكرت السورة أنهم أصناف ثلاثة : المؤمنون والكافرون والمنافقون .

2- دعوة الناس جميعا إلى عبادة الله ، وذكر أدلة التوحيد ومبدأ خلق الإنسان .

3- تعرضت السورة لتاريخ اليهود الطويل ، وناقشتهم في عقيدتهم ، وذكرتهم بنعم الله على أسلافهم ، وبما أصاب هؤلاء الأسلاف حينما التوت عقولهم عن تلقي دعوة الحق من أنبيائهم السابقين ، وارتكبوا صنوف العناد والتكذيب والمخالفة .

4- رسمت صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه .

لقد كانوا أول كافر به ، وكانوا يلبسون الحق بالباطل ، وكانوا يأمرون الناس بالبر وهو الإيمان وينسون أنفسهم وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ، وكانوا يخادعون الذين آمنوا بإظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذروا أنفسهم من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته .

كانوا يريدون أن يردوا المسلمين كفارا . . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم كما كان النصارى يدعون هذا أيضا وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل عليه السلام بما أنه هو الذي حمل هذا الوحي إلى محمد دونهم ، وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ، كما فعلوا عند تحويل القبلة ، وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه المنافقين كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين .

وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم ، وهم على الحالة الملتوية القصد ، كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون ، بما أنهم ورثة إبراهيم ، وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته ويتقيدون بعهده مع ربه ، وأن وارثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به( 7 ) .

5- والنصف الأخير من السورة ( 8 ) يتجه إلى التشريع الإسلامي الذي اقتضى أن يكون المسلمون جماعة متميزة عن غيرها في عباداتها ومعاملاتها وعاداتها .

وقد ذكرت السورة من ذلك القصاص في القتل العمد ، وذكرت الصيام والوصية والاعتكاف والتحذير من أكل أموال الناس بالباطل ، وذكرت الأهلة وأنها جعلت ليعتمد الناس عليها في أوقات العبادة والزراعة وغيرها ، وذكرت الحج والعمرة وذكرت القتال وسببه الذي يدعو إليه وغايته التي ينتهي إليها ، . وذكرت الخمر والميسر اليتامى ، وحكم الحيض والتطهر منه ، والطلاق والعدة والخلع والرضاع ، وذكر الأيمان وكفارة الحنث فيها ، وذكرت الإنفاق في سبيل الله وذكرت البيع والربا ، وذكرت طرق الاستيثاق في الديون بالكتابة والرهن .

وكان يتخلل كل ذلك على طريقة القرآن ما يدعو المؤمنين إلى التزام هذه الأحكام وعدم الاعتداء فيها ، من قصص ووعد ووعيد ، وإرشاد إلى سنن الله في الكون والجماعات ، ثم تختم سورة البقرة ببيان عقيدة المؤمنين على نحو ما بدأت في بيان أوصاف المتقين( 9 ) .

ومن ثم يتناسق البدء والختام في السورة ، وتتضح الروابط بين موضوعات السورة .

افتتاح السورة

بسم الله الرحمان الرحيم

{ آلم( 1 ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين( 2 ) }

{ آلم } هذه فاتحة سورة البقرة ، وقد تنوعت فواتح السور في القرآن الكريم تبعا لتنوع موضوعاتها ، فمنها من بدئ بالثناء إثبات الحمد لله ، كما في سورة الفاتحة الحمد لله رب لعالمين( الفتحة : 2 ) وكما في سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور( الأنعام : 1 ) .

ومنها من بدء بالنداء مثل : يا أيها النبي( التحريم1 ، الطلاق1 ) يا أيها المزمل( المزمل : 1 ) يا أيها المدثر . ( المدثر : 1 ) .

ومنها من بدئ بالقسم مثل والصافات( الصافات1 ) والذاريات ( الذاريات1 ) والطور

( الطور 1 ) والنجم( النجم1 ) والفجر( الفجر1 ) والشمس( الشمس1 ) والليل ( الليل 1 )والضحى ( الضحى1 ) والعاديات ( العاديات : 1 ) والعصر ( العصر1 ) .

حروف المعجم

من سور القرآن ما بدأ ببعض الحروف الهجائية التي لا تكون كلمات مثل : ألف ، لآم ، ميم .

