وكنت عليهم شهيدا : أي رقيبا ، أو شاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان .
فلما توفيتني : التوفى ؛ أخذ الشيء وافيا كاملا ، ، ومنه الموت ؛ لأن الميت استوفى أجله .
117- ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم . أي ما أمرتم إلا بما أمرتني أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، فيجب أن ندين لك جميعا بالعبادة والخضوع والطاعة .
وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم . أي : وكنت مراقبا لأحوالهم ، مرشدا لهم مدة بقائي بينهم . فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد . أي فلما رفعتني إليك حيا إلى السماء بعد أن توفيتني من حياة الأرض ، كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم .
وأنت على كل شيء شهيد . لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك .
ومذهب الجمهور : هو أن عيسى ابن مريم رفع إلى السماء حيا وهو باق على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض في آخر الزمان .
وقال صاحب الظلال : وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله سبحانه ، قد توفى عيسى ابن مريم ثم رفعه إليه وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله ، وليس هنالك – فيما أرى – أي تعارض يثير أي استشكال بيد أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض ، وأن يكون حيا عنده ، فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله ، أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفا ، وكذلك صورة حياة عيسى – عليه السلام – وهو هنا يقول لربه : إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي .
ومن الباحثين من يرى أن معنى : فلما توفيتني . أي : أمتني وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته .
وذهب غيرهم إلى معنى : فلما توفيتني . أي وفيتني أجرى كاملا أو أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلى من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا ، وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله تعالى : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا . ( ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلى السماء جثة هامدة ، سخف من القول ، وقد نزه الله السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة ، فالحق أنه – عليه السلام – رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية والله على كل شيء قدير ) ( 46 ) .
وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري عن ابن عباس قال :
خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا – أي غير مختونين – ثم قرأ : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين . ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصيحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم . فيقال لي : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) ( 47 ) .
قوله تعالى : " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به " يعني في الدنيا بالتوحيد . " أن اعبدوا الله " " أن " لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[6189]} " [ ص : 6 ] . ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلوا كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين .
قوله تعالى : " وكنت عليهم شهيدا " أي حفيظا بما أمرتهم . " ما دمت فيهم " " ما " في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم . " فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه أن يرفعه وليس بشيء ؛ لأن الأخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه ، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء . قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وذلك قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[6190]} " [ الزمر : 42 ] يعني وقت انقضاء أجلها . ووفاة النوم قال الله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل{[6191]} " [ الأنعام : 60 ] يعني الذي ينيمكم . ووفاة الرفع قال الله تعالى : " يا عيسى إني متوفيك{[6192]} " [ آل عمران : 55 ] . وقوله{[6193]} " كنت أنت " " أنت هنا{[6194]} " توكيد " الرقيب " خبر " كنت " ومعناه الحافظ عليهم والعالم بهم والشاهد على أفعالهم ، وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة{[6195]} لأنها في موضع الرقيب من علو المكان . " وأنت على كل شيء شهيد " أي من مقالتي ومقالتهم ، وقيل على من عصى وأطاع . خرج مسلم عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة{[6196]} عراة غرلا{[6197]} " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " [ الأنبياء : 104 ] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " قال : فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين{[6198]} مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.