تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

المفردات :

أو يلبسكم شيعا : أو يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء ، كل فرقة تشايع هوى .

بأس بعض : البأس ، الشدة .

كيف نصرف الآيات : كيف نبين ونلون الحجج .

التفسير :

65- قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويضيق بعضكم بأس بعض وانظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون . هذا كلام مستأنف لبيان قدرة الله تعالى على إيقاعهم في المهالك وفيه وعيد ضمني بعذابهم إن بقوا على شركهم .

والمعنى :

قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين : إن الله تعالى قادر على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم من جهة العلو ، كما أرسل على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل والحجارة ؛ أو من تحت أرجلكم أي من الجهة السفل كالغرق وخسف الأرض ، كما حدث لفرعون وقارون ، أو أن يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء : تشايع كل فرقة رأيا وتناصره ، فتصبح الأمة في بلاء وجدال وصراع ، وفي خصومة ونزاع ، فينشأ القتال وتأكل الأمة بعضها بعضا ، ويضيق بعضها بأس بعض .

أنظر أيها الرسول الكريم – أو أيها العاقل ، كيف ننوع الآيات والعبر والعظات ، بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى لعلهم يفقهون الحق ويدركون حقيقة الأمر ، فينصرفوا عن الجحود والمكابرة ، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم .

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم ان يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم خاسفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا . ( الإسراء : 68 ، 69 ) .

وعندما يجد الإنسان آثار الفيضانات أو الزلازل والبراكين ، أو آثار القنابل المهلكة أو تسرب الغاز السام من المعامل ، أو إخفاق صاروخ في الانطلاق إلى مساره ، أو الحروب التي يذيق الناس بعضهم بأس بعض يتبين جانبا من المعنى الإلهي في هذه الآية ، وأن الإنسان سيظل مربوبا لقدرة الله القادرة .

والآية خطاب من الله تعالى للمشركين ، لكن القرآن معناه عام ولا يحمل وعده أو وعيده على أناس بأعيانهم بل يشمل كل من يتأتى منه الخطاب إلى يوم القيامة .

وعن مجاهد إن الآية عامة في المسلمين والكفار .

وقد ورد في الأحاديث الصحيحة . أن الله تعالى قدا ستجاب لدعاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحفظ الأمة المحمدية من العذاب الإلهي من فوقها أو من تحتها .

لكنه تعالى ابتلاها باختلافها شيعا ، وإذاقة بعضها بأس بعض عندما تستحق هذا الابتلاء روى البخاري ، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال :

( لما نزلت هذه الآية : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم . قال صلى الله عليه وآله وسلم ( أعوذ بوجهك ) ، أو من تحت أرجلكم . قال : ( أعوذ وجهك ) ، أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض . قال : ( هذه أهون وأيسر ) .

وروى مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( سألت ربي ثلاثا : سألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها ، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم . . فمنعنيها ) والمراد بالسنة القحط والجدب ( 101 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

الشيع : واحدها شيعة ، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر . أو يلبسكم شيعا : يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقاً مختلفة .

بأس : شدة .

نصرف الآيات : نحولها من نوع إلى آخر من فنون الكلام .

يفقهون : يفهمون .

بعد أن بيّن تعالى الدلائل على كمال القدرة الآلهية ، ونهاية الرحمة بعباده ، ذكر هنا قدرته على تعذيبهم إن عصوَه ، وأبان أن عاقبة كفران النعم زوالها .

قل أيها الرسول لقومك الذين لا يشكرون نعمة الله ويشركون معه غيره في العبادة : إن الله وحده هو الذي يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم أو من أسفلكم ، أو يجعل بعضكم لبعض عدوّاً ، وتكونون طوائف مختلفة الأهواء متناكرة ، يقتل بعضكم بعضا .

انظر أيها الرسول كيف دلّت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة ، ومع هذا لا يؤمن قومك بذلك ! !

لا شك أن هذه الآية من معجزات القرآن الذي لا تفنى عجائبه ، فإن فيها نبأ مَن كان قبل الإسلام ، ومن كان زمن التنزيل ، ومن سيأتي بعدهم .

فهذه الحروب التي تشبّ في عصرنا فيها من الأهوال ما لم يسبق له نظير ، فقد أرسل الله على تلك الأمم المحاربة عذاباً من فوقها تقذفه الطائرات والصواريخ ، وعذاباً من تحتها تقذفه الغواصات من أعماق البحار ، وتهلك به مختلف السفن ، كما جعل أمم أوروبا شيعاً متعادية ، ذاق بعضُها بأس بعض فحلّ بها من القتل والدمار والتخريب ما يشيب له الأطفال .

وإذا نظرنا في أحوالنا نحن العرب والمسلمين ، نجد أننا يعادي بعضنا بعضا ونحترب ، فيما العدو مترّبص بنا ينتظر لينقضّ علينا ويلتهم ما يستطيع من أراضينا وبلادنا . وما ذلك إلا لأننا بعُدنا عن ديننا ، وغرّتْنا الحياة الدنيا ، فأصبحنا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون .

روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قل هو القادر . . الخ » قال : أما إنّها كائنةٌ ولَم يأتِ تأويلُها بعد . . . » .