وفي القرآن صيغ مختلفة من هذه الفواتح منها ما هو ذو حرف واحد ، مثل : { ص والقرآن ذي الذكر }( ص1 ) { ق والقرآن المجيد }( ق1 ) { ن والقلم وما يسطرون } . ( الليل1 ) .

ومنها ما هو ذو حرفين مثل : { طه( 1 ) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }( طه 1-2 ) ، { يس( 1 ) والقرآن الحكيم }( يس1-2 ) ، { حم( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }( غافر : 1-2 ) .

ومن السور ما بدئ بثلاثة حروف مثل : طسم ، آلر ، آلم .

وقد تكررت آلم . في بداية سورة البقرة وآل عمران ، والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة . ومن السور ما بدئ بأربعة أحرف مثل : المص ، آلمر ، ومنها ما بدئ بخمسة أحرف مثل : كهيعص ، حم( 1 )عسق .

معاني هذه الفواتح

ليس لهذه الفواتح في لغة العربية معان مستقلة ولم يرد من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان للمراد منها ، بيد أنه قد أثرت عن السلف آراء متعددة في معاني هذه الحروف ، وهذه الآراء على كثرتها ترجع إلى رأيين اثنين :

أحدهما : أنها جميعا مما استأثر الله به ، ولا يعلم معناها أحد سواه وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين .

ثانيهما : أن لها معنى وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى .

1- فمنهم من قال : هي أسماء للسور التي بدئت بها ، أو أن كلا منها علامة على انتهاء سورة والشروع في أخرى .

2- ومنهم من قال : إنها رموز لبعض أسماء الله تعالى وصفاته ، فنسب إلى ابن عباس في : كهيعص أن الكاف من الملك ، والهاء من الله والياء من العزيز والصاد من المصور . ونسب إليه أنها إشارة إلى الكاف ، هاد ، أمين ، عالم ، صادق ، وروي عن الضحاك في معنى آلر : أن الله أرفع .

3- ومنهم من قال : إنها قسم أقسم الله به لبيان شرف هذه الحروف وفضلها إذ هي مباني كتابه المنزل على رسوله .

4- ومنهم من قال : إن المقصود بها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم .

5- ومنهم من قال : إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة واستدراجها إلى استماع القرآن والإنصات إليه ، فقد كان العرب يتواصون بعد الاستماع إلى القرآن ، فلما سمعوا هذه الحروف أنصتوا إليها ثم استمعوا إلى ما بعدها .

6- ومنهم من ذهب إلى أن هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن ، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وفي هذا دليل على أنه ليس من صنع البشر بل تنزيل من حكيم حميد ، وقد لاحظ أصحاب هذا الرأي أن فواتح السور مكونة في جملتها من أربعة عشر حرفا ، هي نصف حروف الهجاء ، كما أنها حوت فوق كل ذلك من كل جنس من الحروف نصفه ، فقد حوت نصف الحروف المهموسة ونصف الحروف المهجورة ، ونصف الشديدة ونصف الرخوة ونصف المطبقة ونصف المنفتحة ، وكأنه قيل«من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن » ويؤيد هذا الرأي أن السورة الكريمة التي بدئت بحروف الهجاء تتحدث في الأعم الأغلب عن نزول القرآن وإعجازه .

سر الإعجاز

ولا يبعد أن يكون سر الإعجاز في هذه الحروف هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها :

فهي بداية للسورة ، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته وهي لون من التنبيه الذي يقرع الأذهان ويلفت الغافلين وهي مما أقسم الله به لبيان شرف القرآن وفضله ، وهي مما استأثر الله بحقيقة المراد منه ، فكل ما ذكره العلماء اجتهاد محمود لإدراك أسرارها أو حكمة الابتداء بها .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة ، عدد آياتها مئتان وست وثمانون .

من أوائل ما نزل بعد الهجرة ، وهي أطول سورة في القرآن ، إذ استغرقت جزئين ونصف جزء ، وبلغ عدد آياتها ستا وثمانين ومائتي آية .

