تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (64)

المفردات :

البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة : البشرى : مصدر أريد به : المبشر به ، وبشرى الحياة الدنيا : خيراتها العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك ، وبشرى الحياة الآخرة : ما أعد لهم فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

التفسير :

64 { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ . . . } الآية .

أي : إن هؤلاء الأولياء الموصوفين بالإيمان والتقوى يبشرهم الله بالنصر والنجاح في أعمالهم الدنيوية كالزراعة والصناعة والتجارة ويبشرهم في الآخرة بدخول الجنة .

قال تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } . ( الحديد : 12 ) .

ورأى بعض المفسرين : أن البشرى هي الرؤيا الصادقة ؛ فالله تعالى يبشرهم في منامهم بالخير الذي ينتظرهم .

قال الآلوسي في تفسيره :

وأكثر الروايات تفيد أن البشرى في الحياة الدنيا ، هي الرؤيا الصالحة فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي وغيرهم : عن عبادة بن الصامت . قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { لهم البشرى في الحياة الدنيا } ؛ فقال : ( هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ) . xxvii

{ لا تبديل لكلمات الله } .

أي : لا تغيير ولا خلف في مواعيده تعالى ، ومن جملتها بشارة المتقين بجناب النعيم والخير العميم .

{ ذلك هو الفوز العظيم } .

أي : تلك البشرى لأولياء الله بالفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة ؛ { هو الفوز العظيم } . وأي فوز أعظم من طاعة الله ورضوانه ، والفوز في الدنيا والنجاة يوم القيامة ، ودخول الجنة والتمتع برضوان الله ، وهو أكبر كل نعيم ؟ !

جاء في تفسير القاسمي :

«وإذا كان أولياء الله هم المتقون ، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى ، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى ؛ كان أكمل ولاية لله ، فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل ؛ بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى ، ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم ؛ كان كاذبا في دعواه ، أو كان مجنونا ، وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات ، فلا يتميزون بلباس دون لباس ، ولا بحلق شعر أو تقصير ؛ بل يوجدون في جميع طبقات الأمة ، فيوجدون في أهل القرآن ، وأهل العلم ، وفي أهل الجهاد والسيف وفي التجار والصناع والزراع ، وليس من شرط الولي أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين . . . » . xxviii

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (64)

قوله تعالى : " لهم البشرى في الحياة الدنيا " عن أبي الدرداء قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ( ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت ، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) خرجه الترمذي في جامعه . وقال الزهري وعطاء وقتادة : هي البشارة التي تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت . وعن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت{[8532]} نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : ( السلام عليك ولي الله الله يقرئك السلام ) . ثم نزع بهذه الآية : " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم{[8533]} " [ النحل : 32 ] ذكره ابن المبارك . وقال قتادة والضحاك : هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت . وقال الحسن : هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه ؛ لقوله : " يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان{[8534]} " [ التوبة : 21 ] ، وقوله : " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات{[8535]} " [ البقرة : 25 ] . وقوله : " وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون{[8536]} " [ فصلت : 30 ] ولهذا قال : " لا تبديل لكلمات الله " أي لا خلف لمواعيده ، وذلك لأن مواعيده بكلماته . " وفي الآخرة " قيل : بالجنة إذا خرجوا من قبورهم . وقيل : إذا خرجت الروح بشرت برضوان الله . وذكر أبو إسحاق الثعلبي : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي{[8537]} يقول : رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان وعمامة ، فسلمت عليه وقلت له : أهلا بك ، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك ، فقال : ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك ، قال الله تعالى : " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " الثناء الحسن : وأشار بيده . " لا تبديل لكلمات الله " أي لا خلف لوعده . وقيل : لا تبديل لأخباره ، أي لا ينسخها بشيء ، ولا تكون إلا كما قال . " ذلك هو الفوز العظيم " أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم .


[8532]:أي إذا اجتمعت فيه تريد الخروج كما يستنقع الماء في قراره وأراد بالنفس الروح (ابن الأثير).
[8533]:راجع ج 10 ص 100 فما بعد.
[8534]:راجع ص 93 من هذا الجزء.
[8535]:راجع ج 1 ص 237 فما بعد.
[8536]:راجع ج 15 ص 357.
[8537]:هذه النسبة إلى جوزق (كجعفر) بلدة بنيسابور.