وقد سميت بهذا الإسم لأنها انفردت بذكر حادثة قتل وقعت في بني إسرائيل على عهد موسى عليه السلام ، وكان للبقرة فيها شأن عجيب .

وقد ابتدأت هذه السورة بتفصيل ما انتهت إليه سورة الفاتحة ، فذكرت أن القرآن هو مصدر الهدى ، ذلك الكتاب لا ريب فيه . وبينت بالتفصيل من هم الذين أنعم الله عليهم بالرضا ، والآخرين الذين غضب الله عليهم من الكفار والمنافقين .

وقد تحدثت السورة عن صدق القرآن ، وأن دعوته حق لا ريب فيها .

وبعد أن بيّنت أصناف الناس الثلاثة : المؤمنين ، والكافرين ، والمنافقين- تحدثت عن الدعوة إلى عبادة الله وحده ، وعن إنذار الكافرين وتبشير المؤمنين . ثم إنها خصت بني إسرائيل بالدعوة والمراجعة ، وذكّرتهم بأيام الله وبحوادثهم مع موسى ، وبإبراهيم وإسماعيل وبنائهما الكعبة . وقد استغرق ذلك نحو نصف السورة ، لكنه تخلله حديث موجه إلى المؤمنين للاعتبار بما حدث لليهود والنصارى .

ثم انتقل الحديث إلى خطاب المسلمين بذكر ما هو مشترك بينهم وبين قوم موسى من فضل إبراهيم وهدايته ونسبه . بعد ذلك جاء الحديث عن القِبلة وتحويلها عن القدس ، واحتجاج أهل الكتاب على ذلك والرد عليهم ، كما جاء ذكر التوحيد والتذكير بآيات الله الدالة عليه ، ثم ذكر الشرك والمحرّم من الطعام على أساس أن التحرم والتحليل من حق الله وحده .

كذلك تعرضت سورة البقرة لبيان أصول البر بتفصيل عظيم ، وبينت بعض التشريع ، مع أحكام الصيام ، والوصية ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والقتال والقتل ، والقصاص ، والحج ، والخمر والميسر ، والنكاح ، والطلاق ، والرضاع ، والعِدة ، وغيرها . كما تعرضت للحديث عن العقائد العامة كالرسالة ، والتوحيد ، والبعث ، وتحدثت عن الإنفاق ، والربا ، والتجارة ، وكتابة الدّين . ثم خُتمت السورة بدعاء من المؤمنين لربهم .

هذا مجمل لمحتوى السورة ، يمكن اعتباره تلخيصا وتعدادا .

من هذا نرى أن سورة البقرة من أجمع السور ، فقد احتوت على أصول العقيدة ، وعلى كثير من أدلة التوحيد ، كما ذكرت مبدأ خلق الإنسان ، ثم وجهت عنايتها إلى أمرين اقتضت الإفاضة فيهما حالة المسلمين عقب هجرتهم من مكة إلى المدينة . . .

أحدهما : أن المسلمين تركّزوا جماعة مستقلة في المدينة ، حيث بنى النبي مسجده لأداء الصلوات المفروضة ، وليكون بمثابة ندوة جامعة لهم ، فهو مدرستهم ومحكمتهم ودار شوارهم . وذلك بعد أن آخى النبي بين المهاجرين والأنصار ، وصاروا جبهة مؤمنة واحدة تحتاج إلى تشريع تنظم به شئونها .

وثانيهما : أن هجرتهم جعلت لهم جوارا في المدينة غير جوارهم في مكة ، فهم الآن جيران اليهود بعد أن كانوا جيران المشركين من العرب .

بهذين الأمرين نجد أن السورة تهدف إلى غرضين رئيسَين غير ما سبق .

الأول : توجيه الدعوة إلى الجيران الجدد ومناقشتهم فيما كانوا يثيرونه حول رسالة محمد من تشكيك وشُبه .

والثاني : التشريع الذي اقتضته صيرورة المسلمين جماعة متميزة عن غيرها في عبادتها ومعاملاتها .

وقد تضمنت هذه السورة عدة قواعد منها :

أن اتّباع سبيل الله وإقامة دينه هما الموجبان للسعادة في الدنيا والآخرة ، وأنه لا يليق بعاقل أن يدعو إلى البر والفضيلة وينسى نفسه ، بل يجب إيثار الخير على الشر في كل حال . وأن أصول الدين ثلاثة وهي : الإيمان بالله ورسوله ، والإيمان بالبعث ، والعمل الصالح .

أما الجزاء فهو على الإيمان والعمل معا .

وأما شرط الإيمان فهو الإذعان النفسي والتسليم بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

أما الولاية العامة الشرعية فيجب أن تكون لأهل الإيمان والعدل وحدهم . ويستعان على تحقيق الأمور الجليلة بالصبر والصلاة ، وبهما تنتصرُ القلة على الكثرة .

وبصدد ما أحله الله لعباده وما حرمه ، فقد أحل لهم الطيبات من المطعم ، وحرّم أشياء خبيثة محدودة . ومع ذلك فإن المحرّمات تباح للمضطر ، لأن الضرورات تبيح المحظورات ، وتقدّر بقدْرها . فالدين مبني على اليسر ورفع الحرج ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .

أما الإكراه في الدين فهو ممنوع ، فيما القتال مشروع للدفاع ، ولتأمين حرية الدين ، وسيادة الإسلام في مجتمعه .

وأن للمسلم أن يطلب حظه من الدنيا ، كما يؤدي واجبه نحو الآخرة . وأن سدّ الذرائع وتقرير المصالح من مقاصد الشريعة . والإنسان في الإسلام مجزي بعمله لا بعمل غيره ، فإذا كان في الأديان دين يجتبي القبيلة بنسبها أو المرء بمولده في أمة معينة ، أو يحاسبه على خطيئته يزعم توارثها ، فليس في الإسلام إنسان ينجو بالميلاد أو يهلك بالميلاد ، ولكنه الدين الذي ترتبط فيه النجاة والهلاك بسعي المرء وعمله ، { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } النجم : 39 .

بدئت سورة البقرة بهذه الحروف الثلاثة ، وهي تُقرأ حروفاً مفرّقة ، لا لفظة واحدة ، وفي القرآن عدة سور بدئت بحروف على هذا النحو ، منها : البقرة ، وآل عمران مدنيّتان ، والباقي سور مكيّة .

وقد جاءت بدايات هذه السوَر على أنواع : منها ما هو حرف واحد ، مثل : «ص . والقرآنِ ذي الذِكر » ، «ق . والقرآن المجيد » ، «ن . والقلمِ وما يسطُرون » ، ومنها ما هو حرفان ، مثل : «طه ما أنزلنا عليكَ القرآن لتشقى » ، «يس والقرآنِ الحكيم » ، «حم تنزيلُ الكتاب من اللهِ العزيزِ الحكيم » ، ومنها ما هو ثلاثة أحرف أو أكثر ، مثل : «ألم » ، «المص » ، «كهيعص » ، و «حم عسق » الخ .

وهذه الحروف أربعة عشر حرفاً ، جمعها بعضهم في عبارة «نصٌّ حكيم قاطع له سر » .

والعلماء في تفسير معنى هذه الحروف فريقان :

فريق يرى أنها مما استأثر الله بعلمه . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم المراد منها ، فالله أعلم بمراده .

وفريق يقول : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما ليس مفهوماً للخلْق . وهؤلاء اختلفوا في تفسير هذه الحروف اختلافاً كثيرا . فبعضهم يقول إنها أسماء للسور التي بدئت بها ، وبعضهم يعتبرها رموزاً لبعض أسماء الله تعالى أو صفاته ، فالألف مثلاً إشارة إلى أنه تعالى «أحد ، أول ، آخر ، أبدي ، أزلي » ، واللام مثلا إشارة إلى أنه «لطيف » ، والميم إلى أنه «ملك ، مجيد ، منان » الخ . .

أما الرأي الأشهر الذي اختاره المحققون فهو أنها حروف أنزلت للتنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف ، وفي متناول المخاطَبين به من العرب ، فهو يتحداهم أن يصوغوا من تلك الحروف مثله ، وهم أمراء الكلام ، واللغةُ لغتهم هم .

من هذه الحروف يصوغ البشر كلاما وشعرا ، ومنها يجعل الله قرآنا معجزاً ، فما أعظم الفرق بين صنع البشر وصنع الله !